مقدمة قبل «انتهاء الصلاحية»

0 تعليق 22 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كأنها موجات من زفير التنهد والارتياح تأتى تعليقات غالبية من يتفضلون بالتعقيب على ما أكتبه من ذكريات تتصل بالقرية والموالد والسجون وغيرها من مجالات بعيدة عن التناول السياسى المباشر للأحداث، ويبدو أن شريحة المثقفين والمهتمين بالقراءة قد أصابها الزهق والضجر والملل مما يُعرض فى المجال السياسى خاصة ومجال الاختلافات والتراشقات، التى يحرص بعض من يقترفون الكتابة على البقاء فى مستنقعها.. ولذلك يبقى الكاتب فى حيرة من أمره، لأنه إذا تجاهل الأحداث الجارية والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وإذا ابتعد عن الاشتباك لدحض باطل يزيف تاريخًا أو يخفى حقيقة، فقد يقال إنه ممن صاروا يؤثرون السلامة وأضحى ممن يهربون من تحمّل مسؤولية اتخاذ موقف واضح مما يجرى، ويناله من الاستهجان ما قد تكون صيغته بالبلدى: «شوف والنبى.. فلان سايب الدنيا تضرب تقلب ومتعامى عن الأحداث الساخنة وقاعد يتكلم عن الغيط والدار والفلاحين وغيره»! أما إذا انغمس فى الشأن العام وواصل الاهتمام بما يحدث؛ يحلله ويفسره ويعلن موقفه منه، قيل: «كفاية سياسة.. لعن الله ساس ويسوس وما اشتق منها.. كل الكتابة تشبه بعضها ولا أحد عنده من المعلومات الموثوقة ما يجعل رأيه وتحليله هو الأصوب.. وكل يغنى على ليلاه ويسعى لتجيير الأحداث لصالح معتقداته وتوجهاته الفكرية والسياسية»! ولذلك فإن الكاتب يلجأ أحيانًا إلى أسلوب التورية والإسقاط، بحيث يتخذ من مادة تاريخية أو ذكريات ذاتية أو كتابة خفيفة ساخرة ومضحكة وسطًا حاملًا لوجهة نظره تجاه الوضع السياسى القائم! وفى هذا تأتى سيرة المرأة التى دخلت على هارون الرشيد وعنده أصحابه، فقالت له: «يا أمير المؤمنين، أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك وأتم سعدك، لقد حكمت فقسطت»، ثم سكتت، وظن أصحاب الرشيد أنه ارتاح وابتهج لما قالت، وإذا به يسألهم عما قالت، فقالوا: ما نراها إلا خيرًا، فقال الرشيد: ما أظنكم فهمتم، وبدأ يشرح: أما قولها أقرّ الله عينك فمعناها أسكنها.. وإذا سكنت العين عن الحركة عميت! وأما قولها: وفرّحك بما آتاك فقد أخذته من قوله تعالى «حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة»! وأما قولها: وأتم سعدك فأخذته من قول الشاعر: إذا تم أمر بدا نقصه.

Sponsored Links

■ ■ ترقب زوالا إذا قيل تم! وأما قولها: حكمت فقسطت فمعناها حكمت فجُرت وأخذته من قوله تعالى: «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا»! ثم التفت إليها الرشيد وقال لها: ممن المرأة؟! فقالت: ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم! فقال لها: «أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، وأما الأموال فمردودة إليك»!.

ولو أن كل من يكتبون فى فترة من الفترات لجأوا لمثل هذا الأسلوب لأصبح الأمر شديد العسر على من يراقبون ما يكتب ويتابعون ما ينشر، وهنا كثيرًا ما أتذكر النكتة التى كان يحلو للعم الساخر محمود السعدنى ترديدها بين حين وآخر، وتحكى عن المتهم الذى تقرر القبض عليه بتهمة توزيع منشورات مضادة، وداهمته القوات وسحبوه من قفاه، ومع الصفع والركل والصياح صرخ معترفًا ومشيرًا إلى المكان الذى يخزن فيه الأوراق، وفتحوا المكان فإذا بالرزم مكدسة، ورزمة بعد رزمة وورقة بعد ورقة وجدوها جميعًا ورقًا أبيض خاليًا من الكتابة، فظنوا أنه الحبر السرى، واستُدعى المختصون من المعامل المتخصصة، فإذا بهم يؤكدون أنها بيضاء فعلًا ولا كتابة فيها، فلما سألوه أكد أن هذه هى المنشورات وأنه يوزعها بيضاء من كثرة ما عنده من انتقادات، هيكتب إيه.. واللا إيه.. واللا إيه!.

والعجيب فى الظاهرة أنه قد يكون واردًا فى تناول الأوضاع القائمة فى أى بلد استخدام أسلوب التورية والإسقاط، ولكننا قد نصادف من يكتب بطريقة «التلئيح» التى لا تُكتب بالقاف لأنها ستحمل معنى آخر مغايرًا تمامًا، و«التلئيح» جزء من التراث الشعبى يزدهر فى الحارات والأزقة وله فنونه ونوادره، ومن أمثلته فى صحافتنا الحالية أن يتم التركيز- وعلى طول وباستمرار وفى كل الأوقات وبكل السبل- لتوصيل رسائل إلى أصحاب القرار عبر التطاول- اللامتناهى فى الوقت وفى المبالغة وفى الافتراء والتزييف- على ثورة يوليو وعبدالناصر، دون أى انتباه إلى أن هذا اللون من الكتابة أصبح منتهى الصلاحية يعنى Expired.. لا يقبل على الاقتراب منه إلا من تعود عليه فى كل حياته.. وأن من يروجه ويسوقه له سمات خاصة.

وكما سبق ووعدت، فإننى بصدد التفصيل فى ظاهرة «انتهاء الصلاحية» عبر مقالات مقبلة.

a_algammal@yahoo.co.uk

------------------------
الخبر : مقدمة قبل «انتهاء الصلاحية» .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق