«حلاوة».. عمل لا شىء!!

0 تعليق 18 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إجازتى الصيفية على الأبواب.. معها تزداد الحاجة والإلحاح فى التفكير حول أهمية الراحة ومدة ساعات العمل التى نقضيها مستهلكة وقتاً كبيراً من حياتنا.. مانعة أحياناً لملذات كثيرة ربما قد نندم عليها عندما نعرف قيمتها فيما بعد.

Sponsored Links

وقد تكون زيارتى الأخيرة لإيطاليا هى التى ألهمتنى كتابة هذا المقال، فكنت دائماً أقرأ عن فكرة «الكسل الإيطالى» حتى شاهدت ملامح منها- وأنا أتجول فى شوارعها وأزقتها وأرى هؤلاء النساء وهن يتكئن من نوافذهن لمشاهدة المارة أو العائلات فى نزهاتهم المسائية بعد العمل وهذه التحيات الحارة للأصدقاء.. مشاهد أعرفها جيداً هنا فى بلدى، فلا يوجد اختلاف كثير من ناحية الشكل- ربما فقط من ناحية أخرى وأعنى هنا «الإنتاج» خاصة عندما نعلم أن الوقت الذى يستقطعه الإيطاليون للراحة عندما يعودون إلى منازلهم ظهراً أو تكتظ المطاعم بهم لتناول شطيرة أو وجبة سريعة أثناء العمل يتم تعويضه فى عمل منتج يستمر حتى الثامنة مساءً، الأمر الذى يتناقض مع الاعتقاد الشائع: «بحلاوة عدم القيام بأى شىء». «Il Dolce far Niente» الذى اشتهر به الإيطاليون.

وعلى كل حال الحديث ليس هنا عن هذا الشعب الودود الجميل بقدر ما هو عن قيمة الراحة.. علاقتها بالإنتاج وثقافة العمل.. فمفهوم العمل الذى يستمر لمدة 14 ساعة يومياً.. ويمارسه الكثيرون لا يشترط أن يحقق إنتاجاً أو نجاحاً بل على العكس هو يقوض الإبداع والإدراك وبمرور الوقت يصيبنا بالمرض الجسدى والاكتئاب، وكأننا ليس لدينا هدف آخر فى الحياة نحيا من أجله.

وقد ينتقدنى البعض بهذا الكلام، مشيراً إلى أننا بطبيعتنا شعب كسول غير منتج.. وهو صحيح!! ولكن إذا فكرنا فى العمل «كقوة دفع» مثله مثل ممارسة التمرينات الرياضية التى تحتاج إلى عضلات وليس كجهاز كمبيوتر قادر على العمل المستمر- سنعلم أننا لا نستطيع إرهاق عضلات العقل بهذا الحجم من ساعات العمل التى لا يشترط أن نخرج من حجمها بفائدة وهو ما تؤكده الأبحاث التى أثبتت أن الذين يعملون أكثر من 11 ساعة فى اليوم هم أكثر عرضة للإصابة بمرض الاكتئاب بنسبة 2.5%عن أولئك الذين يعملون من سبع إلى ثمانى ساعات بالإضافة إلى أن 40% يتعرضون للإصابة بأمراض القلب التاجية نتيجة لهذه الممارسة المستمرة لساعات العمل الطويلة.

وربما يكون الاتجاه المعروف باسم «كاروتشى» karoshi» وهو «الموت بسبب العمل الشاق» تحذيراً قوياً لهؤلاء العاملين المهووسين أو المضطرين للعمل ساعات طويلة، الأمر الذى يجعلنا نتساءل إذا كان علينا أن نلومهم أم لا خاصة أن الكثير منهم- بالرغم من علمهم بأهمية قضاء وقت للراحة- لا يعرفون كيفية ملء أيامهم إذا كان لديهم أربع ساعات من العمل من أصل 24 ساعة كما يقول الفيلسوف «برتراند راسل» الذى كتب هذه المقولة عام 1932 مشيراً لهؤلاء الرجال الذين يعتقدون أن عليهم العمل من أجل شىء آخر وليس من أجل أنفسهم وهو ما يذكرنى بـ«بنجامين فرانكلين» مؤسس الولايات المتحدة وهو نموذج يحتذى به للعمل الدؤوب ولكنه فى نفس الوقت كان يكرس مساحات شاسعة من وقته ليكون خاملاً.. كل يوم كان لديه استراحة غذاء لمدة ساعتين وأمسيات خالية من العمل ونوم كامل طوال الليل وأمضى كثيرا من الوقت فى ممارسة هواياته والتواصل الاجتماعى.

أما على المستوى العالمى فلا يوجد ارتباط واضح بين إنتاجية البلد ومتوسط ساعات العمل.. وأما بالنسبة إلى إيطاليا موطن الـ«دولسى» فإن متوسط ساعات العمل التى تبلغ 35.5 ساعة أسبوعياً يقابلها إنتاج أكثر من بنسبة 40% فى الساعة والتى يعمل أفرادها 47.9 ساعة فى الأسبوع وتتفوق أيضا على المملكة البريطانية، حيث يعمل الناس 36.5 ساعة أسبوعياً.

إذن المسألة.. مسألة إدارة.. وتنظيم.. وتخطيط.. ومفاهيم جديدة لثقافة العمل وأخلاقياته وقيمة الحياة وجوهرها وحق الإنسان فى الحصول على متعتها!!..

حاجات «كتير» محتاجة شغل.. «مش» بطول الساعات ولا بقصرها» ولكن بمعناها وتوظيفها والتخطيط لها جيداً.. على فكرة أنا قربت أطلع أجازة.

selnakkady@gmail.com

------------------------
الخبر : «حلاوة».. عمل لا شىء!! .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق