مجدّد الإسلام وأعدل الحكام

0 تعليق 45 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كان عمر بن عبدالعزيز خامس الخلفاء الراشدين وهو من نسل بنى أمية وكان خليفة منصفا وعادلا، وأصلح ما أفسده خلفاء بنى أمية وواصل مع الدولة مسيرتها إلى التقدم فأعاد للناس صورة الخلافة الإسلامية في عصرالأربعة الراشدين حتى ينعتوه بأنه خامس الخلفاء الراشدين. لقد حقق عمر بن عبدالعزيز للناس أملًا تطلعوا إليه منذ صار الحكم فيهم جورا واستبدادا وبدأ إصلاحاته منذ اللحظة الأولى التي تولى فيها أمر المسلمين، فها هو ينتهى من صلاته على جثمان الخليفة الراحل حتى يرى خيلًا وبغالًا مطهمة ولكل دابة سائس فيسأل: ما هذا؟ فيجيبونه: هو موكب الخلافة يركبها الخليفة أول ما يتولى الحكم فقال لهم: دابتى أوفق.

Sponsored Links

في طريق عودته التفت عمر بن عبدالعزيز إلى غلامه وقال: يا مزاحم، ضم دابتى هذه إلى بيت مال المسلمين وفى العودة يسأله غلامه عن غمه وهمه بعد تولى الخلافة فيرد عليه: «ويحك وما لى لا أغتم، وليس أحد من أهل المشارق والمغارب إلا وهو يطالبنى بحق أؤديه إليه، طلبه منى أو لم يطلبه» وفى البيت.. تقبل عليه زوجته الجميلة فاطمة بنت الخليفة عبدالملك بن مروان لتهنئته بالخلافة؛ فلم يقابلها بالفرح والسرور، وإنما خيرها بين أن تقوم معه على أنه لا فراغ له إليها وبين أن تلحق بأهلها.. وهكذا كانت البداية لخليفة عظيم يقوم بمسؤولية الخلافة ومواصلة رسالة الدولة الاسلامية. وأما عن مواطن التجديد، فقد أعاد العمل بالشورى بعد استبداد طويل وقضى على الفتن، وغير ذلك كثير مما يذكرنا بعدل جده عمر بن الخطاب.

ولم تقنعه مبايعة الناس له لدى سماعهم بوصية الملك السابق، وإنما وقف ليقول: «أيها الناس، إنى قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأى كان منى ولا طلب له، ولا مشورة من المسلمين.. ألا إنى لست بخيركم، ولكنى رجل منكم. غير أن الله قد جعلنى أثقلكم حملا.. وإنى قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتى فاختاروا لأنفسكم»، فإذا بالناس أشد إصرارا وإجماعا على البيعة التي تنبع من إرداتهم الحرة، وغادر عمر المنبر واجمًا من عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

وخارج المسجد، حيث تمت البيعة كان الموكب الملكى بانتظاره، والشرطة مستعدة لمرافقته في الأبهة المعتادة لكن عمر يصرفهم جميعا ويركب بغلته الخاصة ومعه وزيره ويمضى، ليقوم في يوم واحد بثلاثة إجراءات ذات دلالة ضخمة وآثار بعيدة المدى.

وكان أولها عزل واليين ظالمين، قد ساما الناس ظلما واستغلالا. فقد خشى عمر أن يبيت ليلة ومازال في دولته واليان يبطشان بالناس وحقوقهم، باسم الملك وسيفه، وكان أمره الثانى إعادة كل ما للملك والأسرة المالكة من قصور وأراض ومجوهرات إلى بيت المال.

ثم كان قراره الثالث في اليوم الأول من حكمه وهو إصدار الأوامر للجيش العربى المتورط في بلاد الروم بالعودة إلى وطنه وكان هذا القرار يمثل رفضًا لسياسة تقضى بإشغال الناس بالغزوات والحروب خارج نطاق وطنهم ومصالحهم لإلهائهم عما في داخله من جور وفساد. وطوال مدة حكمه لم يدفع عمر جيشه ليغزو أيًّا من البلاد الأجنبية حول الوطن.

وكان يعرف أن معاركه الحقيقية داخل الوطن حيث تخليص شعبه من كل جور واستغلال، والسعى إلى توحيد صفوفه بتحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين أفراده كافة، ثم يكون مع ذلك كله العمل الدائب على استثمار خيرات وطنه ورفع مستوى معيشته، ومضى قدمًا في تطهير الجهاز الحكومى من الفاسدين والظالمين والمستغلين، وتعيين من يثق بعدلهم وحكمتهم مشترطا عليهم معاملة الرعية بالحسنى والإنصاف والابتعاد عن كل تجارة أو استغلال نفوذ في تحقيق مكاسب شخصية لهم واستنكر اضطهاد الأمويين لأعدائهم التقليديين: ذرية على بن أبى طالب، فأمر بعدم سبهم من على المنابر وبمعاملتهم بالحسنى والإحسان.

وكان وعيه- بجرأة وإخلاص- تمثل في رده على تهجم أحد كبار الأمويين عليه لمصادرته امتيازاتهم: «إنما حق الواحد منكم في مال المسلمين كأحدهم، لك ما لهم وعليك ما عليهم.. فوالله لا أعطيكم درهمًا إلا أن يأخذ جميع المسلمين». وفى سبيله لتوحيد صفوف شعبه بتحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين أفراده.

أما العمل الدائب على استثمار خيرات الوطن ورفع مستوى معيشة الشعب فقد كان شغلا شاغلا له وقد بعث إليه فلاحو البصرة يشكون ملوحة مائهم فأمر بحفر قناة عذبة تروى أرضهم وتسقيهم بل إن حب عمر لم يقتصر على الإنسان والأرض فقط وإنما شمل الحيوان أيضا وكان له من عدله نصيب، فقد كتب إلى أحد ولاته يقول: «لقد بلغنى أن بمصر إبِلًا ثقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابى هذا فلا أعرف أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل كما أمر بتخفيف الضرائب على المواطنين قائلا: «إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا».

حتى إنه أمر بقضاء الديون عن الغارمين (المدينين) حتى متوسطى الحال منهم ومساعدة من يريد ان يتزوج فلا يجد إلى الزواج سبيلا ومن يعيل أسرة ولا يكيفيه دخله.

فئة واحدة لم يتردد في تجريدها من كل امتيازاتها غير المشروعة وفى تهديدها بالبطش والتدمير تلك هي: الأسرة الحاكمة ومن يماثلونها من الطغاة والمستغلين؛ فلقد رفض عمر أن تبقى هذه الأقلية متحكمة في رقاب الشعب وأرزاقه ترهقه بالظلم وتستنزف خيراته لنفسها وأدرك أنه لا يكفى أن يسترد منها سرقاتها وإنما يجب أن يكون تحذيرها ووعيدها سيفًا مصلتًا فوق رأسها وكانت هذه الأقلية تمثل العداوة الوحيدة لعمر طوال الشهور الثلاثين التي عاشها حكمه وثورته، حتى إنه يروى أنها التي دست له السم فقتلته لتسترد ما فقدته في عهده.

------------------------
الخبر : مجدّد الإسلام وأعدل الحكام .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق