التبعية الاقتصادية

0 تعليق 113 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

إن تدمير اقتصاد أى دولة، بمعنى إيصاله إلى درجة الإفلاس والانهيار الكامل، ليس من الأهداف المستحبة فى السياسة والنزاعات الدولية، لأن تداعياته وعواقبه السلبية كثيرة، أهمها صعوبة إعادة السيطرة على الأمور إذا انفرط عقدها، مما يؤدى إلى تزايد الهجرة غير المشروعة والتهريب، وانتشار الجريمة المنظمة والإرهاب وتصديرهما للغير، لذلك تتبنى الحرب الاقتصادية عادةً أهدافاً أكثر واقعية ومحدودية لتحقيق السيطرة الكلية أو الجزئية على مقدرات اقتصاد الغير وقدرته على النمو والتطوير، بإيصاله إلى حالة من التبعية الاقتصادية التى تستغلها الدولة المسيطرة كأداة لتنفيذ إملاءاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية عن طريق إبقاء الدولة المستهدفة فى حالة من الضعف والقلق والترقب المستمر بخصوص قدرتها على الصمود اقتصادياً، مما يستلزم استمرار الأزمات التى تهز كيانها واستقرارها وترسخ الحاجة إلى التبعية للطرف الآخر لحلها، ويعتبر تحقيق حالة التبعية قمة النصر الاقتصادى والسياسى، لأن فاقد الثقة بالنفس فاقد لإرادة التحدى والمقاومة، وفاقد الإرادة فاقد للرغبة والقدرة على الفكر والإبداع، وفاقد الفكر فاقد للقدرة على العمل والتنافس والتقدم.

Sponsored Links

لذلك دأبت الدول، خاصة الكبرى، على خلق حالات من التبعية لها فى الدول التى ترى فيها أعداء أو منافسين حاليين أو مرتقبين، وتستخدم سياسات مركبة ومبتكرة للوصول إلى الدرجة المنشودة من السيطرة على القرار الاقتصادى فى الدول المستهدفة، ومن أساليبها المتكررة خلق الربط التجارى المكثف باحتكار الصادرات أو الواردات الرئيسية للدولة المعنية أو إغراقها فى بحر من الديون والتسهيلات المقدمة منها أو من مؤسسات وطنية أو دولية تسيطر عليها حتى لا تستطيع الدولة المُستهدَفة الوفاء بالتزاماتها فتصبح أكثر طوعاً وليونة أمام طلبات الدولة المهيمنة عليها، ويكمل هذين المحورين محاولة استقطاب وتوجيه الفكر الاقتصادى فى الدولة المعنية تجاه سياسات تُسَهّل إرساء التبعية مثلما حدث أثناء موجة العولمة التى كانت رسالتها فتح جميع الأسواق التجارية والمالية وتعويم كافة العملات، وهو اتجاه فى ظاهره صحى ومفيد للجميع إذا كانوا مستعدين له، ولكن تكمن فى طياته أخطار كبيرة على الأسواق والصناعات المحلية فى الدول الصغرى التى لا تستطيع مواجهة القوة المالية أو الصناعية أو التقنية الطاغية للدول الكبرى إذا فتحت حدودها الاقتصادية تماماً ليتم إغراق أسواقها ببضائع الغير والسيطرة على بورصاتها بأموال صناديق الاستثمار والتحوط الأجنبية مؤدياً إلى تراجع ناتجها المحلى وقدرتها على التصدير والمنافسة أمام الطوفان الوارد، رغم أن أعتى الدول والكتل الرأسمالية مثل أمريكا واليابان والاتحاد الأوروبى لم تطبق العولمة بهذا الشكل، واحتفظت بالكثير من القيود التى تحمى مصالحها على عكس دول أصغر انكبت عليها ودفعت الثمن غالياً فى تبعيتها الاقتصادية بعد ذلك.

عانت مصر طويلاً ومريراً من التبعية الاقتصادية فى عصرها الحديث، والتى بدأت فى عهد الخديو إسماعيل الذى نجحت الدول الأوروبية فى إغراقه فى بحر من القروض التى استُثمِرت إحقاقاً له فى مشاريع إنتاجية ناجحة، مثل قناة السويس وشبكات الترع والمصارف التى تمثل ركائز أساسية لاقتصادنا القومى إلى اليوم، ولكن الإفراط فى الدين وعدم القدرة على السداد أوصل الأمور إلى فقدان الاستقلال والاحتلال الإنجليزى فى 1882، واستمرت حالة التبعية إلى الآن بأشكال ودرجات متفاوتة، إلا أن تعامل المصريين حكومةً وشعباً معها اختلف كثيراً على مدى القرنين الماضيين، فرغم الاحتلال والسيطرة الإنجليزية الكاملة على مصر حتى ثورة يوليو 1952، ورغم محاولات المستعمر الدؤوبة توجيه اقتصادها لخدمة مصالحه بالتركيز على زراعة القطن وتصديره خاماً لمصانعه ليستفيد من القيمة التصنيعية المضافة، وليستغل منتجوه حصيلة صادرات القطن فى تمويل مبيعاتهم إلى السوق المصرية، إلا أن مصر لم تسقط اقتصادياً بل تحسن حالها وهى محتلة لأن المحتل لم يستطع إقناع حكامها وشعبها بضعفهم وعجزهم بسبب الروح الوطنية السائدة، ولأن الانفتاح الفكرى والثقافى والتجارى على أوروبا وعلى مصادر العلم والتكنولوجيا فيها، شحذ همم المصريين ودفعهم لخلق أكبر طفرة فكرية وسياسية واقتصادية شهدتها البلاد فى تاريخها الحديث.

وكان الرائد الأبرز لهذه النهضة فى المجال الاقتصادى هو طلعت باشا حرب، صاحب مشروع القرش الذى سعى لتجميع المدخرات المصرية لإنشاء أول بنك وطنى يمول صناعات مصرية متعددة فى كافة المجالات لكسر الاحتكار الأجنبى لها، فى تحدٍ صريح ومنظم للتبعية الاقتصادية لرأس المال الأجنبى، ونجح نجاحاً باهراً فى أهدافه، وساعده فى ذلك وجود الركائز الرئيسية لتحقيق التقدم المستدام وكسر دائرة التبعية والعجز، وهى احترام القانون وترسيخ دور القطاع الخاص وآليات السوق كقاطرة التنمية، وتحديد دور الحكومة فى إطاره الضرورى كرقيب وضابط لأداء الاقتصاد دون لعب دور المستثمر أو المالك للأصول الاقتصادية والالتزام بالحرص المالى فى الإنفاق الحكومى وعدم الإفراط فى الاقتراض داخلياً وخارجياً. وأخيراً، تغليب العقل والكفاءة والوطنية فى اختيار قيادات القطاعين الخاص والحكومى، لذلك ازدهرت الأوضاع الاقتصادية والمالية رغم تعرض مصر فى العهد الملكى لثلاث حروب كبرى (الحرب العالمية الأولى 1914- 1918، والثانية 1939- 1945، وحرب فلسطين 1948)، ولكن الأوضاع اختلفت كثيراً بعد ثورة 1952، وهذه قصة أخرى.

------------------------
الخبر : التبعية الاقتصادية .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق