أسكنُ لحظتي ولي أكثرُ من ظلٍّ

0 تعليق 156 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ما بين ديوانين، أحبُّ أن ألعبَ في النثرِ، كأنَّ النثرَ لى استراحةٌ يطيبُ لى المقام فيها، ولقد عوَّدتُ نفسى ذلك منذ عام 1990 ميلادية. وفى رأيى أن النثرَ يكشفُ الشَّاعرَ، لأنَّ من ينثرُ رُوحَهُ، لا بد أن يكونَ قادمًا من بحرِ المعرفةِ، وخارجًا من أفرانِ التجاربِ، التي لا يصيبُها صقيعٌ، ومن نثَرَ كأنهُ يكتبُ شعرًا عاشَ، ولاحظتُ أنَّ الكبارَ من الشُّعراءِ في العالم هُم ناثرون كبارٌ أيضًا، ومحمود درويش ليس ببعيدٍ عن نظرى، وهناك شعراء كثيرون لم يختبرهم النثرُ، وقد تركَ لنا التراثُ العربى مفاضلاتٍ مُهمةً عن فضلِ الشِّعرِ على النثرِ أو فضل النثرِ على الشِّعر، هذه المقارنات قد أغنَتِ المُدونةَ العربيةَ التراثيةَ، وصارت مرجعًا لافتًا ومُهمًّا نعودُ إليه، ونَثْرى لا يفلتُ من الشِّعر، بل الشِّعْر هو من يسمحُ له أن يعومَ بدلا عنه في مائى، كأنَّهُ يدعُنى أحتشدُ وأتدرَّبُ مع النثرِ، لأعودَ إليه متفرغًا لعبادته، إذا لم أنس يومًا في حياتى، عبيد الشِّعْر الذين وهبوا حيواتهم للشِّعر دون مطمعٍ في شيء.

Sponsored Links

(2)

كلُّ ما يثقلُ الكاهل لا بد من حذفهِ، ومن حذَفَ حَذَق، ومن حذقَ وصَلَ، مثلما قال شيوخنا: «من ذاقَ عرفَ، ومن شَافَ غرَفَ، ومن غرَفَ اختار مما يغرفُ»، والكتابة كالبشرِ منها ما يبقى يؤسِّسُ، ومنها ما يبقى يُؤرِّقُ وينحر في جدران الرُّوح، وما أفعله يفعلهُ كثيرون في العالم، لكن ثقافتنا علَّمتنا أنَّ كلَّ ما يُكتبُ يُنشرُ، مع أنَّ المكتوبَ هذا، قد يكونُ توطئةً من الرُّوح لكتابةِ عملٍ آتٍ، أو مقدمةً أو مسودةً أو محاولةً أخفقَ الشَّاعرُ في إتمامها، ولذا لا أحذفُ ما يبقى فىَّ، وكل زائدٍ مصيره الحذف، وإلا يصيرُ الشَّاعرُ جامعًا أعدادًا من الكُتب دون تصفيةٍ وغربلةٍ وتنقيةٍ.

(3)

كلنا عيالٌ على اللغةِ والشعرِ.

في الكتابةِ لا أحد يكبرُ، يبقى الشَّاعرُ يتعلمُ حتى النفَس الأخير، التجاربُ تُعلِّم، والكُتبُ، وكلُّ ما يُصادفُ الشَّاعر، يكتبُ ويحذفُ، ينحتُ ويمحُو، فلا يوجد نصٌّ نهائىٌّ وأخيرٌ أمام الشَّاعر، وما أكتبه حول وفى الشِّعْرِ هو تذْكِرةٌ لنفسى أولا، درسٌ لى، فأنا مهجوسٌ بالشِّعْر داخل الشِّعْر، وتلك سمةٌ موجُودةٌ في تراثنا الشعرى العربى، فلم أر شعرًا في العالم كالشِّعْر العربى انشغل شعراؤه بكيفيةِ الكتابةِ في متنِ النصِّ نفسه، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، وهأنا أعلِّمُ نفسى، وأستفيدُ من أغلاطى، وأدركتُ منذ الطفولة أنَّ الشِّعرَ صعبٌ، وعلى الشَّاعر أن يسعى طَوالَ وقته نحو رُوحه، ليحفر أرضها ونحو المعرفة التي هي على عدد أنفاسِ البشر والنجُوم معًا.

(4)

لدىَّ حلمٌ أن أكتبَ دونَ كلمةٍ واحدةٍ، وأن يكونَ الضوءُ هو المادة التي أشكِّلُ بها، وأن أنجحَ في التعبير عمَّا يحيا داخلى، فباطنى مُزدحمٌ كبركانٍ، يريد أن يخرجَ كل يوم، وما كتبتهُ وأكتبُهُ لا يشكِّلُ نصفًا في المائةِ مما يحملُ القلبُ.

(5)

من لم ينصهر لم يذُبْ، وظلَّ رُوحًا تائهةً، لا تعرفُ لها مكانًا في التعبير، والألم هو شيخ الكتابةِ الذي لا يشيخُ، ولا ينطقُ عن الهواءِ بل الهوى، الهوى الذي لا منطقَ له، ولا برنامج مكتوبًا سلفًا.

ahmad_shahawy@hotmail.com

------------------------
الخبر : أسكنُ لحظتي ولي أكثرُ من ظلٍّ .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق