الدستور والصحة

0 تعليق 49 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لو أدارت الدولة مواجهتها مع بأسلوب علمى واحترافى منذ البداية لتغير الوضع كثيرا. نحن حاليا، مسؤولين وشعبا، نتعامل بواقعية مع هذه الجائحة. تصريحات علمية متزنة. أرقام أقرب إلى الواقع بدلا عن البيانات سابقة التجهيز، التى اكتشفنا أنها لم تكن عنوانا للحقيقة على طول الخط. كان لدى بعض مسؤولينا قناعة بأننا فى مكانة أفضل، وبمعزل عن الفيروس، وأن ما تعرضت له الدول من نكبات شرقا وغربا لن يتكرر عندنا. انعكس ذلك الإحساس فى سلوكيات، وقرارات بمساعدة هذا وذاك، فيما نحن فى أشد الحاجة إلى هذه المساعدات، خاصة مع انتشار رقعة الوباء.

Sponsored Links

باختصار، إدارة الأزمة باتت أفضل من ذى قبل. أصبحنا نقلد الدول الكبرى التى انتصرت على المرض. نُقدم العلماء والخبراء للصفوف الأولى، لا نتعالى على الرأى العام. أثبتت الأزمة الحالية بكل وضوح أن مقياس التقدم الحقيقى تحدده سرعة الاستجابة والتدخل لصالح الشعب. بإسعافه وعلاجه بشكل كريم وسليم. أثبتت أيضا أن دولا، مثل النمسا واليونان وألمانيا ونيوزيلندا والسعودية والأردن وتونس، أكثر رقيا وتقدما من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا. باتت المعادلة الجديدة للتقدم، فى نظرى، هى قدرة الأنظمة على الوصول إلى شعوبها وإنقاذهم. وليست بالقوة والتجبر، أو بتخزين السلاح، أو بتشييد المبانى الشاهقة، إنما بمستوى الرضا العام، بإحساس الدولة بمعاناة الشعب. نجدة المحتاج والمريض هى أسمى وظيفة للدولة العصرية. أين نحن من هذا التصنيف؟. مستوى الرضا الشعبى عن النظام يبدو معقولا جدا، ولكن هل سيتغير هذا الوضع مع الأداء الحالى للحكومة مع كورونا؟ أعتقد أن هناك فرصة لكسب نقاط إضافية لو تحسن الأداء الصحى بشكل عملى وأحس الشعب بذلك.

ولعل هذا التحسن النوعى فى إدارة الأزمة يقودنا إلى تغيير شامل فى إدارة منظومة الصحة.

لينطلق هذا التغيير المنشود من التطبيق الرشيد للمادة 18 من الدستور، والمتعلقة بالحق فى الصحة. وأراها أعظم مواد الدستور على الإطلاق، حيث تحدد إنفاقا حكوميا للصحة لا يقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالى، وتحدد حقوق الأطباء والممرضين وكل العاملين فى القطاع الصحى، وتفرض التأمين الصحى الشامل، وتكفل كذلك العدالة فى نشر الخدمات الصحية. أعتقد أن هذه المادة العظيمة معطلة تماما، وآن الأوان لتطبيقها، ولو بالتدريج. التأمين الصحى بطىء ومتعثر، وهناك أزمات فى تمويله. والإنفاق الحكومى على الصحة أقل من 1% من الناتج القومى. لدينا فقر ملموس فى كل المستشفيات الحكومية، ولا ينقذها غالبا سوى الإنفاق الخيرى. لا يتم تنفيذ فقرات هذه المادة بدقة إلا ما تضمنته عن «مشاركة القطاعين الخاص والأهلى فى خدمات الرعاية والصحة». لقد توحشت المستشفيات الخاصة فى السنوات الأخيرة. وفقا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، عام 2018، فإن عدد المستشفيات الخاصة 1157، مقابل 691 مستشفى حكوميا. أعتقد أن الوضع كما هو حاليا، إن لم تزدد رقعة المستشفيات الخاصة. بالطبع نحن مع الاستثمار الخاص، ولكن لسنا مع الاستغلال والتوحش والعمل بلا ضابط أو رقيب. لقد قرأت عشرات الحكايات والاستغاثات خلال الأيام الماضية عن الفواتير الباهظة مقابل حجز مرضى كورونا أو علاجهم. ولا أعتقد أن غالبية هذه المستشفيات ستحترم لائحة الأسعار الاسترشادية التى حددتها وزارة الصحة.

لتكن هذه المحنة فرصة لإعادة الروح إلى القطاع الصحى الرسمى، لنعيد الثقة بين الشعب ومستشفياته العامة، ومن قبل ذلك، نزيل الخلافات، التى أراها وهمية، بين الأطباء ووزارة الصحة. خلافات عمرها سنوات، لكنها تعقدت فى ظل الوزيرة الحالية، وآن لهذه العلاقة المتوترة أن تنتهى.

لقد قرأت أكثر من تصريح، أحدها للوزيرة نفسها، بأن 60% من الأطباء المصريين حصلوا على إجازات أو تقدموا باستقالاتهم للعمل بالسعودية. قال لى مسؤول أثق فى بياناته إن عدد الأطباء المصريين العاملين بالسعودية يزيد على 70 ألفا. وأتساءل عن عدد الأطباء المصريين فى باقى دول الخليح أو فى الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. أعدادهم ستزيد بالطبع، مع تشجيع هذه الدول على استقدام أطباء أجانب. هناك يثقون فى أطبائنا، ونحن نحاربهم ونفتعل الأزمات معهم، بل ينظم البعض حملات للدعاية السلبية ضدهم.

عدد الأطباء البشريين العاملين فى مصر فى حدود 113 ألفا. قد يصلون فى أعلى تقدير رسمى إلى 126 ألفا. استقال منهم ثلاثة آلاف العام الماضى فقط، وفقا لإحصاءات نقابة الأطباء. لو أردتم تحسنا للأداء العام فى منظومة الصحة فلتبدأوا من هنا. وحسنا فعل رئيس الوزراء ومن بعده بجلوسهما مع نقيب الأطباء. وحسنا ما تنفذه الحكومة حاليا بتقديمها الدكتور خالد عبدالغفار، وزير التعليم العالى، للتحدث للرأى العام حول كورونا وأرقامها الواقعية، وسبل المواجهة. يبقى فقط أن نعتمد نفس المنهج العلمى العقلانى، ونطلب أفكار واقتراحات علمائنا وخبرائنا ومراكزنا المتخصصة لإصلاح المنظومة الطبية كلها.

مصر والكويت

كل الاحترام للدبلوماسية المصرية والمنتسبين إليها، ابتداء من وزير الخارجية، سامح شكرى، وصولا إلى كل الدبلوماسيين والموظفين العاملين فى الداخل والخارج. لكنى، مع هذا الثناء المستحق، ألحظ كسلا فى الأداء العام. هناك تفضيل لعدم الاشتباك مع القضايا المحورية التى تفرض نفسها على ساحتنا.

لا أقصد فقط القضايا ذات الأولوية مثل قرار حكومة نتنياهو بضم أجزاء من أراضى الضفة الغربية، أو تعقيدات وتعنت إثيوبيا، أو الوضع الملتهب فى ليبيا وما تصنعه هناك. أتفهم أن جهات أخرى سيادية ورئاسية لها اليد العليا فى هذه الملفات، وأنه ليس كل ما تقوم به مصر ينبغى أن يُكشف عنه فى الوقت الحالى على الأقل. ولكننا تعودنا مع معظم وزراء الخارجية السابقين ألا يتركوا الرأى العام فى فراغ تام حيال قضايانا المصيرية. غالبا ما يملأ هذا الفراغ أصوات إعلامية وسياسية مناهضة لمصر.

ما أقصده حول الصمت الدبلوماسى وعدم التدخل، حول ارتفاع وتيرة التلاسن بين المصريين والكويتيين. هذه هى الموجة الثالثة تقريبا من فصول هذا التلاسن منذ بدأت . لقد مرت علاقات مصر مع معظم الدول العربية بمطبات شبيهة، لكننى لم أرصد مثل هذا الصمت الدبلوماسى وعدم التدخل لنزع فتيل الأزمة. عتابى ليس موجها إلى الدبلوماسية المصرية فقط، ولكنه موجه أيضا إلى الحكومة الكويتية وسفارتها فى القاهرة.

كان يمكن أن يتدخل سفيرنا هناك. كان على وزارة الخارجية أن تصدر بيانا يتحدث عن الثوابت المصرية من الكويت وطبيعة العلاقات التاريخية وترابط المصائر والأنساب بين الشعبين، لكنها تطلب عدم الإساءة إلى الشعب المصرى ومحاسبة المسيئين. على حكومتنا أيضا أن تحاسب كل من يسىء إلى دولة أجنبية أو شعبها بعيدا عن منهج النقد الإيجابى أو البناء. أتابع رسائل عنصرية ضد بعض الشعوب، وغالبا لا تتحرك الدعاوى إلا إذا اقتربنا من بعض الأصدقاء!

فى المقابل، فإن تحليل مضمون ما يقوله بعض الكويتيين مؤخرا عن مصر والمصريين يتضمن استعلاء وعنصرية أشد. قد تحدث ممارسات خاطئة من أفراد فى الجالية هناك. أعدادهم تفوق 300 ألف. أزماتهم زادت بالطبع فى ظل الشلل الحادث حاليا، لكن هل هناك خطاب استعلائى مواز مع كل الجنسيات العاملة هناك؟ ولماذا لا نجد نظيرا لذلك فى السعودية، وأعداد المصريين هناك خمسة أضعاف هذا الرقم، أو فى الإمارات أو عُمان أو حتى قطر؟ هل أجواء الحرية فى الكويت أعلى من هذه الدول بنسبة تسمح بالإساءة إلى الدول العربية الشقيقة والحليفة، أم أنه تداخل من بعض القوى السياسية الكارهة لمصر فى الشأن العام بصورة أكبر، وهم وراء معظم هذه الرسائل المفخخة، لماذا لم تبادر الحكومة هناك لمحاسبة المسيئين بالقانون؟!

شخصيا، ومن خلال خبرة محدودة فى العمل الصحفى بالكويت، أعتقد أن هناك نوعا من الفتور الدبلوماسى بين البلدين. اعتادت الدبلوماسية المصرية، أن تؤكد فى مواسم متعاقبة على ثوابت مصر من الكويت وقضاياه. هذا منهج معمول به منذ موقف جمال عبدالناصر من مخططات عبدالكريم قاسم لاجتياح الكويت، مرورا بالسادات وما قدمته الكويت لمصر من مساعدات وتسهيلات خلال حرب أكتوبر، وصولا إلى مبارك، الذى وقف إلى جوار الكويت فى أكثر من مناسبة، أبرزها حرب التحرير. كان قراره بهذا الشأن معبرا عن الثوابت المصرية.

الكويت بعد ثورة يناير ترددت فى اتخاذ مواقف مؤيدة لإرادة الشعب، وذلك لطبيعة العلاقة القوية مع مبارك وشعبيته فى الشارع الكويتى، لكنها قدمت الكثير لمصر فى أعقاب ثورة 30 يونيو.

بعد فترة، أخذت مصر فى التنسيق والتقارب مع السعودية والإمارات بشكل أكبر، والابتعاد تدريجيا عن الكويت، التى اتخذت موقفا محايدا أو وسيطا من قضية العقوبات الخليجية المصرية ضد قطر.

تباعدت وتيرة الزيارات بين مسؤولى الدولتين. اختفت الأخبار الإيجابية بالتدريج، وحلت مكانها فى المواقع وعلى السوشيال ميديا أخبار عن الأزمات والمشاكل.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    31,115

  • تعافي

    8,158

  • وفيات

    1,166

------------------------
الخبر : الدستور والصحة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق