«دون كيشوت».. حقيقة العالم في رواية (1/2)

0 تعليق 76 ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في التاريخ الروائي الحديث لا يؤرخ لرواية (دون كيشوت) لميغيل دي ثربانتيس باعتبارها إحدى أبرز الروايات المكرسة لهوية وحقيقة الإنسان ضد انهيارات القيم المجتمعية، وضد كل ما يستل ذاته الفطرية والنقية في صراعه مع العالم فقط، وإنما اعتبرت بداية لتاريخ الواقعية الأدبية، رغم اعتمادها على الخط الملحمي والغناء والكوميديا والمأساة والملهاة معاً في بنائها الفني والسردي.

Sponsored Links

وقد تميزت رواية دون كيشوت بخلق شخصية روائية من أكثر الشخصيات نموذجية في الأدب العالمي بالرغم من أن محاربة الطواحين ليس سلوكاً مألوفاً في الحياة اليومية، فالسمة المتطرفة للأحوال النموذجية تنتح عن ضرورة استخراج الأعمق والأبعد في الشخصيات الإنسانية مع كل التناقضات المتضمنة فيها.

ولهذا خرج البطل ليلتقي ببشرٍ لا ينتمي إليهم ليخوض معركته في الوصول إلى غايته وهي محاربة القبح في هذا العالم، كفارسٍ شهمٍ يبحث عن مغامرةٍ تنتظره، مع حصانه الضعيف «روسينانتي» وتابعه «سانشو بانثا»- وهو جاره القروي البسيط الذي أقنعه بمرافقته في رحلته العامرة بقيم وأخلاق الفروسية وصولاً إلى المملكة المنشودة، وأنه سيمنحه حكماً على جزيرةٍ مكافأة له على أن يظل معه، وقد لُقب في رحلته هذه بفارس الظل الحزين، وهو ينشد اللقاء بحبيبته دولسين
استطاعت هذه الرواية أن تُقلّدَ قِصصَ الفروسيةِ تقليداً جديداً يعتمد على السخرية أو نقل الأحداث من ألوان المثالية التي تتمثل في المأساة إلى لون هزلي يصطدم فيها المثال بالواقع الأليم»، وهذا ما استنتجه جورج لوكاتش في نقده لرواية دون كيشوت من «عدم التطابق بين الروح وبين العمل الأدبي، بين الطوية وبين المغامرة».

فبطل العمل يشعر بقدرته على تغيير العالم من خلال اعتماده على خياله الحُر وقيمه النبيلة وأفكاره التي لا تتوقف عن كيفية محاربة الشر وتغيير صورة العالم، رغم بساطة حاله، وموقعه وظروفه غير المتناسبة مع تطلعاته المستحيلة.

ومن مكامن عبقرية الرواية أيضاً، والتي أدخلت الفن الروائي عصر الواقعية، أنها تعتمد على صورة البطل الرومانسي الفردي، وعلى وحدة الصوت والرؤية، وكونها تحمل قيماً لم تكن هي مركز الإبداع الروائي لأي عملٍ «شكليٍّ» ينشد البناء الفني أكثر من قيمة المضمون.

وهكذا انتقلت هذه الرواية بالإنسان إلى آفاقٍ أخرى لتحريره من سطوة الأفكار المادية، وأن الإنسان غير قادرٍ على صنع مصيره، أو مجابهة العالم بالأحلام والسعي لتغييره من خلال أفكاره وتطلعاته رغم بؤس الواقع، وقد تحولت الشخصية التي أبدعها ثربانتس إلى أيقونةٍ للخير والحق والجمال، في مواجهة قبح الواقع، وأنها تدعو للتقدم وتحرير الإنسان والإيمان بالموقف، تماماً كما أنها أبدعت قيماً شكليةً جديدةً لبناء الرواية، اعتبرها الرومانسيون محققةً لشكلٍ جديدٍ من محتوى الرواية بدفاعها عن قيم الإنسان الحرة، واعتبرها الواقعيون شكلاً جديداً للرواية الفردية، وكان للاجتماعيينَ رأيٌ آخر أيضاً.

• شاعر وأكاديمي مصري مقيم في الخارج
Hamza_qenawy@hotmail.com

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    32,612

  • تعافي

    8,538

  • وفيات

    1,198

------------------------
الخبر : «دون كيشوت».. حقيقة العالم في رواية (1/2) .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : المصرى اليوم

0 تعليق