الارشيف / اسرار النجوم

ريفيو لفيلم قديم: الأنسة حنفي والضربة القاضية

  • 1 /3
  • 2 /3
  • 3 /3

"تحرك مثل الفراشة والدغ مثل النحلة" لا تنطبق تلك المقولة على رياضة الملاكمة فقط بل يمكننا أن نطبقها على الكوميديا بشكل عام، كن خفيفا في طرحك وأسلوبك لما تريد قوله، الكوميديا لا تحتمل "الجعلصة" أو الكلام الضخم الكوميديا بسيطة كالأطفال وعميقة وخيالية مثلهم، وسدد ضربتك بقوة وسرعة كالنحلة، إذا كان فيلمك يناقش قضية هامة أو محورية ابتعد عن الخطابة السينمائية، الكوميديا فن لا تلقين فيه ولا خطابة، الكوميديا فن يشبه الملاكمة، ولكن لكي تفوز فيه عليك أن تهزم خصمك بالضربة القاضية.

فكرة مجنونة وتشريح موضوعي

Sponsored Links

عام 1954 يقدم الصحفي والسيناريست والشاعر والمنتج جليل البنداري سيناريو فيلمه " الأنسة حنفي" للمخرج فطين عبدالوهاب لتكون تلك هي الخطوة الأولي في إنتاج فيلم من أكثر الأفلام صدامية في عصره، والخطوة الأولى في تقديم فيلم سابق زمنه بسنوات عدة.

الأنسة حنفي ليس مجرد فيلم كوميدي أستخدم حبكة جديدة على السينما المصرية في وقتها، رغم أن السينما المصرية في تلك الفترة كانت تسير جنبا إلى جنب مع سينمات العالم، لمناقشة قضية مازالت حتى هذه اللحظة مثار جدل ونقاش، الأنسة حنفي ليس كوميديا تحول الرجل إلى سيدة ولكنه صفعة فنية في منتهى الذكاء والقوة على وجه مجتمع ذكوري قُح.

إذا كان جليل البنداري قد أراد القول أن مصر عام 1954 قد بدأت تسلك طريق التغيير نحو مجتمع أفضل، فهو بقصد أو بدون قدم واحد من أكثر الأفلام طليعية في تاريخ السينما، الفيلم الذي يناقش قضية تحويل ذكر إلى أنثي، كيف جاءت الفكرة إلى عقل جليل ليقدمها في مجتمع شرقي للغاية يشهد اضطرابات وتغيرات سياسية واجتماعية محورية في تاريخه، وليس عجيبا أن يكون البنداري نفسه هو منتج الفيلم، ففي الأغلب شعر العديد من المنتجين بالرعب حينما طرحت عليهم الفكرة، حتى مع كل الإغراءات بالمكسب والربح المضمون مع أسماء ماجدة وإسماعيل يس وفطين عبدالوهاب ، لذلك فالبنداري المؤمن بفكرته هو من تصدى لها إنتاجيا ولولاه لربما كان هذا الفيلم ظل مجرد سيناريو مكتوب لا أكثر ولا أقل.

في الأنسة حنفي قدم جليل البنداري وفطين عبدالوهاب تشريحا اجتماعيا لقضية المرأة وتحررها في رأيي الشخصي لم يقدم مثله على الإطلاق في السينما، في البداية تأتي نواعم الفتاة ليست المغلوبة على أمرها ولكنها أيضا ليست الفتاة المتمردة هي تطالب فقط بحقها في التعليم واختيار حياتها وفق إطار المجتمع دون الخروج عليه، والنموذج الأخر هو والدتها زوجة المعلم كتكوت الجزار السيدة صاحبة الكلمة في البيت وهي أيضا زوجة جيدة وصالحة وفق أيضا رؤية ونظرة المجتمع لها، وهناك سنية ست أشهر السيدة الشرسة "الشرانية" التي جل ما تريده في الحياة هو ان تنتقم من أبو سريع زوجها السابق وأن تراه خلف القضبان بكل قضايا النفقة التي ترفعها عليه مرارا وتكرارا، ولا تريد ان تأخذ المبلغ الذي حكم به على أبو سريع، هي فقط تريد ان تسجنه، وهناك طبعا فيفي والتي كانت حنفي، والتي قامت بدور الفتاة المتمردة التي تستطيع ان تقود حياتها وتتخذ قرار مصيري دون النظر لأي اعتبارات.

أما نموذج الرجل فكان هناك اكثر من نمط أيضا حنفي بالطبع الرجل صاحب الفكر الازدواجي الذي يمنع الفتاة من التعليم و النظر من النافذة بينما يقضى ليله في يسكر ويرى ان استعباد المرأة حق متكسب وواجب على الرجل، والمعلم كتكوت الرجل الذي لا يمكن الاعتماد عليه على الإطلاق رجل يريد ان يعيش في هدوء مع "غية" الحمام، وأيضا أبو سريع الرجل "الهلاس" ولكنه أيضا ضحية سيدة شرسة تستغل القانون من اجل أن تنتقم منه، بينما هناك حسن النموذج المقابل لشخصية نواعم الشاب الذي يمثل العصر الجديد بأفكار مختلفة، وطبعا حسونة بيك رمز ساخر لعصر قديم ولى ومضى، إضافة إلى التأكيد على أن الفيلم يناقش تلك القضية باختيار اسماء ازواج الحمام " عنتر وعبلة، روميو وجولييت، وقيس وليلى" إذا البنداري يدرك جيدا ما يقدم وما يريد قوله.

كأن تضرب المجتمع 100 قلم على سهوة

من خلال تلك الشخصيات حاول البنداري و فطين ان يقدما فكرتهم المثيرة والشيقة في قالب كوميدي ولكنه صادم، حنفي "الحمش" بأفكاره القديمة البالية يتعرض لموقف لا يحدث إلا فيما ندر و يتحول لفتاه، فأي انتقام من الذكورية وأفكار السيطرة الذكورية أكثر من ذلك، عليك الأن ان تكون الضحية بعدما كنت الجلاد عليك ان ترى أثر كل ما فعلته في المرأة وتقيسها عليك حينما تصبح في موقعها، حينما تريد ان تقف في الشباك فتجد من يمنعها مثلما كانت تفعل حينما كانت ذكر، ترى من يجبرها على الزوج من رجل لا تريده، تدخل بحق إلى عالم النساء الذي كانت تهينه وتقهره فأي صدمة أكثر من ذلك.

تدرك حنفي أن الحب لا ينقص الفتاة في شيء، تدرك أنها من حقها أن تحب بعدما كانت تحارب تلك الفكرة بجنون وهيمنة ذكورية طاغية، تدرك حنفي أن التعليم حق للفتاة مثلما هو حق للرجل، تدرك الكثير من الأمور ولكن بعدما تكون قد أصبحت في الخندق الأخر تدرك وندرك معها أثر ما يفعله الذكور وسيطرتهم على النساء، فطين والبنداري يضربون المجتمع ضربا مبرحا على حين غرة، " لزقوا المجتمع 100 قلم على سهوة".

قاعدة عامة في أفلام فطين عبد الوهاب لا يوجد ممثل واحد يمكن تقول انه يقدم دورا لا يليق به، كل ممثل يقف امام كاميرا فطين في الدور المناسب له تمام وربما تحسب لفطين جرأة أن يختار أكثر ممثل مناسبا لشخصية أبو سريع دون ان يكون أحد أسماء الصف الثاني من النجوم اختيار رياض القصبجي تحديدا كان في محله إلى اقصى درجة، وربما هذه هي المرة الأولى في تاريخ القصبجي أن يأخذ دورا بهذه المساحة والأهمية والحجم قبل سلسلة أفلام إسماعيل يس والتي كان القصبجي فيها قاسما مشتركا.

القصبجي لم يتوانى واستغل الفرصة أمثل وأكمل استغلال خاصة في مشاهد الغزل بينه وبين فيفي، ويمكنني اعتبار المشهد الشهير بين أبو سريع وفيفي والغزل بينهما واحد من أهم كلاسيكيات مشاهد الغزل في السينما المصرية.

البنداري نفسه تفوق على نفسه في كتابه هذا المشهد، المشهد الذي يحمل أغلب تفاصيل المرأة المصرية بشكل كوميدي وساخر، المرأة الغيورة الجدعة والتي تقف بجوار حبيبها وتسانده في أزماته رغم شكها فيه من الأساس، والأهم والأجمل من هذا هو حوار المشهد نفسه ببساطته وعمقه وصدقه أنت رغم كل السخرية في الحوار تدرك أن هذا الحوار يمكن أن يخرج من أبو سريع ومن فيفي، أما ذروة المشهد وعظمته تجد فيها بصمة فطين عبدالوهاب واضحة اختياره النسق الكلاسيكي لتصوير المشهد في شكل يشبه مشهد مناجاة روميو لجولييت في مسرحية شكسبير، اذا فطين جعل أبو سريع روميو وحنفي جولييت دون أن يشير إلى هذا فقط من اختيار طريقه تصوير المشهد حيث يقف أبو سريع تحت الشباك بينما فيفي في الأعلى.

فجأة يتوارى إسماعيل يس تماما ليظهر ممثل أخر مختلف، ممثل يتقمص فعليا، يعرف أبعاد الشخصية التي يقدمها ويعرف كيف يتعامل معها كممثل يقدم شخصية حقيقة دون إفراط أو تفريط، فمشهد بداية ظهور فيفي ، وهي ترتدي الشراب و تجلس امام المرايا به من إسماعيل يسن لمحة وهي تعامله مع احمر الشفاه غير ذلك ستجد امامك ممثل أخر، وطوال ظهور شخصية فيفي يتوارى إسماعيل الذي نعرفه ولا يظهر منه سوى شذرات، ليسيطر فطين على نجمه و يسيطر إسماعيل على نزعته الكوميدية وطريقته لأنه إذا كان إسماعيل يس قدم الشخصية من منطقة انه ذكر و يمثل أن انثى فقد ذهب الفيلم إلى منطقة بها من السطحية ما يكفي و يزيد كان لابد ان يكون " سمعة" فتاة فعلا لا ان يدعي ذلك.

وبمناسبة التمثيل الفيلم أيضا شهد تألق معتاد من سليمان نجيب في دور حسونة بيك ووداد حمدي في دور زكية ست أشهر، إضافة لقدرة عبد الفتاح القصري الذي اقنعنا أنه والد إسماعيل يس بالفعل رغم أن السن بينهما متقارب، الغريب أن اقل ثنائي تمثيلا كان الثنائي الذي يقدم أفكار العهد الجديد فكان عمر الحريري متخبطا للغاية بينما ماجدة هي ذاتها ماجدة في أي فيلم لها بلا زيادة أو نقصان، والفيلم أيضا به ثلاثة موسيقيين مهمين الأول هو إبراهيم حجاج وهو صانع الموسيقي التصويرية و الذي شكل مع محمد حسن الشجاعي وبدايات وإرهاصات فن الموسيقى التصويرية في السينما المصرية، وبالطبع ملحن أغنيات الفيلم "محمد الكحلاوي" أما الموسيقي الثالث فهو لم يظهر كونه موسيقيا بل ظهر كونه ممثلا حيث قدم شخصية المأذون وهو الموسيقار حسن أبو زيد وهو واحد من أهم موزعي الأغاني وقتها وأحد أهم قادة الفرق الموسيقية وقتها ولكنه أيضا كان محب للتمثيل وعاشق له.

 الغريب أن هذا الفيلم تحديدا يمكن اعتباره جوهرة فنية بكل ما تحمله الكلمة من معاني، ولكن لأنه فيلم كوميدي تعامل معه الجميع بشكل أقل مما يجب أو يستحق وكان الكوميديا سبة أو لا يمكن ان تحمل وتناقش الكوميديا قضية اجتماعية هامة مثل قضية المرأة والرجل في المجتمع المصري، والغريب ان مخرج هذا الفيلم فطين عبد الوهاب موقفه من المرأة غير محدد ففي بعض الأفلام أنتصر لها انتصارا ساحقا مثل هذا الفيلم " الأنسة حنفي" بينما هزمها هزيمة نكراء في أفلام أخرى ربما تتيح الظروف أن نتحدث عنها لاحقا.

------------------------
الخبر : ريفيو لفيلم قديم: الأنسة حنفي والضربة القاضية .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : دوت مصر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى