«الشروق» ترصد من السودان كواليس وعقبات المفاوضات المتعثرة حول سد النهضة منذ 2011

0 تعليق 2 ارسل طباعة تبليغ

• توافق معلن عن استمرار التفاوض.. وقناعات رسمية بعدم الجدية.. والتطورات الإقليمية تقلص خيارات القاهرة وتقلل فرص التصعيد
• وزير الخارجية: المصريون مهتمون بملف النيل وسد النهضة لأنه قضية حياة أو موت بالنسبة لهم
• مصادر: القاهرة لا يمكنها تمكين الأطراف الأخرى من تمرير أى شىء يمكن أن يقلل حصتها السنوية التاريخية من المياه
• مصادر: لا يمكننا أن نغفل مصالح السودان مع إثيوبيا ودورها فى الملف الليبى وضعف التنسيق المشترك معنا فى ملف النيل

عامان وسبعة أشهر هى عمر المفاوضات والمخاطبات بين مصر والسودان وإثيوبيا بعد إطلاق تقرير لجنة الخبراء الدوليين حول ، اجتماعات رسمية على الصعيد السياسى والفنى فى عواصم الدول الثلاثة تلتف حولها الأنظار لكن دون التوصل إلى اتفاق أو آلية واضحة تضمن إمكانية تقليل المخاوف المصرية من مخاطر السد الذى قالت الدراسات الدولية إنه سيكون خطرا مؤكدا على الأمن المائى المصرى.
«لا بديل عن المفاوضات»، كان ذلك الخيار السياسى المصرى بعد كل أزمة أو تجدد للخلاف مع إثيوبيا، خاصة بعد بدائل ومساعٍ غير مُعلنة خاضتها مصر لم تثمر عن نتائج واضحة، لتستمر الاجتماعات منعقدة طوال هذه الفترة فى أجواء باردة تفتقد للحسم رغم إسراع الجانب الإثيوبى فى وتيرة معدلات البناء فى موقع السد الذى تضعه الإدارة الإثيوبية على رأس أولوياتها لعله يكون بداية لنهضة اقتصادية ترضى الطموح الإثيوبى المتصاعد فى القارة الأفريقية.
ومع القلق والتوتر الذى لايزال يسيطر على المفاوض المصرى، تبقى الإدارة السياسية المصرية برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسى على قرار مفصلى بالاستمرار فى المفاوضات بروح إيجابية لعلها تُنهى الخلاف القائم وتمهد لحل يقبله الأطراف الثلاثة بشأن مصير السد.
«الشروق» كانت حاضرة فى أغلب الاجتماعات التى عُقدت فى القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، ورصدت النتائج التى وصفها المسئولون والمراقبون تارة بأنها مبشرة وخطوة فى طريق التوافق خاصة عندما دُشنت خارطة الطريق وبدأ المسار الفنى من خلال لجنة الخبراء الثلاثية واختيارها لمكتبين استشاريين لدراسة تأثيرات السد ووضع بدائل فنية لتقليل ومنع الضرر، حتى توافق رؤساء الدول الثلاثة على وثيقة مبادئ تحمل تعهدا سياسيا واضحا وصريحا بين الرؤساء على آليات إدارة المياه فى النيل الأزرق، إلا أنه سرعان ما تتبدل النتائج لتعكس أجواء عدم الثقة وتعثر الاتفاقات مرة أخرى ليستمر المسار والتوافق قائما لكن دون جدوى أو معنى حقيقى.
«المصريون مهتمون بملف النيل وسد النهضة لأنهم يعتقدون أن مياه النيل هى قضية حياة أو موت وترتبط مباشرة بمصالح كل مصرى» هكذا وصف وزير الخارجية المصرى، سامح شكرى، قلق وتوجس المصريين من مصير ملف سد النهضة فى تصريحات له قبيل بدء الاجتماع السداسى المنعقد فى الخرطوم أمس، إلا أنه رد على مطالب المراقبين بوقف البناء فى موقع السد احتراما للمفاوضات بأنه «شرط لا يمكن إبلاغه لإثيوبيا وبداية لفشل المفاوضات».
فى لقاءات لـ«الشروق»، مع بعض المفاوضيين فى الوفد المصرى الدائم فى اجتماعات سد النهضة وحوض النيل منذ انطلاقها، أشاروا إلى قناعات لن يمكن التنازل عنها، تحكم أى قرار يمكن أن توافق عليه مصر خلال المفاوضات القائمة، وأهم هذه القناعات هى عدم تمكين الأطراف الأخرى من تمرير أى مبدأ أو سياق قانونى قد يكون عائقا فى حصول مصر سنويا على حصتها التاريخية والمكتسبة من مياه النيل، اضافة إلى التأكيد على مبادئ مصر الأساسية فى صياغة العلاقة مع دول منابع النيل لرفض أى سياسات اقامة مشروعات مستقبلا دون الالتزام بالإخطار المسبق وعدم الضرر.
وفى مقابل القناعات المصرية لايزال الجانب الإثيوبى يؤكد على مبادئ أخرى يتطلع إلى أن تكون أساس أى تفاوض مع مصر أو غيرها من الدول المطلة على النيل، وهى إقرار مبدأ الاستخدام العادل والمنصف لمياه النهر واطلاق يد إثيوبيا فى التصرف فى المياه الواقعة فى أراضيها دون انتظار موافقة أو رفض أى دولة وهو ما تقوم به فى علاقتها مع دول المنابع الأخرى خاصة كينيا عند إنشاء سدى جيبا 2 و3 على نهر أومو.
من أين يأتى الخلاف؟
بداية الخلاف فى كل الاجتماعات الفنية والسياسية فى ملف سد النهضة تأتى من عدم الاتفاق على مبدأ يحكم علاقة مصر وإثيوبيا فى إدارة المياه فى النيل الأزرق، فمنذ رفض مصر الحاسم للتوقيع على اتفاقية الإطار القانونى والمؤسسى لمياه النيل «عينتيبى» التى تحدد العلاقة بين دول المنبع والمصب فى إدارة مياه النيل، لا يوجد نص قانونى واضح وملزم للدولتين يمكن التفاوض على أساسه، ورغم التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ والحديث الرسمى عن الزاميتها إلا أن الطرف الإثيوبى دائما ما يكرر فى حديثه كلمة «احترام» بنود الاتفاق دون الالتزام بها، ولعل عدم الوصول لنتيجة أو توافق فنى بعد ثمانية أشهر من التوقيع على هذا الإتفاق خير دليل على عدم إلزاميته.
وتختلف التأويلات القانونية بين القاهرة وأديس أبابا على المبادئ أو النصوص القانونية التى تحكم علاقة الدولتين فى إدارة مياه النيل أو حل أزمة سد النهضة الإثيوبى، ورغم أهمية حل هذا الخلاف تتجاهل جميع الاجتماعات خلال العامين الأخيرين الاحتكاك بالجوانب القانونية، حيث أكد المسئولون عن ملف مياه النيل على اقتصار الاهتمام الآن بملف سد النهضة بعيدا عن حسم الخلافات القانونية القائمة، وتركيز الاجتماعات فقط على التوصل لاتفاق فنى يقلل من الآثار السلبية للسد أو الوصول لحل سياسى مرضى لكل من مصر وإثيوبيا ويحقق قدر من المصلحة للبلدين.
وتستبعد الإدارة المصرية تماما اللجوء إلى حلول قانونية فى الوقت الحالى رغم تعالى أصوات من ينادون باللجوء لمؤسسات قانونية دولية لشكوى ضد إصرار إثيوبيا على بناء السد بنفس المواصفات، حيث إن أغلب التقديرات التى يميل لها المفاوض المصرى الآن وفقا لحديث المصادر ترجح أن هذا المسار لن يجنى سوى مزيد من التنافر والاحتكاك مع الجانب الإثيوبى، فضلا عن أن الظروف الإقليمية المحيطة لا تشجع على مثل هذه الخطوة مع احتياج مصر التنسيق السياسى والدبلوماسى مع إثيوبيا فى قضايات التعاون المشترك وقضايا القارة الإفريقية، كما أن المجتمع الدولى بدا متقبلا لفكرة التنمية الخضراء فى أفريقيا والتوسع فى توليد الطاقة النظيفة وأهم عناصر ذلك هى الطاقة الهيدروليكية المولدة من السدود المائية، وهو ما أُثير فى العديد من المحافل الدولية وآخرها قمة المناخ فى باريس المنعقدة الشهر الحالى.
مصير المفاوضات الفنية
مُنذ إعلان المكتب الاستشارى الهولندى عن الانسحاب من تنفيذ الدراسات الفنية لتأثيرات السد اعتراضا على الطريقة التى ستجرى بها الدراسات والتى قال إنها ستؤدى إلى نتائج غير دقيقة وغير حيادية، توقفت خارطة الطريق التى كان من المنتظر أن تستمر ستة أشهر فقط يتم على أساسها الاتفاق على عمل الدراسات خلال 12 شهرا أخرى.
وصعدت مصر المسار التفاوضى إلى المستوى السياسى مرة أخرى، حيث انعقد ثانى اجتماع سداسى لوزراء الرى والخارجية، حيث كانت هذه الآلية قد سبق واتفق من خلالها على صياغة أعلان المبادئ وتوقيعه، ومن المنتظر أن تخرج الاجتماعات بوثيقة أو آلية جديدة للتوافق على مدى إمكانية العودة للمسار الفنى وفق اشتراطات واضحة يتم العمل على أساسها.
وتم تجميد جميع الاجتماعات التى كانت مدرجة على أجندة اللجنة الفنية الثلاثية وتوقفت جميع الاتصالات مع المكتبين الاستشارين، حيث أكدت مصادر فنية فى اللجنة أنه تتم مخاطبة المكتب الفرنسى والهولندى بانتظار نتائج المفاوضات لإبلاغهما عن مصيرها للبدء فى تنفيذ الدراسات من عدمه.
وتوقع وزير الخارجية المصرى فى تصريحات قبيل بدء الاجتماعات أن يتم حسم المسار التفاوضى على المستوى الفنى أو السياسى من خلال قرار مشترك يتم مراجعة القيادة السياسية فى الدول الثلاث بشأنه وقد يحتاج الأمر اجتماعا آخر على نفس المستوى بتمثيل وزراء الخارجية والمياه للاتفاق النهائى على هذا القرار.
سياسة الرئيس
يؤكد معظم المفوضين المصريين والمطلعين على إدارة ملف مياه النيل أن الموقف المصرى فى إدارة الملف ثابت وغير قابل للتغيير منذ عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولكن اختلفت تقديرات الإدارات السياسية فى مصر فى السنوات الخمس الأخيرة للتعامل مع الملف، وفقا لمستجدات الموقف بين تصعيد الخلاف والتسليم باستحالة التفاوض، وبين التهدئة ومحاولة خلق مسارات للحوار قد تكون بداية لأى اتفاق يقلل المخاطر الواقعة على مصر جراء التطلاعات المتصاعدة من دول منابع النيل لاستغلال نصيبها من النهر دون اعتبار تأثيرات ذلك على دولة المصب التى تكاد تعمتد كليا على مياه النيل فى تلبية احتياجات سكانها.
منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى، كانت سياسة التهدئة والحوار الفيصل الرئيسى فى التعامل مع ملف مياه النيل بخاصة أزمة سد النهضة، ورغم التقديرات والجدل المستمر داخل الاجتماعات المغلقة للمعنيين بإدارة الملف فى المؤسسات السياسية والفنية والأمنية المصرية حول تبعات هذه السياسة إلا أنها تكون الخيار الأخير بعد كل نقاش مطول لتقديرات الموقف.
فى لقاءات التى بدأها مع الجانبيين الإثيوبى والسودانى مُنذ حضوره القمة الأفريقية فى مالابو فى يونيو 2014، إثر توليه الحكم، أعلن عن سياسته فى إدارة الملف بكل وضوح، حيث بدأ المسار وترجم ذلك توقيع اتفاق مالابو مع رئيس الوزراء الإثيوبى، هيلاماريام ديسالين، والذى تضمن 7 مبادئ عامة تحكم إدارة مياه النهر بين البلدين، ليكون الوثيقة الأولى الموقعة بين القاهرة وأديس أبابا منذ بداية الأزمة والإعلان عن بناء السد فى 2011، وأعقب ذلك توسيع الاتفاق لتدخل السودان طرفا ثالثا ويوقع الرؤساء الثلاثة على وثيقة إعلان المبادئ فى مارس 2015.
سياسة الود التى دشنها الرئيس السيسى لم توجه إلى أديس أبابا فقط، ولكن كان للسودان نصيب منها رغم ما تحمله العلاقات المصرية السودانية من أزمات مكتوبة تتجدد فى تصريحات المسئولين السودانيين من فترة لأخرى، حيث كان الرئيس السيسى من أوائل الرؤساء الذين حضروا مرسم إعادة تنصيب الرئيس السودانى، عمر البشير فى الحكم فى يناير 2015، وأعقب ذلك استقبال حافل للبشير فى القاهرة برفقه وفد موسع من المسئوليين السودانيين، وما تلا ذلك من العديد من اللقاءات الودية على هامش مناسبات عامة حضرها الرئيسان طوال العام ونصف العام الماضيين.
يقول مصدر دبلوماسى مصرى على إطلاع بالملف السودانى، «دائما ما كان هناك مشاحنات وحالة من التوجس تسيطر على العلاقات الرسمية بين القاهرة والخرطوم لاعتبارات فى معظمها نفسية، وأغلب الأزمات الأخيرة فى معظمها مفتعل من جهات تحاول افتعال أزمات مع مصر اعتقادا منها أن ذلك يزيد من رصيدها لدى الشعب السودانى الذى لديه اعتقاد تاريخى باستعلاء المصريين عليه».
يضيف المصدر: «لا يمكننا أن نغفل تطورات العلاقات بين السودان والتقارب مع الخليج ودورها فى الملف الليبى وتطور مصالحها مع إثيوبيا، وضعف التنسيق المشترك معنا فى ملف النيل على عكس تاريخ العلاقات منذ التوقيع المشترك على اتفاقية 1959».
يقول المصدر: «دوائر صنع القرار الآن تتعامل بسياسة المواءمة لتمرير المواقف العارضة من دون السماح لتضخم الأزمات» لافتا: «هكذا تم احتواء أزمة «الحبس» أو سوء التعامل مع بعض السوادنيين فى القاهرة من خلال القنوات الدبلوماسية».

Sponsored Links

------------------------
الخبر : «الشروق» ترصد من السودان كواليس وعقبات المفاوضات المتعثرة حول سد النهضة منذ 2011 .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الشروق مصر

0 تعليق