الارشيف / أسرار عربية / تونس

الوظائف التربوية للاتصال الاجتماعي وصناعة الثقافة

السبت 13 جانفي 2018

-

Sponsored Links

ان البحث عن السرعة وعن النجاعة القصوى من خلال وسائل الاتصال الجديدة والرغبة في الفهم السريع للمعلومات، عناصر يمكن ان تكشف عن ميكانيزمات اكثر دقة في الخطاب السوسيو اتصالي واذا اردنا ان تدرس المعلومات داخل المجتمع انطلاقا من ثنائية الشرعية واللاشرعية، فان الامر يتطلب مزيدا من الضبط حتى نتمكن من اتخاذ المواقف المناسبة. وعليه فان نسق الاعلام يتطلب هو نفسه عددا من الرموز كما يفرض انماطا من العلاقات الاجتماعية تكون متماسكة ومترابطة فيما بينها وذلك من اجل ادامة مبدإ الانتقال الحر للمعلومات. وتحثنا هذه الطريقة في التفكير الثقافي على معرفة جوهر الاعلام وخاصيات العمليات الاتصالية حيث انه لا يوجد في المرحلة الحالية حسب طرح بعض الاتصاليين فهم واضح تماما عن الاعلام. اذ ان وجهات النظر الموجودة تكشف عن هذه او تلك من خصائصه واوجهه وصفاته العامة. ولذلك، فان ارقى واعقد واغنى شكل للاعلام هو الاعلام الاجتماعي أي ذلك الاعلام الذي يتبادله الناس فيما بينهم ويتفقون على اهم مكوناته. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الربط بين الانساق الاتصالية وتحميلها مسؤولية معالجة السياق السوسيو ثقافي في المجتمع. وتتم في هذا السياق دراسة الأثر الاديولوجي لوسائل الاعلام باعتبارها ميكانيزمات لاعادة انتاج المجتمع بما يخدم مصالح الفئات الوسطى والضعيفة.
وهذا الامر يستدعي ادماج هذه العناصر ضمن نماذج نوعية تشمل الوظائف الاديولوجية للاتصال في المجتمع مع الالحاح على حتمية تعريف انساق الاتصال وتحديدها بوصفها عناصر اقتصادية قد تثري الصناعة الثقافية ويمثل هذا التوجه في معناه العام فكرة الترابط القوي بين الوحدات الثقافية في المجتمع. ففي اطار سيادة الانساق الاجتماعية المرنة، فان التكامل بين العناصر الفرعية لن يكون مستحيلا. ويتعين فضلا عن ذلك كله، ان نلائم بين معياري الاتصال (بمعنى تبادل الرسائل الإعلامية عبر الوسائط) وبين الصناعة الثقافية. والواقع ان شأن مفهومي الاتصال وصناعة الثقافة هنا هو شأن كل المفاهيم المترابطة والمتقاربة من حيث الدلالة وعليه فان الدراسات الثقافية الجديدة يجب ان تستند الى أساس من الحقائق الاقتصادية مع محاولة إيجاد روابط متينة بينهما بهدف انشاء منظومة إعلامية ذات اتصال بالواقع الاجتماعي وبالفكر ولها سند مادي اقوى من ذي قبل.
بيد ان اللاتكافؤ الذي يميز عملية توزيع المادة الإعلامية عبر الشبكات العالمية للاتصال يجعلنا نبحث هاهنا عن معطيات متنوعة وخيوط دقيقة من اجل التوصل بالتالي الى تطبيق محدد للمفاهيم واستخدام آليات الاعلام في بناء وتفسير نماذج ثقافية دقيقة يمكن ان تشكل سندا تجاريا هاما للمجتمع وتكون قابلة للاستخدام والبرمجة الالية دون صعوبات تذكر.. ومن شأن هذه المسائل ان تساعد على ظهور الدراسات التقييمية لعملية التجريب الاجتماعي وتسليط الأضواء على لعبة التكامل والتنافر بين الثقافي والاقتصادي مع توقع اعتماد هذه التجارب بصفة فعلية اعتبارا الى ان الصفوة السياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية معنية بنتائجها. ولقد تم في تونس منذ بداية التسعينات تطوير مجموعة من المقاربات العلمية في الميدان الإعلامي بهدف مزيد التنسيق بين الدلالات الأيديولوجية والاقتصادية لوسائط الاعلام مع اخضاعها لمنطق ثقافي شديد الصلة بواقع المجتمع وذلك من زاوية سياسية دقيقة (ثقافية مالية، ثقافية شبابية، ثقافية شعبية) وهي مسارات تتداخل مع التوجه الكوني نحو عولمة وسائط الاعلام وعولمة المادة الإعلامية ذاتها، والعمل على تحليل تأثيراتها ومقتضياتها ونتائجها. وهي خطوات مصيرية تفرض توجهات تحررية داخل المجتمع وتجعل افق الديمقراطية اكثر انفتاحا.
يشكل هذا المسار نموذجا للعقلانية والانفتاح حيث تحررت المعلومات الثقافية والسياسية والاقتصادية وتحولت جميعها الى عناصر أساسية نستطيع من خلالها ان نفهم بنية المجتمع بعد ان كانت مجرد رموز غامضة ومختزلة لا يمكن فهمها الا من قبل الخبراء وذوي الاطلاع الواسع.
ومن هنا تتحول وسائل الاعلام الجماهيرية الى أدوات قادرة على التفاعل المنطقي مع الخطاب الثقافي السائد محليا وعالميا وهو ما يحدث تطورا اصيلا في بنية الخطاب الإعلامي. ويتم في هذه الوضعية المثالية القطع مع النموذج الإعلامي اللاعقلاني الذي يبحث عن إرضاء الاذواق السائدة والسطحية ويرغم الافراد في اكثر الأحيان على القبول السلبي بمختلف المواد الاعلامية الوافدة بواسطة أجهزة بث تسيطر عليها قوى وشركات عالمية لها اهداف اقتصادية-ايديولوجية صرف تعود عليها وحدها بالفائدة. وهي مع ذلك تحاول ان تحل في المجتمع محل الأجهزة التربوية والتعليمية والتثقيفية. ويمكننا في هذه الحالة انطلاقا من نماذج افتراضية المقارنة بين عدد الساعات التي يقضيها الأطفال امام جهاز التلفزة وبين عدد الساعات التي يمضونها في القراءة والمطالعة نلمس ان البون شاسع بين الدول المتحكمة في المعرفة الرقمية والبلدان المستهلكة لها.
ان النجاعة الثقافية للأجهزة الاتصالية التي نبحث عنها هدفها تحقيق التماسك الاجتماعي وبالتالي ضمان ديمومة المستوى الرمزي وإعادة الإنتاج الثقافي للعلاقات الاجتماعية السائدة. تعتبر هذه القراءة الوظيفية للميكانيزمات الثقافية وثيقة الصلة بموضوعنا الذي نهدف من خلال طرحه الى تحليل أساليب اشتغال وسائل الاعلام في المجتمعات ذات الجذور الديمقراطية. ولئن بدت وسائل الاعلام اكثر التصاقا بالاجهزة الرسمية وارتباطا بها فان النمط الثقافي الذي تعمل وفقه هذه الوسائل الإعلامية يبدو متحررا فكرا وممارسة.

الاقتصاد السياسي للصناعة الثقافية
ان مثل هذه الطريقة في التفكير الثقافي حول وسائل الاعلام دعت الباحثين الى التركيز على البعد الاقتصادي والتعامل مع النسق الإعلامي باعتباره نسقا اقتصاديا، اذ ان المواد الثقافية المروجة بشكل مكثف وغزير تخضع اليوم اكثر من أي وقت مضى لشروط اقتصادية في مستوى الصناعة والترويح. كما أن نسق الابداع والخلق الثقافي شهد هو نفسه تحولا جذريا وعميقا حيث أن صياغة الاشكال الثقافية تخضع لمنطق الربح والفائدة. وما يعنينا عند تحليل اوجه التلاقي للنماذج الاقتصادية السائدة في المجتمع وبين أنماط الانتاج الثقافي هو التحديد الدقيق لوزن المنطق الاقتصادي والعقلانية الصناعية في صياغة وضبط المواد الثقافية التي يتم بثها عبر الأجهزة الاتصالية والتوفيق بين خاصيات الجمهور المتقبل واحتياجاته وبين العقلانية الاقتصادية. يستوجب هذا الطرح تطويرا متواصلا لمجالات البحث من اجل التوصل إلى ادخال تغيير عميق على التوازنات الحالية في مجال الاتصال والاعلام على صعيد دولي والبحث بالتالي عن تبادل مشترك للمعلومات الثقافية في إطار صيانة هوية الشعب وبالبحث عن تحصين الخصوصيات الفردية أمام هيمنة النزعات الاقتصادية والتي تتميز باختراقات متنامية للأسواق المحلية بواسطة الصناعات الثقافية المعلبة والجامدة. إنه بالضبط منطق الربح المركز على تقييمات مختزلة للبرامج الفرجوية التي تقدمها وسائل الاعلام الجماهيرية بوصفها التمثيل السطحي لشرائح كثيرة من المجتمع.
ففي إطار الانساق الثقافية المشبكة تزداد مكانات الهيمنة الايديولوجية بواسطة وسائل الاعلام، إنها إيديولوجيا السوق التي تثير بالنسبة للباحثين الجادين مشكلا منهجيا دقيقا.
فالطريقة الأولى للتفكير حول وسائل الاعلام باعتبارها رهانات سوسيو ثقافية تقوم على تحويل الهيمنة الايديولوجية المسلطة عبر شبكات البحث العالمية من التبادل تعمل في متوازن وعلى درجات متعادلة من التبادل الثقافي ويمكن أن يتجلى هذا البرنامج في إطار نموذج تطوري هدفه تحديد البنية الثقافية باعتبارها هيكلا متداخلا من المكونات والرؤى التواصلية التي لا تتعارض بأية حال مع المجالات الرئيسية الكبرى في المجتمع أي الاقتصاد والسياسة والثقافة والايديولوجيا.
وهو أمر يقطع مع ما يسمى سوسيولوجيا بوحدة البؤس وهي تتجلى في كل ما يمكن تحت التفاعلات الاستعراضية والمشهدية الزائفة التي تبث عبر أقنية ووسائط الاعلام حيث تقاتل كل سلعة من أجل ذاتها، فلا يمكنها الاعتراف بالاخريات، وتحاول أن تفرض نفسها في كل مكان وكأنها هي الوحيدة. لا شك أنه لا يمكننا في هذه الحالة الحديث عن الاقتصادي والثقافي والايديولوجي والسياسي إلا بمنطق الصراع والتضارب وهو ما يتعارض مع منطق التطور العضوي للمجتمع.
فالمسألة تتعلق بفهم قانون اشتغال الآليات والوسائط الاعلامية وتحليل علاقة المستهلكين الداعمين للسلع الثقافية بالمنتجين فتكون عملية الفهم العقلاني للقوى الفاعلة في المجتمع متيسرة.
ينجر عن ذلك تناغم اقتصادي واجتماعي قد يعجل بتطور المجتمع وينمي الحركية داخله فيتحقق الاندماج بين السلطة والثقافة والفاعلين الاجتماعيين. ومن اليسير علينا انطلاقا من هذه المؤشرات الدالة إدراك خصوصيات التحول الثقافي في تونس وفهم أنماط اشتغال المجتمع وتحديد رهاناته في سياق بحثه المنطقي عن نماذج إعلامية موضوعية. ولعل المهم في المسألة أن الفاعل الثقافي كثيرا ما يكون له المبادرة في البحث عن منطق اعلامي جديد والاشارة بالتالي إلى الخيارات الثقافية التي من شأنها أن تكون عنصرا حاسما في تمتين علاقاته التفاعلية بخلايا المجتمع ومكوناته دون استثناء.
إن هذه الاختيارات تعد مؤشرا على عمق فهم خصوصيات المجتمع التونسي وحاجياته وخاصة منها الثقافية والتي لا يمكن تلبيتها إلا في إطار مرجعية علمية ثابتة.
ولا يهدف المجتمع من خلال توجهاته الاعلامية إلى انشاء نسق مغلق من المفاهيم والدلالات المغايرة لتوجيهات الافراد، وإنما تتجلى خصوصيات المجتمع التونسي في تنوع مجال الفعل الفردي وتعدد أشكال الوضوح مع اجتناب خطر تحويل الثقافة إلى إيديولوجيا مفروضة من قبل أفراد قليلي العدد ولئن اعتبر البعض أن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال قد حولت العالم إلى قرية مما يمكن المجتمعات من الاتصال والتفاهم والاستفادة من تجارب البعض الآخر وخبراته ويزيد التضامن الانساني متانة وقوة، ويسهل حصول الفرد والمجتمع على المعلومات دون عناء. ولذلك فإن سيطرة الجماعات البيروقراطية والمضاربين في سوق القيم الاعلامية من شأنها أن تحول هذا التواصل الثقافي المطلوب إلى استغلال مطلق ومتسارع لحاجيات المتقبلين للمادة الاعلامية ويخلق التراكم المعلوماتي نسقا توجيهيا كما يحول الخطاب الثقافي إلى إيديولوجيا. ولهذه الاسباب يتم التركيز في تونس على مسألة صناعة انماط ثقافية خصوصية هي أقرب إلى ذواتنا وأكثر تلاؤما مع أهدافنا المعرفية. وإذا نجحنا في تخطي عديد الرهانات الصعبة التي تفرضها علينا عولمة الاعلام والاقتصاد الاعلامي فنحافظ بذلك على مكتسباتنا ونسيطر على فضائنا الاتصالي.

المثاقفة وتبادل الرسائل الثقافية
والحقيقة أننا نطمح إلى بناء مسار إعلامي انفتاحي ثابت نظرا إلى أن القضية عندنا اضحت قضية مثاقفة وتبادل إرادي للثقافة.
ولسنا وحدنا من اتباع هذا المسلك، فعديد الدول ممن عدت في وقت مضى مهدا للثقافات (دول اوروبا الغربية مثلا) ليست بمعزل عن عمليات التثاقف الموجهة بواسطة الصناعات الثقافية. وما يجب تقديره في هذه القضية هو سبل الاستفادة من التراكمات الاعلامية العالمية وبعيدا عن الطرح الانغلاقي بمعني رسم المسارات الذاتية ووضع التصورات البديلة للواقع الاعلامي والثقافي الحالي مع التسليم بضرورة بقاء الاشكالات والتعقيدات الاتصالية العالمية في نفس الحالة مع تغيير بنية واساليب الاعلام والاتصال ومعالجتنا نحن التونسيين تحديدا لهذه القضايا، حسب هذا البرنامج، لا يجب أن تكون تقنية آلية فقط، بل تتعدى ذلك إلى فهم التأثيرات السياسية والايديولوجية لهذه الموجة الاتصالية ومحاولة فهم مدى قابليتها للتعايش معنا ومدى قدرتنا على مواءمة نتائجها مع بيئتنا الاجتماعية والنفسية دون أن ننسى أننا نتعامل أولا وبالذات مع أجهزة علمية هي نتاج المعرفة الانسانية ونتاج العقل الإنساني.
فهل لنتاجات العقل هذه مستقبل عندنا وهل أن الثقافة التقنية يمكن أن تدفعنا لبناء قواعد متينة لاستقبالها؟ يجب قبل كل شيء أن نفرق بين قضيتين في هذا الباب:
ـ القضية الأولى: تهم ما يسمى بإيديولوجيا الاعلام وهي تعنينا أساسا لأنها تنشأ ذاتيا ويخلقها الوعي الفردي والقدرات المعرفية ولا يمكن التفكير خارج دائرة الايديولوجيا الاعلامية حيث تتلازم المكونات الابستيمولوجية. ويمكن الاعتماد على مسارات نقدية تفكيكية لتحليل فحوى الرسالة أو الرسائل الايديولوجية وفهمها ففيها تكمن قواعد اللعبة الإعلامية.
ـ القضية الثانية: تهم الوسائل والأدوات أو إن شئنا وسائط الاتصال، ويمكن أن تتوفر في كل مكان، كما يمكن حيازتها لكنها تأتي ـ رغم أهميتها ـ في مرتبة ثانية. لذلك فالتفاعل مع المسألة الإعلامية في عمقها، والقدرة على الظفر بمفاتيح الشبكة الرمزية التي تتحكم في صيرورة الاحداث وتوجهها شرقا وغربا شمالا وجنوبا هي هدفنا، بعيدا عن الفهم المتواضع للخطاب الإعلامي المعرفي.
بقلم: الدكتور منذر عافي  (*)
(*) باحث في علم الاجتماع

------------------------
الخبر : الوظائف التربوية للاتصال الاجتماعي وصناعة الثقافة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الصباح التونسية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا