الارشيف / أسرار عربية / تونس

مع انحسار "الاحتجاجات الليلية".. الحكومة تلغي خيار مراجعة قانون المالية وتتجه نحو "تنفيس" الاحتقان الاجتماعي

تونس-الصباح

بات من شبه المؤكد أن الحكومة حسمت خيارها بشأن طريقة تفاعلها مع مطالب الحركات الاحتجاجية ضد والمطالبة بإسقاط قانون المالية لسنة 2018 والتراجع عن بعض الإجراءات التي تراها مجحفة ضد الفئات المهمشة والفقيرة.. من خلال اللجوء إلى حل "تنفيس" الاحتقان الاجتماعي عبر الإعلان عن حزمة قرارات وإجراءات اجتماعية في الساعات القادمة، واسقاط خيار مراجعة بعض أحكام قانون المالية لسنة 2018 من حساباتها السياسية تماما.

Sponsored Links

ويأتي قرار السلطات الرسمية مع تفاقم الاحتقان الاجتماعي، ولكن أيضا مع توتر المشهد السياسي بشكل عام بشكل غير مسبوق وذلك بعد أسبوع من الاحتجاجات في عديد جهات البلاد ضد غلاء الأسعار والتي اتخذت جلّها شكل الاحتجاج الليلي وانحراف بعضها إلى أعمال تخريب وقطع طرق والاعتداء على ممتلكات عامة وخاصة.. وبعد سلسلة من أحداث العنف تبعتها ايقافات وانتشار أمني وعسكري واسع.. اتجه الوضع الأمني إلى الاستقرار والهدوء نسبيا مع انحسار الاحتجاجات الليلية لصالح الاحتجاجات النهارية السلمية على غرار المسيرات التي نظمت أمس الجمعة في العاصمة وفي عدة مدن أخرى..  

 

يذكر ان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي استقبل أمس بقصر قرطاج، رئيس الحكومة يوسف الشاهد.وتناول اللقاء – وفقا لما ورد بالصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية- الإجراءات المزمع تطبيقها في الأيام القادمة لتحسين القدرة الشرائية للعائلات المعوزة ومحدودة الدخل ومزيد التحكُّم في الأسعار من خلال تشديد المراقبة على مسالك التوزيع وتفكيك شبكات الفساد والاحتكار والتهريب..  

 

رسائل واضحة واخرى مشفرة

من الواضح أن الحكومة تلقت رسائل لا فقط الحراك الاحتجاجي، لكن أيضا رسالة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي طالب في مرة أولى عبر أمينه العام نور الدين الطبوبي الحكومة مع بداية الأسبوع الجاري، بزيادة استثنائية في منح العائلات المعوزة والأجر الأدنى المهني المضمون وأجور عمّال الحضائر وكلّ الفئات الضعيفة في ظرف أسبوع.كما طالب بضرورة فتح الملفات الحارقة الكبرى وملف صندوق الدعم ليوجه الدعم إلى مستحقيه.. (مطالب أيدته فيها بعض الأحزاب مثل حركة النهضة في بيانها الأخير)

قبل ان يجدد اتحاد الشغل أول أمس في بيان مكتبه التنفيذي دعوته الحكومة (بلهجة لا تخلو من الحدة) إلىضرورة مراجعة سياساتها والإسراع باتّخاذ إجراءات اجتماعية عاجلة تستجيب إلى مطالب الفئات الشعبية من أهمّها الرفع في منح العائلات المعوزة والزيادة في الأجر الأدنى المضمون واتّخاذ إجراءات موازية لقانون المالية مع الإسراع بإعداد ميزانية تكميلية تراعي الانتظارات الاجتماعية وتستدرك الحيف المسلّط على الأجراء وضعاف الدخل، وفي نفس الوقت التدخّل السريع لتعديل الأسعار ومقاومة الفساد والاحتكار والتهريب والتهرّب الجبائي والاجتماعي.

ووجه الاتحاد في طيات بيانه أيضا رسائل مشفرة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد حين دعاه إلى التريث قبل توجيه الاتهامات جزافا دون تثبت او دليل.. في اشارة إلى تعمد الشاهد في زيارته الخاطفة الى طبربة توجيه اتهامات صريحة إلى الجبهة الشعبية بالوقوف وراء الاحتجاجات الليلية وبالتالي تحميلها مسؤولية أعمال العنف والتخريب والتحريض على العصيان المدني.. كما حذره من تواصل حالة الاحتقان والتوتر السياسي في صورة مواصلة الحكومة لما اسماه الاتحاد "سياسية التعتيم وغياب الشفافية والوضوح" عند اتّخاذ القرارات.

 

دفعة على الحساب

لا احد بإمكانه تقدير مآلات المشهد السياسي المتأزم حاليا في تونس، او التكهن بما ستجود به قريحة السياسيين.. فالحراك الاجتماعي والاحتجاج السلمي على غلاء الأسعار لن ينتهي قريبا.. رغم الاستقرار الأمني، وبداية التحرك الرسمي السياسي لتطويق الأحداث المتسارعة ومناقشة سبل تجاوز الأزمة.. إلا أن جل السيناريوهات تبقى ممكنة بما فيها التضحية بالحكومة.. ما يعني ان اللجوء إلى اقرار حزمة اجراءات اجتماعية لفائدة الفئات الضعيفة قد تكون دفعة على الحساب في انتظار انفراج الوضع ميدانيا..     

لكن، مع ذلك يعلم رئيس الحكومة، وخاصة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي أن حل إسقاط الحكومة أو القبول بمراجعة بعض أحكام المالية مثل ما تنادي به بعض الأحزاب والحركات الاحتجاجية.. لا يمكن التفكير فيها في الوقت الحالي لعدة اعتبارات منها أن التراجع قد يعني ضعف الحكومة وعجزها عن مواجهة الأزمات وفقدان القدرة على الإقناع والدفاع عن خياراتها السياسية والاقتصادية..، وأيضا على اعتبار وجود حالة من التضامن والالتفاف السياسي مع الحكومة من قبل الأحزاب الموقعة على وثيقة قرطاج والداعمة لحكومة الشاهد.. وأخيرا ترك الباب مفتوحا أمام خيارات أخرى قد تساعد على حلحلة الوضع السياسي المتأزم مثل الدعوة إلى عقد مؤتمر للحوار الاقتصادي والاجتماعي..    

 

تأكيد رسمي

يذكر ان التأكيد الرسمي على عدم تراجع الحكومة عن مراجعة قانون المالية بعد تصريح وزير التجارة عمر الباهي أمس في مؤتمر صحفي، حين أشار إلى أن الحكومة لن تتراجع عن أي فصل من فصول قانون المالية، موضحا أن الحكومة قدّمت مشروع قانون المالية إلى مجلس النواب بعد مناقشته مع المنظمات الوطنية، وتولى المجلس بدوره مناقشته والمصادقة عليه..

وأقرّ الباهي بوجود إجراءات في القانون وصفها بالصعبة لكنها ضرورية من أجل إصلاح وضعية المالية العمومية.وأشار إلى سعي الحكومة إلى اصلاح عجز الميزان التجاري وخفض العجز في الميزانية ليقع تقليصه إلى  4.9 بالمائة في 2018، ملاحظا أنّه لا يمكن المواصلة في هذا النهج في سبيل اصلاح الوضع الاقتصادي وخلق الثروة والنمو..

ولا يعني هذا التأكيد الرسمي، عدم لجوء الحكومة بدفع من المنظمات الوطنية والحراك الاجتماعي، وأيضا بدفع من متغيرات الظرف الاقتصادي وعدم دقة الفرضيات والمؤشرات التي بني عليها قانون المالية لسنة 2018 مثل السعر المرجعي للبترول، وسعر صرف الدينار ونسبة النمو.. إلى الاستعداد مبكرا لمشروع قانون مالية تكميلي لنفس السنة قد يحفظ ماء وجه الحكومة من جهة، ( عبر تدارك الإجراءات الضريبية التي ساهمت في الرفع في أسعار المواد الاستهلاكية) ويصحح الفرضيات الخاطئة، من جهة اخرى..

وينتظر أن تتجه الحكومة في الفترة القادمة إلى وضع خطة عمل جديدة يتم بمقتضاها شن حملة وطنية ضد غلاء الأسعار المتأتية خاصة من عدم احترام مسالك التوزيع واحتكار المواد الغذائية والمواد الاستهلاكية، لكن عليها أيضا مواصلة الضغط على أباطرة التهريب ومحاصرة المتهربين ضريبيا واطلاق برنامج وطني لتحصيل الديون الضريبية غير المستخلصة، وإطلاق نفس جديد في حربها على الفساد من خلال تفعيل وتنفيذ ومتابعة التقارير الرقابية في هذا المجال ومتابعة الملفات التي تصدرها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد...

رفيق بن عبد الله

 

 

 

------------------------
الخبر : مع انحسار "الاحتجاجات الليلية".. الحكومة تلغي خيار مراجعة قانون المالية وتتجه نحو "تنفيس" الاحتقان الاجتماعي .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الصباح التونسية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى