الارشيف / ثقافة وأدب

الدكتور حسن طلب .. الأديب الفيلسوف

بقلم الدكتور/ محمود محمد على

 شارك "حسن طلب" بإسهامات أدبية كبيرة، يأتي من بينها أنه أحد المؤسسين لجماعة "إضاءة" للشعر منذ عام 1977، وقاده ذلك نحو الحصول على العديد من الجوائز، فحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة في عام 1990، ثم جائزة كافافيس اليونانية للشعر في 1995، وجائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في 2006 والتي جاءت كمناصفة مع الشاعر العمانى سيف الرحبي. وعام 2014 فاز بجائزة الدولة التقديرية. ترك "حسن طلب" بصمة أدبية بالعديد من البلاد، وذلك من خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات الأدبية والشعرية في اليونان، وفرنسا، وكولومبيا، والدانمارك، والمغرب، والأردن، وسوريا.
ولحسن طلب العديد من المؤلفات الأدبية والفلسفية ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر وذلك علي النحو التالي :-
- وشم على نهدى فتاة - دار أسامة القاهرة 1972.
- سيرة البنفسج: 1986 م.
- أزل النار في أبد النور- دار النديم القاهرة 1988.
- زمان الزبرجد : 1989 م.
- آية جيم (قصيدة طويلة)- الطبعة الأولى هيئة الكتاب القاهرة 1992 الطبعة الثانية دار التلاقي للكتاب 2010
- لا نيل إلا النيل -دار شرقيات القاهرة 1993
- بستان السنابل مختارات شعرية - مكتبة الأسرة 2002
- مواقف ابى على وديوان رسائله وبعض أغانيه المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2002
- متتالية مصرية 2006.
ومن دراساته الفلسفية:-
- المقدس والجميل مركز القاهرة لحقوق الإنسان القاهرة 2001.
- أصل الفلسفة دار عين القاهرة 2003.
- مصادرة الفن باسم الدين والأخلاق والسياسة 2013 م.

Sponsored Links

وحينما احتفلت الساحة الأدبية بمصر عبر لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة ببلوغ حسن طلب عامه الستين من عمره المديد كانت تحتفل – من خلاله - بالشعر وبالاجتهاد والخيال الأصيل، وحينما تحيي هذا الشاعر الفرد ، إنما تحيي فيه الإتقان والإبداع والصلابة الإنسانية ، حيث وصفوه بالبستاني ، الجواهرجي، المهندس" ولم تكن هذه الصفات الثلاث التي أطلقها عليه الشاعر الكبير الراحل: حلمى سالم"، مجرد لغو كلمات، بل كانت ولا تزال - تحديداً دقيقاً لطريقة عمله مع الشعر. فشأن حسن طلب مع الشعر شأن البستاني الذي يتعهد حديقته بالري والتسميد والحرث والتشذيب والتقليم والتنسيق بين الجذور والفروع والغصون والسيقان والأوراق والثمار والزهور. كما أن شأنه مع الشعر شأن الجواهري الذي يتعهد مصاغه بالصهر والتشكيل والنقش والتلميع والتنضيد والتمييز بين العبارات. ثم أن شأنه مع الشعر شأن المهندس الذي يتعهد معماره بالأساس والمداميك والمنظور والطول والعرض والارتفاع والتناظر والتقابل والكتلة والفراغ والطوابق والشرفات والتهوية وأرابيسك الأبواب.. ووصلت «بستانية» هذا الشاعر إلى حد أن ارتفع بزهرة من الزهر الى مستوى المركز المطلق (البنفسج)، لتغدو هي الأنثى والوطن والجحيم والقصيدة. بل إن هذا البستاني لم يقصر اهتمامه على الحدائق وحدها، وإنما مدّه ليشمل حشرة الحدائق (الخازباز) ليصل بها الى مستوى تجسيد المأساة العربية، في واحدة من فرائده الفريدة. وقد وصلت «جواهرجية» هذا الشاعر إلى حد ارتفع فيه بواحد من الأحجار الكريمة إلى مستوى الرمز المطلق (الزبرجد)، حتى صار هذا الحجر الكريم علامة على الشاعر، وصار الشاعر علامة على هذا الحجر الكريم، على نحو غدا معه هذا الرمز المطلق طوّافاً على كثير من مناخات الشاعر و"زمانه". كما وصلت «هندسية» هذا الشاعر إلى حد أن صارت معظم قصائده اأبنية معمارية متلاصقة، تتجاوب فيها عناصر الكتلة والفراغ وتتراسل فيها نسب الإسمنت والقرميد والجص، وتتجادل فيها الوشائج بين الشكل والوظيفة، كل ذلك في نسق يعيد بعث الصلة القديمة بين الفلسفة والرياضيات، أو بين التجريد والهندسة، أو بين الجبر والميتافيزيقا. (ناهيك عن أن شاعرنا صمم نصاً شعرياً على هيئة هندسية مباشرة، عمادها المثلث والمستطيل. مثال: بنفسجة للجحيم). على أن ثمة ثلاثة شروط كبرى، توافرت في تجربة حسن طلب، من دونها يصبح البستاني محض منمق، ويصبح الجواهرجي محض منضد، ويصبح المهندس محض منظم، أول هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: الفطرة الشعرية المطبوعة (أو الروح الشعري الدفين) التي تأخذ النص من الاصطناع الى الصنع الجميل، وتمنح الحرية والتنوع، وثاني هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: القدرة اللغوية (والمُكْنة الموسيقية) التي تأخذ النص من الثبات إلى الحركة، ومن الجمود إلى دفق الليونة، وتتيح وفرة الاختبارات والبدائل والحلول، وثالث هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: ربط البستاني والجواهرجي والمهندس فيه، بهموم ذاته وذات جماعته الوطنية، وهو الربط الذي ينأى بالبستاني عن مفهوم الزينة، وينأى بالجواهرجي عن مفهوم «الإكسسوار»، وينأى بالمهندس عن مفهوم النمط. هذه إحدى مغامرات (أو معادلات) حسن طلب العظمى: دخوله إلى البستان ومحل المجوهرات والهندسة مسلحاً بالفطرة الهادرة والقدرة الطاغية والشوق الجماعي، لينتج لنا عبر التجادل الخصب بين ذلك جميعاً واحدة من التجارب الشعرية المتميزة في الحركة الشعرية العربية المعاصرة. كان هذا هو ما قاله "حلمى سالم" منشورا بجريدة (الحياة اللندنية) تحت عنوان: "ستون الشاعر المصري حسن طلب: اللاعب بالنغم... الراقص بالحرف"..
وقد وصفه الدكتور مصطفي النشار في مقال عنه بعنوان " حسن طلب.. والأصل المصرى للفلسفة"، فقال عنه بأنه " واحد من سدنة مزج الفلسفة بالشعر عبر التاريخ؛ إذ يمكن أن تقارنه ما شئت بأخناتون ملك مصر الفيلسوف الذى عبر عن رؤيته الدينية والفلسفية فى القصيدة الشمسية الشهيرة؛ أو «باكسينوفان» ذلك الشاعر اليونانى الجوال الذى قضى ستين عاما يعبر بالشعر عن رؤاه الفلسفية والدينية فى حقيقة الوجود وجوهره الواحدى، أو بتلميذه بارمنيدس صاحب أشهر قصيدة يونانية عبرت عن حقيقة الوجود الواحد ولا ماديته، وهى تلك القصيدة التى انبعثت منها فلسفة أفلاطون المثالية كما استندت إليها فلسفة أرسطو الميتافيزيقية".
أما الدكتور سعيد توفيق فقد أفاض في الحديث عنه عندما أخذ يعدد مؤلفاته ودواوينه وإنتهي إلي أن مسألة «أولوية اللغة» لاحظها الكثيرون في شعر «طلب»، والسبب يرجع لمتانة لغته، واستحضاره بلاغة القدماء، حيث يتجلى في شعره استعمال القوافي والجناس والسجع والطباق وغير ذلك من بديع اللغة، وكأنه يحاول ترصيع قصائده ببعض الأحجار القديمة العتيقة، التي لا نكاد، نحن المعاصرون ندرك قيمتها أو نفقه جمالها. ونفى سعيد توفيق ما أشيع حول شعر «حسن طلب» من أنه يقوم على الاستعراض اللغوي، وأنه يميل للزخرفة والاعتماد على الصورة، مؤكدًا أن هذا سوء فهم لشعره؛ وأشار إلى أن «طلب» لجأ لتحولات تدريجية في شعره من أجل الخروج من هذا الإطار، فقدم بعض الدواوين ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية؛ كديوان «لا نيل إلا النيل»، الذي لخص عشق حسن طلب وإيمانه بالنيل؛ فهو ليس متغيرًا كقلب الأنثى، بل باق بقاء الله والوطن. كما كشف توفيق أن نقطة التحول هذه، جعلت «طلب» أكثر اهتمامًا بالشأن العام، وبعالم الإنسان الذي يلقى شتى صنوف الظلم والعدوان في هذا العصر، فظهر ديوانه «قربان لإله الحرب» الذي صور الفظائع التي ارتكبتها أمريكا بحق العراق منذ احتلالها عام 2003، وإسرائيل بحق جنوب لبنان، حيث تخيل «طلب» في إحدى قصائد الديوان «هذه كربلاء وأنا لست الحسين» حوارا مع شهيد سقط في هذه المعركة، ولكنه يرمز للشهداء في كل زمان ومكان.
علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور حسن طلب بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى