الارشيف / مقالات

الشركة الأمريكية لتجارة الديمقراطية

 بقلم الكاتب: مختار عيسى

ليس في وسع المراقبين السياسيين، ومنتجي السلع الإعلامية ذات الحضور الباذخ في أسواق العرب المفتوحة من دون حواجز جمركية على الغرب المتحضر، سوى التسليم بتفوق الإنتاج الغربي، ورواج سلعة السلام والديمقراطية، التي لا تتوانى المراكز المتخصصة عن تصديرها للمستهلك في أوطاننا، في صور حركات تحررية، أو تغيرات هيكلية في البني السياسية في بلدان العالم الثالث، الذي يصر سكانه على أن يظل ثالثاً؛ لتظل أمريكا وشركاؤها في المقصورة الدولية، وما علينا غير الإنصات لتعاليمها، وتمرير بضائعها، راضين بهوامش ربح متوهم، يقبض على معظمه بأرصدة وكراسي سلطان بعض من يسمون أنفسهم أمراء أو ملوكاً، أو رؤساء جمهوريات، وما هم في حقيقة الأمر إلا مديرو أفرع الشركة الأم في واشنطن، وإن تصوروا أنهم مالكوها.
ومن الأسواق المزدحمة بمرتاديها من عرب الآن، سوق السلام، وتقاليعه، و«موداته» تساير الأذواق العربية على تبايناتها، ويحرص تجارها على تغليف بضائعهم باللوامع والزواهي، وعزف سيمفونيات الضرورة والإمكانية، والشراكة، خصوصاً والتاجر الأمريكي أو الإسرائيلي، معروف لديهم بنزاهته، وتحضره، وإلا فما سر هذه المقالات والكتب والتصاريح الإعلامية على ألسنة كتاب وفنانين وساسة عن الديمقراطية الأمريكية، والتحضر الإسرائيلي، مقابل همجية العرب وغوغائيتهم؟!

Sponsored Links


ولأن تاجراً حصيفاً، ومشترياً واعياً، قد يمر عبر هذه الأسواق من دون أن يشتري البضاعة من منبعها؛ فإن وكلاء الاستيراد في عالمنا العربي متكفلون باستحضار السلعة السلامية، وتمريرها من دون الكشف عما تحتويه صناديقها من محظورات، ليس أقلها أن مُنتِجيها ومُروّجيها شركاء في سوق السلاح، بل هم مُصنّعوه، ومن ثم فالخديعة أجلى من شمس يومٍ قائظ، وأسطع من بدرٍ ليلةَ تمامه!
من يصدق أن الديمقراطية التي تبشرُ بها الولايات المتحدة الأمريكية، وتحرص على تصديرها إلى المنطقة العربية بضاعة خالية من السموم؟ كيف وهي من ترعى الديكتاتوريات، سواء أكانت في صور ملكية أم أميرية أم جمهورية، كيف وهي منتج السلاح المدمّر؟ أيعقل أن تظل مصانعها ومعامل تطوير آلات التدمير من دون دوران العجلات الإنتاجية وهي عصب اقتصاد هذه الشركة المسماة أمريكا، ومصدر ثروات أعضاء مجلس إدارتها؟!
من النكات الذوائع في السوق الإلكترونية الخاصة بعالم الحاسوب مثلاً أنّ منتِج الفيروسات المدمرة للأجهزة هو منتِج البرامج المضادة، وأن صانع الجرثومة الإلكترونية، هو صانع «الفاكسينات» القاضية على خطورتها.. وهذا هو الأمر الذي لا يمكن أن يخفى على متابع صغير للموقف الدولي، وكيف أن الصراع في المناطق العربية الملتهبة، ومنها سورية ـأنقذها الله ـ يدور حسب هذه النكتة أو المعادلة الإنتاجية التسويقية، ومن ثم فإن إبقاءه مشتعلاً هو غرض المنتج وأمل التاجر، ووسيلة المروّج.


وعلى هذا فإن تساؤلاً عن حرص الشركة الأمريكية ورئيس مجلس إدارتها السيد باراك أوباما على تسليح المعارضة يصبح غير ذي جدوى، فالإجابة الحتمية والوحيدة لا تغيب عن المتسائل، وقطعاً تظل علامة الاستفهام مجرد حيلة إعلامية أيضاً لإلهاء المشترين عن حقيقة المعادلة الرأسمالية التي يحتل طرفيها تاجران أو هما تاجر واحد بوكيلين: أحدهما في سوق السلام والآخر في سوق السلاح، ولا رواج للبضاعة إلا بأرجحة جماهير المستهلكين وأولياء أمورهم على حبل ممتد بين السوقين بطول الزمن العربي وأرصدة ملوك العرب وأمرائهم في بنوك العائلة السياسية!

----------------------

11 يوليو 2019

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى