الارشيف / مقالات

حول مسألة الشذوذ وانتحار سارة حجازى - بقلم الدكتور حسن طلب

وماذا على طالبٍ لذّةً * بأيةِ جارحةٍ نالَها! (ابن الرومى)
حول مسألة الشذوذ وانتحار سارة حجازى

==== بقلم الدكتور/ حسن طلب ====

لم يكن "ابن الرومى" شاذا جنسيا كما هو معروف عند من أرخوا له؛ فقد أمضى عمره متيما بحبيته "وحيد" كما تشهد قصائده، ومع هذا فقد عاصر فترة انتشار الشذوذ، ونظم هذا البيت المتسامح الذى أوردناه، وكأنه يضع نفسه مكان الشواذ فيقول كلنا نطلب اللذة الجنسية، فهذا ينالها بجارحة (عضو) وذاك ينالها بجارحة أخرى! فنحن نتفق فى الغاية وإن تنوعت الوسائل. وهكذا يمكن للإنسان الواعى أن يدافع عما لا يمارسه أو يكونه؛ بل أحيانا يصبح هذا هو واجبه على الصعيد الإنسانى؛ فقد يدافع عن السود وهو ليس بأسود؛ وعن المدمنين وهو غير مدمن.. وعن المرأة وهو رجل (والعكس).. وعن الملحد وهو مؤمن (والعكس أيضا).. .

Sponsored Links

والأمثلة لا حصر لها؛ ولكن الكارثة هى أننا نستسهل الاتهام والإدانة ونتنكب طريق الصواب لأنه الأصعب؛ والصواب فى نظرى هو الدراسة المتأنية العميقة التى تمكننا من معرفة شتى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التى أدت بهذ إلى أن يدمن.. وبذاك إلى أن يلحد.. وبتلك إلى أن تشذ...وبدون هذا الفهم لن نجد علاجا ناجعا لأية ظاهرة غير مرغوبة تتفشى وتهدد سلامة المجتمع، أو لا تستقيم مع المثل العليا أو حتى مع كرامة الإنسان أيا كان. ومثل تلك الظواهر غير الإنسنية تفاقمت فى هذا العصر الذى تراجعت فيه القيم؛ فكل يوم تطالعنا صفحات الحوادث فى الصحف عن ابن يقتل شقيقه.. أو أباه.. أو أمه.. أو جدته، للحصول على المال؛ بل وعن أب (أو أم ) يقتل بنيه لأسباب أخرى تافهة! غير أننا لا نلقى بالا إزاء تلك الجرائم الخطيرة التى تنخر أساس البنيان الاجتماعى؛ فنمر عليها مرور الكرام؛ حتى إذا ما فوجئنا بحادثة جنسية كالشذوذ أو زنا المحارم أو اغتصاب الأطفال جنسيا.. ننتفض ونتحسس أعضاءنا الجنسية كما كان الوزير النازى "جوبلز" يتحسس مسدسه فى مواجهة المثقفين المعارضين! ونهب هبة عنترية مُضرية ثار عجاجها حتى [هتكت حجاب الشمس أو قطرت دما] على رأى "بشار بن برد"؛ ثم نردد مع "أبى الطيب": (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم)! بينما أوطاننا تنتهك حرماتها من المحيط إلى الخليج دون أن نحرك ساكنا، وكل بلد عربى يعوم على بحر من الفساد فتختلس ثروات الشعوب عصابات من اللصوص نسميهم رجال أعمال.. ونحن لا حس ولا خبر! وليس من عقل يحكم ردود أفعالنا، بعد أن نجح سماسرة الدين فى أن يجعلوا عقولنا بين أفخاذنا! ندعى العفة والاستقامة ونحن أكثر أمة تغزلت بالغلمان المرد المخلدين! ومن يراجع ديوان الشعراء منذ القرن الثانى الهجرى فصاعدا.. يستطيع أن يملأ آلاف الصفحات من الغزل الفاحش فى الغلمان المرد؛ وبعضهم كان من رجال الدين! حتى كاد الشذوذ يصبح هو القاعدة بسبب الألاف المؤلفة من سبايا الحروب وأسراها من البلاد التى غزاها المسلمون؛ وهكذا رأينا أبا نواس يجمع بين السواء والشذوذ فى قرن، فالسعى إلى تجربة كل أنواع اللذة الجنسية كان هو السائد فى عصر الوفرة والترف! يقول النواسى: [ولقد أنام على السرير منعما * ما بين غانية وبين غلام]! بل إن دائرة الشذوذ قد اتسعت حتى خرجت الممارسة عن النطاق البشرى لنجد هناك من يشبع غريزته مع إناث بعض الحيوانات.. والغريب أن كتب (الأنكحة الفاسدة) فى الفقه، لا تعد هذا الشذوذ المركب إثما يعاقب عليه مرتكبه؛ فليتنا نعرف تاريخنا ليساعدنا على فهم حاضرنا.
إن الفتاة التى انتحرت هربا من طاغوتكم، تركت رسالة تسامح فيها الجميع بمن فيهم من سبها وأهانها؛ ولكن قلوبكم التى قدت من صخر تأبى إلا الشماتة حتى فيمن تركت لكم الجمل بما حمل وأصبحت بين يدى ربها!


لم تعرفوا بعد كيف تفرقون بين الفكرة المجردة من جهة، ومن يعتنقها من جهة أخرى؛ الغالبية الساحقة منا لا تقبل الشذوذ باعتباره فكرة مجردة، بل إنى أعتبرها فكرة مقززة تثير النفور؛ ولكنى حين أواجه إنسانا يعتنق هذه الفكرة ويمارسها؛ سيختلف تفكيرى؛ لأنى سأشعر أننى مطالب بمساعدة هذا الإنسان المريض الذى انحرفت به ظروفه عن الفطرة السوية؛ فإن لم أستطع المساعدة؛ سأحاول الفهم؛ وكما فهمنا أن انتشار الشذوذ فى العصر العباسى يعود فى جانب كبير منه إلى اكتظاظ أسواق النخاسة بالغلمان والجوارى؛ فعلينا أن نفهم أسباب الشذوذ اليوم.. باختصار: علينا أن نقاوم المرض .. لا أن نغتال المريض بعد موته ليموت من جديد؛ فإذا كان فى تراثنا (ذو الميتتين) الذى أخرجوا جثته من القبره ليقتلوه ثانية! (وهو لسان الدين بن الخطيب ت 776 هـ )؛ فإن حاضرنا سينافس ماضينا بسارة ذات الميتتين!

-------------------------------

 

من هي سارة حجازي؟:

أعلن حقوقيون عن انتحار الناشطة المصرية المقيمة في كندا، سارة حجازي، عن عمر 30 عاما، تاركة رسالة إلى أخوتها وأصدقائها عن قسوة تجربتها الحياتية التي لم تستطع مقاومتها.
وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي رسالة بخط اليد منسوبة إلى سارة تقول فيها: “إلى إخوتي.. حاولت النجاة وفشلت، سامحوني. ِإلى أصدقائي.. التجربة قاسية وأنا أضعف من أن أقاومها، سامحوني. إلى العالم.. كنتَ قاسيا إلى حد عظيم، ولكني أسامح”.
وتعد سارة الشقيقة الكبرى بين إخوتها الأربعة، وتنتمي لعائلة محافظة من الطبقة المتوسطة، وبعد وفاة والدها، أستاذ العلوم، ساعدت والدتها في رعاية أشقائها الصغار، وعملت كإخصائية في تكنولوجيا المعلومات مع إحدى الشركات.
ثم تعرضت للمساءلة القانونية إثر تورطها بتهم مرتبطة بالمثلية الجنسية، وذلك بعد إعلانها مثليتها الجنسية عام 2016، الأمر الذي أثار الجدل حولها، حتى غادرت مصر لتقيم في كندا منذ عامين.
وكانت السلطات المصرية قد قبضت على سارة وأحمد علاء، الطالب بكلية الحقوق، في أكتوبر 2017 إثر رفع علم قوس قزح، شعار المثلية الجنسية، في حفل غنائي لفرقة “مشروع ليلى” اللبنانية، في سبتمبر من العام نفسه.
واتهمتها النيابة المصرية في القضية التي عرفت باسم “علم قوس قزح”، بالانضمام إلى جماعة محظورة تروج “للفكر المنحرف”. لكنها نفت هذه الاتهامات وقالت إنها لوحت بالعلم تضامنا مع حقوق المثليين.

وتم الإفراج عنها بكفالة في يناير 2018، وسافرت إلى كندا.

وعلى الرغم من أن المثلية الجنسية ليست جريمة في مصر، إلا أنها تدخل تحت طائلة القوانين التي تمنع “الفكر المنحرف والترويج للفجور والأعمال المنافية للآداب العام”، كما يتعامل المجتمع مع المثليين جنسيا على أنهم “منبوذون”.

وعملت سارة إخصائية في تكنولوجيا المعلومات مع شركة مصرية، قبل أن تتحول إلى ناشطة للدفاع عن المثلية الجنسية والتنوع الجنسى، وكانت من مؤسسي حزب “العيش والحرية” تحت التأسيس.

وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ “سارة حجازي”، وأصدر حزب العيش والحرية (تحت التأسيس)، الذي كانت تنتمي إليه سارة، بيانا نعاها فيه.

كما أعلنت حركة الاشتراكيون الثوريون وفاتها على تويتر، واصفة إياها بأنها “مقاتلة مقاومة اشتراكية”.

ونعت الناشطة المصرية ورئيس مؤسسة بلادي الحقوقية آية حجازي، في تغريدة على تويتر سارة بعد خبر وفاتها، وقالت آية “سارة حجازي تركتنا لأن عالمنا قاس ولا يرحم”.

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى