الارشيف / مقالات

الدعم والاستئجار .. فرق أسعار السوق السياسية - بقلم الشاعر والناقد: مختار عيسى

قطعاً، ومن دون استعارات بلاغية من معاجم ثقافة العرب، لايمكن أن يتساوى بعض ذوي الحاجات من الدول والشخوص، محترفي السير على بسط التذلل، ومد الأيدي في ضراعة المتسولين، لسيدٍ مالك، أو رقيعٍ متملك، وأولئك الذين يمنحون الآخر التاجر السياسي والثقافي فرصة تأجير مساحات شواسع من قضايا أوطانهم، وغض الطرف -ولو إلى حين-، عن المافيا السياسية التي تديرها آبار النفط والغاز، خوفاً من امتداد الحريق الوعيوي إلى حقولها النافطة والشافطة خير أرض الله!
ورغم اتفاق واضح المعالم بين الفريقين، لكن ثمة فرقاً عماده الجوهر الوطني، لايزال قادراً على التمييز، منحازاً –نسبياً- إلى أمل خلاص الفريق الأول من اضطراريته التي تلجئه -تحت وطأة حاجات يومية ملحة-، إلى التسليم -ولو مؤقتاً- بطلبات المانح، والرضا بإملاءاته، على أمل أن تحقق العطايا قدرة ما للمنوح على الاستقلال فيما بعد.
الحقيقة التي لا أرضى ولا أظن الشرفاء في دول المقاومة العربية ذات التاريخ، يرضون بديلاً لها، أن من يركع مرة راضياً، لن تقوى ظهره على الاستقامة، وسوف يراهن على ركوعه مرات ومرات؛ جلباً لمصلحة عارضة أو دفعاً لمضرة طارئة، وأرى قطعاً أن المقاومة ليست حدثاً بقدر ما هي قيمة مبدئية، وموقف نهائي، لا يقامر به المقاوم أبداً.
المشهدان السياسيان العربي والدولي لا يكادان يغادران هذه الرؤية في نظري؛ فأولئك المالكون المانحون المانعون، وأولئك المحتاجون الواقفون على أعتابهم، ليسوا إلا تعبيراً عن ذلك الفرق بين المبدأ والانتهاز، بين القيمة والانعدام، بين التبعية والاستقلال، وتجليات هذين المشهدين على الساحة اليومية تفصح عن معسكرين قد يختلفان إمكانيةً وقوى، إلا أنهما ينتميان إلى هذه التجارة السياسية عظيمة الاستغلال. وليس أدل من تحكم دويلة حقيرة الحضور في صفحتي الجغرافيا والتاريخ، مثل (قطر)، أو مستعلية برأسمالها وجبروتها العسكري كأمريكا، في دول ذات عراقة وأصالة، بحجج الاستثمار، والتنمية، بينما تضطر دول رائدة في التغاضي -نسبياً ومرحلياً- حتى لا يغضب رعاة هذه الدويلة من المانحين الملوحين دائماً بالمساعدات والمنح، عسكرية كانت أو ذات طابع استهلاكي، الأمر الذي يضع المراقب العربي في حيرة وعدم فهم لأدوار بعض القادة، الذين يبررون لشعوبهم هذا التغاضي أو تأجيل المواجهة الضرورية بأن ثمة رغيف خبز ينتظر، أو علبة دواء لا يُستغنى عنها، وأن الجوع الذي أشار العربي القديم إلى إمكانية تحمله إن كان مُنْجياً من تعهُّر، (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) هو الحاسم الباتر، في لعبة التبعية والاستقلال.
قد يلقى التبرير رضا، وقد يفلح محللو الشاشات، والمتنفطة عقولهم في تسويده، وإعلاء حضوره، لكن المؤكد أن الحر يبقى حراً، وحريته، وإيمانه الصارم بها، أحد أهم أسلحته في مواجهة حملات الإذلال والتخضيع، ووضع الأوطان على موائد المفاوضات، وأن الاعتماد على الذات وإيقاظ القدرات والإمكانات المحلية ضرورتان للتصدي، لتجار السياسة والدين، ومروجي الدعم الكاذب الذي ليس في حقيقته إلا شراء ذمم القادة واحتقار طموحات الشعوب.
لا فرق كبير إلا في الأسعار في السوق السياسية الحاضرة، بين أولئك المتخفين وراء أستار الدعم المادي، وهؤلاء المؤجرين أوطانهم، عبوراً لأزمات طوارئ، وهرباً من معاركَ قواطع، تفرضها عليهم الأمانات التي حملتهم إياها شعوب؛ ولاسيما في بلاد جل رأسمالها التاريخي والحضاري كان الحرية.

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى