رائحة الحناء قصة لناديه شكرى

0 تعليق 214 ارسل طباعة تبليغ

 

 

Sponsored Links

لقد حفظت المكان، أصعد إلى الطابق الأول وأسير ثم أدور نصف دورة فأرى شواهد عديدة علي الحضارة. أشم هنا دوما رائحة التاريخ، أدوات التجميل مصفوفة في أوانيها الزجاجية، أدوات الزينة، والعقود المعلقة داخل الانية ثم تواجهني قاعة"14"، لكن هذه المرة سيكون  هو معي بعد أن حكيت له عن "وجوه الفيوم" تلك البورتريهات لأناس عاشوا قبلنا سأكون مرشدته .

 

وفي موعده جاء، سبقته بدقائق ، لمحته يمد خطاه ناحية منفذ التذاكر، تتسع ابتسامته حين يراني ينظر في ساعته: تأخرت؟ هززت رأسي نفيا أمد له يدي، يفاجئني بفتح ذراعيه يضمني ويقبلني في باحة المتحف! اقتربنا لدفع ثمن التذاكر أخذت العاملة تتفحصني وتشك في مصريتي، قال لها : لا تهم الجنيهات العشرة لكنها مصرية مثلك. اقتربت منها أمد يدي ببطاقتي الشخصية فسلمتني التذكرتين متشككة.

 قال: تشبهين أهل الفرنجة أسبانيا  البرازيل غالبا أمريكا اللاتينية. يملأ يده بسلسلة المفاتيح وعلبتي السجائر، أمسك يدي بكفه نصعد الدرجات العريضة، قلت له: تحتاج شنطة جلدية صغيرة تعلقها على كتفك لتكون يدك حرة. قال أنه لا يحب حمل الحقائب وأنه حتما سينساها وتضيع بما فيها. دلفنا إلي أولى القاعات قال: أنت مرشدتي ، قوديني، أعتمد عليك. كانت كلماته همسا. قلت له: تعرف أني أعشق نبرة صوتك؟ يسور جذعى  بذراعه، يبدلني إلى يمينه وإلي اليسار كما يشير عليه القلق، يده تعانق جسدي تطبع بصمته عليه، يزينه، تستقر الآن على كتفي وأنا أحكي معه عن لوني المفضل الذي أعشقه وأحس بالفخر وأنا أتحسس قلادتي الفرعونية المقلدة والتي ألمح أصلها داخل الوعاء الزجاجي قلت: سأعرفك الآن علي وجوه أصحابي، شيئ مبهم بيني وبينهم. كل شهر أو يزيد، يأخذني الشوق إليهم فأزورهم, أعرفهم جيدا حتي أني أطلقت عليهم أسماء ، علك بعد أن تراهم تفك طلاسمي. يرقد المفاتيح داخل جيبه ويلتف ذراعه حول جزعي، كفه الحائرة تسرق تركيزي، يتصفح الآن وجوه الصور الحزينة التي وجدوها بحالتها تلك رغم أنها تعود للقرن الأول الميلادي، عن يميني وقف قال : يا الله .. كل هذا الحزن؟ قلت: شجن قاتل يلفني معهم. لهم سطوة غريبة علي!

 قال: هذه المرأة تشبهك، دققي نظرتك داخل عيونها العسلية الواسعة، حتي نظرتها الحزينة تشبه نظرتك أحيانا. علقت نظارات الشمس في فتحة القميص وأنا أحاول أن أنظر لكن كفه تضغط كفي وبدلا من أن أدقق في الصورة كنت أنسحب برأسي و أعلوا ، طرت بعيدا، أقلب الهواء، أشقه بجسدي الطويل في صمت مدهوش ، تفور مشاعري، يضغط كفي أكثر يتوه داخل مرآة عيني التي اتسعت فأغلقتها عليه أصبح بداخلي وبداخلها، جذبني قليلا ناحية الوجه الطفل الذي يجاور المرأة التي تشبهني ، نميل سويا نظلل وجه  الزجاج لتتضح المعالم المعروضة خلفها، تصعد يده إلي كتفي  أنظر إليه و أميل برقبتي عليها أقبلها يتلمس جانب وجهي الذي يرتدي دائما ملامح الجدية ولما تلاقت أنفاسنا سرنا قليلا حتى واجهنا الجدار الذي يفضي إلى الدرجات العريضة أدركت الأعداد الكبيرة الواقفة والصاعدة بألوانهم وجنسياتهم المتعددة ، لم أسمع جلبتهم من قبل, لم ألحظ سوى رسائل تنطبع فوق خريطتي . نزلنا إلى الباحة الرئيسية للمتحف نفترش الأرض وندخن قال: نذهب نأكل شيئا ونشرب قهوة ونأتي بعدها. نطير الآن ، المحال تحتنا تبدو قزمية . نملك الدنيا. يمسك كل منا بأحد أطراف درب التبانه، لم أنسى أن أرفع رأسي إلى أعلى أشكر السماء, بنعومة يعتصر كفي بين أصابعه .تصلني نبضات إبهامه. أشار إلى مطعمه المفضل, فهبطنا في نعومة، استقبلنا صاحب المكان بترحاب، اقتادنا إلى مائدة منعزلة ووضع أمامنا قائمة الطعام وتركنا. أشعل سيجارة وقدمها لي: ماذا تطلبين؟

عانى صوتي للخروج عبر أحبالي الصوتية التي أحسستها بطول السماء والأرض، خرج صوتي همسا وأنا أبتلع بقية الكلمات :

  • لا أريد من الدنيا سواك أنت. ابتسم وهو يهز رأسه غير مصدق:
  • أمامنا يوما طويلا سأطلب لك أنا .. لابد أن تأكلي شيئا معي.

 

صوته يشعرني بالامتلاء. يؤنسني, أشعر بالاكتفاء الآن .لا أريد شيئا بعد أن خدش صوته كيانى كله . فلمحت الجني يخرج من داخلي معافى. لايزال زخم المشاعر التي تزاحمت فوقها طبقات الصدأ عبر سنيني وجعلتني أكتفي بشخوص مخلقة ينوبون عني في التوق والمشاعر أملأ بها آلاف الأوراق .. الآن أعيشها :

 

  • لا أريد أن آكل. لكني أكلت.

 

قلت أشياء كثيرة أتخبط في الكلام يختلط ما أقوله مع ما أحسه مع ما أتمناه وأتوق إليه، شخبطة سريالية فاقعة ملأت سمائي. ما أدركه جيدا الآن إني أريده لا أكثر. ودعني وداعا مؤقتا قال:

  • لظروف العمل سنلتقي عند المساء  ماشى؟

 

عند نهاية شارع قصر النيل تركته يحضر سيارته. ولوحت له من سيارة الأجرة من المقعد الخلفي أرد على تلويحه خجلة .. وعندما تراجع للوراء ولم أعد أراه نظرت أمامي، كان الزحام شديدا كيف يعيش المرء عالمين، لحظتين واقعيتين في آن واحد؟

 

تسرب إلي إحساس بالوحشة يغزوني، ماذا يحدث لي؟ أفشل في استجماع شتاتي، أين ذهبت روحي؟ ملامحي أعثر عليها علي صفحة مرآة السيارة، أرى جسدي كله لكن أين ذهبت روحي، منذ لحظات كنت أطير بلا وزن والآن احتفظ بجسد قتيل، جثة ثقيلة.

 

في البيت ملأت حوض الحموم ورقدت فيه، أترك جسدي للماء مثلما تركت روحي معه، يتسع الحوض أمامي أرى تفصيلات ساعات النهار القصيرة الماضية، أرى المتحف ووجوه الفيوم ، المطعم, جلسته شاردا أمامي ، أعبث بدوائر فقاعات الصابون يأتيني صوته كما يأتي طفلا عن بعد يرتمي في أحضان أمه، منسوب الماء يصل حتى رقبتي، يربت علي جسدي، كدت أنام، لمحت وجه الساعة ، مر زمن وأنا بالماء أتخفف من أثقالي وأجيج مشاعري الصاخبة، أحسست بأثر الماء ولمحت فيه وجه أرشميدس، ملئني إحساس بأنه كان مثلي مثقلا فترك جسده للماء حتى تهدأ أفكاره لمحته يُقبل صاحب المطعم ويدور به جزلا : وجدتها .. وجدتها.

 

أجفف جسدي وشعري وقبل ارتداء ملابسي دق جرس الباب، تلحفت بالمنشفة الكبيرة وأرسلت صوتي من الصالة:

  • من؟

 

فاجأني صوته! تسترت بالباب وفتحت له، دخل تمرح بسمته الجميلة المجنونة فوق الملامح الهادئة:

  • وحشتيني!

أغلقت الباب:

  • كدت أخبرك بسري في الصباح وأقول لك أنك من أبحث عنها منذ ولدت.أحكم المنشفة حول رأسي وجسدي وأجلسني بجواره أمسكت وجهه بيدي والتصق صدرينا:
  • عرفت كثيرات لكني كنت دائم البحث، كنت واثق أني سوف أقابلك أصبحت مؤمنا الآن...
  • أما أنا فلم أبحث، كنت أكتفي بالتمني، تقتلني اللوعة مرات في اليوم الواحد، لكنك دفعت بابي برقة، لينام لسان المتراس في جوف معشوقه برفق، وأجدني الأن داخل صدرك، وبعض مائي لم يجف بعد.

 

قبض جسدي كله بكفه، تخرج سنوات عمري الفائت عبر مسامي، تمنيت أن ينتهي العالم الآن حتى لايتركني أو أتركه ثانية.

 

جلس راكعا أمامي علي السجادة يسألني: من أين هبطت علي؟ قلت: من القرن الأول الميلادي. رد راجعا للوراء يرسم الدهشة: أنت قديمة جدا فعلا.. لم يعد لمثل مشاعرك وجود لكني سأموت ندما، كيف لم أعرفك منذ عشرين عاما.

 

حدثني عن أشياء كثيرة وهو بجانبي أصنع القهوة حملها وسبقني إلي الصالة، أكملت ارتداء ملابسي لا أشعر بقدمي، لم أعاني في الوصول إلي جواره، أشعل لي سيجارة، حدثني عن أشياء كثيرة أعرف بعضها مثل انكسار الروح ومعارك الحياة والاختبارات القاسية الكثيرة التي يلقي الواقع بشباكها علينا ويصنف الناس داخل شباكه ما بين طاحن للآخر وبين مطحون، أوجعني كلامه، احتضنته أجذب رأسه إليّ، كتفي تصلني رائحة كرائحة الحناء، أسأل نفسي: هل آن أوان أن أنسى معه وبه ظمأ الايام الطويلة الماضية، ظلمها؟ وقسوتها؟ قال:

  • منذ فترة المراهقة لم أقل هذه الكلمة، أحبك، لم أكن أحس معنى الحب، أحس الآن بما فاتني ولا أدري أندم أم استبقي هذه اللحظات أتزود بها عونا على الأيام القادمة ، إن كانت هناك أيام أخرى أعيشها.

 

فجعت ماذا يعني لم أكد أبدي دهشتي حتى لمحها وطمأنني:

  • أنا لست مريض لكني أحس بشيء ينخر داخلي يستولي علي أي بهجة أو فرحة، أنت مثلا، مشاعرك الجميلة التي أفتقدها عمري السابق كله شيء يحول دائما بيني وبين الفرح ، يخبرني أني لن أستمر طويلا لابد أن شيئا غريبا سوف يحدث ، لا أدري لم أقول لك هذه الترهات، أنا آسف.

 

وضعت يدي على فمه وأخذته بين ذراعي ، قلت له :

  • أحبك مثل حبي لأن أكون أما.

قال بصوت موجوع:

  • أمس الأول كنت أدفن أمي يا سيدتي ولم أشأ أن أعكر صفوك لأني فعلا أحبك.

 

وبكى ما يدخره من دموع صامتة، أحتويه، يهزنا نشيجا ساخنا موجعا، لماذا يأتينا الفرح بشكل شبحي ممزوج بالألم ، يبكي بين يدي طفلا عبوسا في اللحظة التي طال انتظارنا لها للبوح الجميل؟ مثل لحظة المخاض والألم الذي يلف انتظار القادم المشرق الذي يعد بأشياء حبيبة ننتظرها بشوق؟ أمسك يدي قبلها قلت:

  • ألمح سهام الغزو تتجه ناحيتي رغم كل شيء. قال:
  • أنت تستحقين الدنيا كلها. قلت:
  • لا أريد سواك. صوتك يفعل بي فعل السحر ياسيدي. فما بال الحياة معك؟ قال:
  • جزء من روحي مسروق ولا أدري متي وكيف؟. هززت سبابتي نفيا :
  • داخلك يعج بالحياة، مجرد لمسك لي يزودنى بكل ما احتاجه من الدفء و أكثر، مرض آلام يصعب علي أمثالنا ما بالك بذهابها بعيدا إلى الأبد.

 

******

 

أقف خلف الستائر، أنظر في الساعة، أستغرب نفسي وأضحك، أكتشف فجأة حالة الهيام التي أعيشها، أهيم به شوقا وبموديل سيارته ولونها. يدق قلبي لرؤيتها، أنتظر الآن أن ألمح مقدم السيارة وهي تلف وتقف تماما أسفل شرفتي. يتأكد من تمام غلق الأبواب، يحمل رسوماته التخطيطية، سجائرة ومفاتيحه، ثم يرمي نظرة مبتسمة إلى نافذتي، أروح في دوار حلو يعدنى  بالكثير، لا تقوى ساقيّ على حملي، إذا جلست الآن أعتقد أن شيئا أيا كان لن يفلح في أن يجعلني أنهض ثانية، أسمع خطواته على السلم، أوقن أني قادرة على كتابة كل ما عرفه الناس كافة عن الاكتفاء وعن السعادة.

 

أوارب له الباب يدفعه بخفة، يوصده خلفه برقة، يعرف مكاني خلف الباب، يريح يديه من أشياءه، يلقي مفاتيحه وسجائره، يفتح ذراعيه، يشتبك جسدي معه في عراك صامت، يشق السقف، ويذهب إلى جهتين، أرى السماء والهواء نديّ ، تغرقني قبلاته، إنسانه يخبرني عن مدى الشوق، أفتح أبوابي وألقي مفاتيحي أنا الأخرى بطول ذراعي في الفضاء، لا حاجة لي بها معه بعد أن أنست روحي.

 

وكانت أم كلثوم تغني"صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن، نستني بيك آلامي ونسيت معاك، معاك الندم" .

اقراءه 

لمحسن النوبى

 

قصة رائحة الحناء  للكاتبة ناديه شكرى

وهنا نلاحظ التصاق العنوان مع مضمون النص وللحناء مدلول ثقافى وخاصة فى البيئة فنرى ان اول من استخدم الحناء الفراعة ونبات الحناء مرسوم على جدران المعابد وهى تستخدم فى الافراح وايضا تستخدم فى صعيد مصر للقبور الجديده للموتى ورشها على ارضية القبور اعتقادا بان منهم بحنية الارض للجسد  وهنا ترصد الكاتبة وترمز بها الى الحنان بين الحبيبين من بداية توجهها الى القاعة 14 فنرى البطله القت بمفهوم البيئة حينما تلقفها الحبيب بين احضانه وترسم الكاتبه ببراعه لحظة اللقاء بريشة الفنان وايضا بوعى المخرج حيث رصدت الكاتبه المشهد بصورة متحركه للمشهد تتخيل انت القارئ المشهد امامك وكانك فى صالة عرض سنمائى وقد امسكت الكاتبة بزمام الزمن بصوره مبهره وكتابة النص يوجد به كثيرا من الصور الشعرية ويظهر ذلك فى لحظه الفراق الذى على موعد حينما تركها وركب سيارته فتركها كأنها جثة هامده   حينما نظرت فى المرأه ورجعت للبيت في البيت ملأت حوض الحموم ورقدت فيه ولكن عادت للزمن ذاته وجففت نفسها وطرقات الباب والصوت والحنان واللهفه والشوق والتصق الصدران ودفع الحبيب بابها برفق لينام المتراس فى جوف معشوقه برفق وهى حاله العشق الكامل والحنان ليعود اسم الحناء ملتصق النص

0 تعليق