وانفرط عقد اللؤلؤ .... بشرى ابو شرار

0 تعليق 55 ارسل طباعة تبليغ

 

 

Sponsored Links


هي أنا , روحي المتعبة ....
هي أنا اللائذة إلى صمتي وعزلتي , ينبش في كياني رنين هاتف لا أحب أن يصل أذني , أبحث فيما تبقى مني , عن بقايا إبتسامة قد تكون عالقة في آخر ممرات قلبي التي تتسحب إليه العتمة , أغوص بين أتربة الأمكنة , أنفض عنها غبار الوقت , أبعثر حاجيات لم أحبها من قبل , لكني أحنو عليها بكف يدي وأمسح عنها تراب تراب ....
لا زال ثوبي الصوفي يلف جسدي المتعب , وعقد اللؤلؤ لا ينفك عن رقبتي , يرافقني ليلي وسهادي , وصبح يلاحق شمس نهاره , اليوم ما بين الركام والأتربة , شعرت بحبات اللؤلؤ تعلن الهذيان , هاربة مني , تستقر على أول خاصرتي , تودعني , تودع ثوبي الصوفي , تودع صقيع وقتي , ترحل عني وترحل آخر مواقيتي التي أعشقها من حبات لؤلوية .... 

                                      ***    ***

تعب , تعب , نأي وفقد , أبحث عن حروف الأبجدية , أجدها وقد أعلنت الغياب حيث أطراف وطن وطن ...
في المطار , ناولته بطاقتي , نظر إليّ , تغافله إبتسامة , يسألني :
_ لماذا !! لماذا !!!
يدق على الحاسوب , يدق على البطاقة ختم الدخول , يحوطني بضحكة من نور شمس لا يدركها مغيب ....
عدت حيث أطراف المدينة البعيدة , وحيرة لأكتب مسميات لم أصل إليها , أين كنت !!! وإلى أين اذهب !!!!....  أدرت المفتاح في عين الباب , شرع لي , مكان أعيش فيه منذ سنوات , هنا لا ردهات ممتدة ولا حواجز تسكنها العتمة , لحظة شرع الباب لي لفحتني نسمات دافئة , الكتب تسكن الرفوف , ورود مجففة تحتضنها مزهرية , أدخل حجرتي , حجرة ملابسي , ألقي كل ما بيدي , ألتقط قميص نومي , أضيىء نور لا يكف عن عناق وسادتي , أشد أغطيتي , أتلمس دفئا غاب عني طويلا , العصافير في الشرفة غارقة في سباتها , أنتشل من حقيبة يدي " عام على وفاة ريكاردوريس " " ساراماجو " أركنه بجوار سريري , هي لحظة وصول , ومنمنمات وطقوس هي لي , عالم لا يخذلني , يضج بسلامه وسكونه , أنهض لأقترب من زجاج نافذتي , أعود بخطواتي الواهنة إلى الوراء , لا أريد ان أرى الشارع , الناس , العربات , لا أريد أن أغادر هنا , لا أريد , ركنت إلى سكوني أيام وأيام , اليوم تحاملت على نفسي حيث عربتي التي إعتلتها الأتربة , أدير مفتاح العربة , يقترب مني وجه ذلك الرجل بملامح مشرقة , في يده مساحة صغيرة ووعاء ماء , يزيح التراب عن الزجاج , أكاده يزيح عن قلبي آلام وملح من حبات دمع تكلست على جوانبه , نهر الطريق يضمني , يلم ما تبعثر مني , أدخل إلى الحديقة في شرق المدينة , أترجل من سيارتي , تلفح وجهي نسمات باردة , ألتفت إلى جواري , زهرات الأقحوان تتراقص من حولي , أكادها تريد أن تنفلت من على أغصانها لتحتضني , تعانق الحب في قلبي , تزيح الحزن , الفقد , تجفف نبع الدمع لأراها حياة , لأراها حياة ....


                                    ***    ***

 

 

حين أمشي في شوارع مدينتي , تغيب عني ذكريات طفولتي , أتحسس بكف يدي  حجارتها وأسطورة صمودها , رجال ضحوا بحياتهم كي أبقى هنا في مدينتي , هي الحرب , أكادها إغتالت زمن الأبيض من روحي , هل لزمن البراءة أن يعود من جديد , الوجوه من حولي لأبناء وطن واحد , في مدينتي لا أخاف الموت لأني فيها , وهي جنتي , في مدينتي لن أعرف الحزن , ملك أنا على عرشها , في مدينتي الجميع أمهات لي , آباء وأخوة , هنا تذوب المسافات , هنا براعم محبة لا يجف عودها , في مدينتي " معلمتي " غرست لك سنديانة محبة , عزة وكرامة , في مدينتي لك بيت , هو بيت كل حر , لك فيها أرض تدقين بأقدامك عليها , حين تطلين ستجدين زهرة ياسمين , الياسمين رمز مدينتي . 

                                   ***    ***

 


وأنا على وهني يصلني رنين هاتفي , أسمع صوتها :
_ أنت يا جميلة الحرف وبهاءه , أقرأ حروفك , كم فرح قلبي لأجلك ولأجل ما سمعت عنك .
ألوذ إلى صمتي , تتحشرج أنفاسي , يطالعني شارع بيتي الذي لم أعد أراه كما شمس الأمس , تعود تسألني :
_ ما بك !!!!...
تسألني عني وأنا لازلت في محراب صمتي , قفل الهاتف , أستعيد شدوها وترنيمة فرحها التي أعادتني إلى حروفي الغائبة , ألملمها من فضاء الكون , أغزل منها معزوفتي الأثيرة وسؤال يصلني من جمال قلبها :
_ ما آخر قراءاتك ؟....
أدخل حجرتي , أنتشل من تحت وسادتي " صانع المرايا " " خوان مانويل روكا " صوتها أعادني من جديد , شجن يعانق ترنيمة حزينة , أقلب الأوراق وقلم رصاص أعلم به تحت السطور " اسمي لا أحد وأبي وأمي ورفاقي جميعهم ينادونني لا أحد "

                                     ***      ***


حروفي هناك على التلة البعيدة , تبكي على فراق من كانت تلملمها وتغزل منها عشقها الأبدي , حروفي هناك , من يعيدني إليها !!!... من !!!!


                              ***       ***

وقت جمعنا مجلسنا , يرنو لمجلسي وأريكتي التي أسكن إليها :
_ وكأني بك وقد جئت من أزمنة بعيدة , أكادك قادمة من عالم أفلام الكرتون , أراك هناك  في مقهى من آخر الحارة الضيقة , أنت ورفاق يسيرون على دربك , مقهى تلتصق أكوابه بطاولاته المتهالكة , أما أنا فحياتي هناك في مجتمع مخملي , أسعد بنفسي وأنا أتحامل وأتعب لأجاري طقوسه وتلتحم ذاتي بنسيج ذلك المجتمع .
الحديث يغادرنا , كلماته تتردد في عقلي وروحي , أنا من هناك , من ذلك الزمن , أركن إلى حارة منسية وأنا الغافية على ترنيمتي , أغزل منها أوتار روحي هناك حيث أناس يشبهونني 

                                  ***   ***

حزن يتسرب من حجرات قلبي , حشرجة دمعات تسكن تنهيدة من وجع , ونقش يسكن الجدار , هو لي ... هو لي ....

                             ***    ***


في عيني ذلك العصفور وقد تكسر عنه جدار بيضة كانت تهديه الدفء , وأم كسرت بمنقارها أضلاع سجنها , صفقت بريشها للريح , تركته قبل أن تتفتح براعم ريشه , أسكنته كف يدي , لففته بقطعة قماش قد تهديه دفئا غاب , صقيع الكون يغتاله , اليوم أفتح عيني كان يسكن بياضها , يصفق بجناحيه ترنيمة فرح وفي وجهه ضحكة من نور شمس غابت ....

 

0 تعليق