قصة .. الشرفة التي لا زالت مفتوحة على العالم .. بقلم / فاروق الحبالى

0 تعليق 128 ارسل طباعة تبليغ

قصة .. الشرفة التي لا زالت  مفتوحة على العالم .. بقلم / فاروق الحبالى

إلى روح الشهيد سليمان خاطر

 

Sponsored Links

 

 

 

 

 

 

صعد رغم الانتظار الطويل فوق الرصيف ، جلس في صمت داخل القطار الحربي المتجه إلى السويس ، لكنه سيعبر الجسر الآخر للقناة ، الأشياء الجامدة دبت فيها الروح فتحركت ، أسقط "الباريه" على وجهه وغاب ، الأصوات تدخله من كل اتجاه داخل عربة القطار ، وجه أمه التي فقدت بصرها في يوم الحزن العظيم يدخله :

ـ ما تغيبش عني يا سليمان .. من يوم أبوك ما مات مبقاش ليه في الدنيا غيرك .

انتفض جسده وأحس بأن المكان يضيق به ، يتنقل من شرفة إلى أخرى يتأمل الطيور التي تحط فوق أشجار الكافور في فناء المدرسة وتجمُع أبو قردان في شكل نصف دائرة ، أسراب كأنها النشيد الوطني في طابور الصباح ، الولد سليمان يتأملها حين يختلط لون الأشجار الأخضر بلون أبو قردان الأبيض ، القنابل على مدرسة بحر البقر ، يوم توحدت النيران بأشعة الشمس صرخ .

ـ منذ هذا اليوم لم تر أمي النور

وضع الباريه من فوق وجهه ؛ القطار يرمي خلفه المدن والقرى يتأمل الخلاء ، الطيور هاجرت وفي ظنها أن سليمان أشعل الشجر ، تتحسس أمه طريقها إلى الشرفة ، تنصت إلى الخلاء وتتحسس الصمت

ـ قلي يا سليمان .. هو أبو قردان مرجعش ؟

نظرة أبو قردان للوطن كانت حزينة ، أقسم أنه سيعود للخراب مرة أخرى ، يحوم حول الفناء في طابور طويل فيشم رائحة دخان الشجر

ـ باين عليه هجر البلد

عادت أمه تجلس بجوار باب المنزل ، بينما سليمان لا زال يقف في الشرفة يلمح عُصفور يفتش عن أطفاله في الخراب ، يضرب الأرض بجناحيه ويزعق في الخلاء ، صوت أمه يملأ فراغ المنزل

ـ باين العصفور ده عياله ماتوا زي عيال البلد ما ماتوا تحت الأنقاض .

تمر اللحظات وتتخطى بسمة أم سليمان

ـ أزيك يا خالة

ـ مين ؟

ـ بسمة

ـ سليمان جوه واقف قدام الشباك

بسمة تعرف طريقها إلى غرفة سليمان تزيح الباب وتدخل ، الصمت يحوط المكان ، كما أن الخراب حل على الفناء ، تحول بنظره إلى بسمة ومسح دموعه في طرف جلبابه .

ـ يعني معدناش هنروح المدرسة يا سليمان ؟

ـ أكيد هيكون فيه مدرسة تانية

اقتربت بسمة من سليمان ، أمسكت يده

ـ ما تيجي نلعب " استغماية "

أحست برعشة في جسده

ـ أنت بتترعش ليه كده .. أقفلَّك الشباك

ـ لا متقفليهوش .. تيجي نلعب عريس وعروسة علشان نجيب عيال بدل اللي ماتوا .

قفز سليمان وبسمة إلى الخلاء وجلست بسمة بجوار سليمان الذي بدأ في تصنيع أطفال من الطين .

ـ أنا العريس وانتي العروسة .. ودول ولادنا .. يلا نلف على بيوت البلد ندي كل دار ابن بدل اللي مات .

بكت بسمة وهي تودع سليمان قبل ترحيله ، مسح سليمان بإصبعه دموعها .

ـ في أول إجازة آخدها حنتجوز على طول .. بس خلي بالك من أمي .

القطار يشق طريقه إلى النهاية ، تأمل سليمان الخلاء من النافذة فلمح أبو قردان يغطي سماء البلدة ، يحط فوق الأشجار فيحرق الورق .

ها هنا سمع صوت الجندي يرتفع

ـ تنزلوا من القطر على الرصيف وتقفوا طابورين

عبروا الجسر الآخر للقناة ، الصباح يسقط على الرمال كأنه نمنمات زجاجية مبدورة فوق قطعة كبيرة من الذهب ، يقف سليمان فوق المرتفع الجبلي ، يتجول بسلاحه ، أصابعه اجتذبها الزناد حين وقع بصره عليهم ، لم يتردد في إطلاق النار 

س : 
ـ ………………………
ج :
ـ ليه مش بيحاكموا الطيارين اللي ضربوا المدرسة 

0 تعليق