الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

نانا .. قصة بقلم عبدالواحد محمد

معجزة الزمن .. وفاتنة كل عصر.. المنصورة.. بكل ماتحمله من تاريخ وعبق ينم عن
ابداعها. صوت شجي يطوف بك إلي عواصم ومدن ليعود بك من حيث أتيت إلي ست الحسن شجرة الدر ؟
استوقفتني لأستعيد تاريخي .. منحتني حرية التجوال بين ربوعها الخضراء .. ذات
صباح مشرق .. وجها لوجهه .. ودون ترتيب جلست علي مقهاي المفضل (الفراعنة ) في
مواجهة نهرها الممتد ... أرتشف من فنجان قهوتي المضبوط .. وكلي نشوة في استعادة
جزء مهم من ذكرياتي وتكويني ..
حبيبتي نانا .. التي سكنت أوصالي طفلا وشابا يافعاً بأنوثتها الطاغية .. ورقتها
المعهودة .. وفي أي طريق اتجهت .. لقد تركتها منذ عقد من الزمن مهاجراً .. وكانت
هي في السنة الأخيرة من دراستها الجامعية في كلية الآداب .. من المؤكد أنها
تزوجت وأنجبت ولداً وبنتاً علي أقل تقدير .. أما أنا فمازلت أبحث عما يملأ
فراغ قلبي الحائر ؟
ما إن فرغت من فنجان قهوتي ..حتي جاءني ماسح الأحذية ليضفي علي حذائي بريقاً
جديداً .. وبالرغم من عدم حاجتي إلي ذلك قبلت .. فمنحني ابتسامة أولاد البلد
.. وتركني استعيد حلم نانا ؟!
الذكريات تلو الذكريات .. قصائدها الشعرية التي كانت تشدو بها في منتدي الجامعة
... مجلة الحائط وحوارتها الصحفية مع محافظ المدينة.. فنانيها.. علمائها
.. مبدعيها من كل صوب وحدب .. حدوتة منصورية مائة في المائة .. تذكرت كم كان
عقلها كبيراً بالرغم من سنوات عمرها الصغير.. جرأتها.. ريادتها.. حميميتها لكل
من عرفها ..
قطع ذكرياتي ماسح الأحذية بقوله :
ـ اتفضل ياباشا. 
أخرجت من حافظة نقودي ورقة العشرة جنيهات ومنحته إياها .. وهو يدعو لي بالصحة
.. وفي عينيه سؤال :
هل تبحث عن شئ أدلك عليه ياباشا ؟
تجاهلت نظراته عن عمد .. أقبل علي صديق قديم بخطواته الرشيقة.. ونظارته الطبية
الكلاسيكية . والتي لا يزال محتفظا بها ..
تعانقنا :
المنصورة نورت.. غربة طويلة
تأملته في شوق، واحتضنته بعمق أكثر.. من.. صداقة لاتقدر بثمن.. تغير العالم
...وهو كما هو.. صداقته لا تقبل القسمة علي أثنين.. جلسنا نتبادل الحوار ..
وجاءت ذكري نانا.. بهت وجهه بمجرد أن ذكرت اسمها.. شعرت أنه قد أصابها مكروه ..
حاول أن يغير الحديث. فلم أتح له الفرصة.. عرفت بتفاصيل مأساتها.. المرض
اللعين الذي أودي بحياتها.. بعد زواج لم يدم عامين.. رحلت وتركت طفلين توأمين ؟
امتلأت عيناي بالدموع دون إرادة مني.. وحاول صديقي أن يبحث عن مخرج..
أذن المؤذن لصلاة الظهر.. فوجدها فرصة للصلاة والخروج من حوار حزين .. توضأنا
سويا.. وصلينا في جامع النصر المجاور للمقهي.. تجولنا في المدينة.. تجولت عيناي
تقرأ ما فيها من تغير جديد.. ناطحات عملاقة.. زحام كثيف.. ملامح لجيل مختلف
.. مازالت دار ( ابن لقمان ) موجودة ولكن المكتبة العتيقة اختفت من الوجود
.. ربما منحتنا المكتبة الجديدة بسمة بإطلاتها علي نهرها الخالد.. وصديقي يختلس
النظرات من وراء نظارته.. وهو يقرأ في وجهي قصيدة لم تكتمل برحيل نانا.

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى