شاعر من القرية .. قصة للكاتب موفق نادر

0 تعليق 170 ارسل طباعة تبليغ

ليس  سرّاً أنني منذ زمن بعيد أحاول أن أكتب قصة ذلك الطفل الذي لا يشبه كثيرين ممن نعرفهم من الأولاد الأشقياء ومحبّي اللعب والشغب والفوضى، وحتى بعض المجتهدين الذين ينالون صحائفهم المدرسية آخر كل عام وقد كتب عليها: نجح إلى الصف الخامس أو السادس..

ولكن الغريب أنني كلما أوشكت أن أنجح في رواية قصتي هربت ملامح ذلك الطفل العجيب فلا أعود قادراً على تذكّر شيء منها بوضوح وكما يجب لتأليف قصة جميلة يحبها الأولاد الكبار والصغار!

Sponsored Links

أما اليوم فأنا سعيد جداً، لأنني وجدت طفلي الحبيب، هكذا فجأة من غير أي مقدمات، فإذا الحلم يتحقق مثل تفتّح زهرة من زهور الربيع!

ومع أنني أدرك شوقكم ولهفتكم لتعرفوا هذا الولد المختلف سريعاً لكنني أخبركم أنني لن أصفه مثلما يفعل بعض رواة الحكايات فأقول مثلاً: "إنه طفل في نحو العاشرة، يتطاير شعره الأشقر النظيف كقصاصات من الذهب، كانت عيناه الواسعتان تحتلان مساحة كبيرة من وجهه.. كل هذا مهم أمّا الأهمّ فهو أنه ولد قليل الكلام جداً، جداً..! " هل يعجبكم هذا؟!

أما أنا فأكتفي الآن بوصفه بأنه ولد مختلف.. والسلام! ولكم أن تعرفوه من خلال تصرفاته في القصة ولكنني أحذّركم، يجب أن تمعنوا النظر جيداً لتحسنوا معرفته لأن كلماته دائماً تمتاز بالعمق والمعاني الكبيرة، وأعتقد أن بعضكم سينفر منه ويجده هادئاً أكثر مما يلزم وهؤلاء طبعاً هم الذين يزعجهم البقاء في مكان واحد أكثر من لحظات قليلة فيظلّون يتحركون ويثبون.

وسيبدو غريباً لكم أنني لم أختر له اسماً كبقية الأولاد في قصصي. وطبعاً هذا حق! والسبب أن كل الأسماء التي اقترحتها له لم أجدها مناسبة أبداً فهي لا تدل على شكله ولا على تصرفاته.. فحينما فكرت أن أسميه(خلدون) تذكرت ابن جيراننا الشقي الذي يحمل هذا الاسم وهو لا يتقن البقاء هادئاً أبداً بل تسلق الجدران وكل الأماكن العالية فيكون دائماً أول من يصل إلى السطوح ومعرّشات العنب وأعمدة الهاتف، رغم أنه سقط مراراً كثيرة ونزف دماً إلاّ أنه لم يكن يبكي أبداً، ويقال أنه عاد مرة إلى البيت فلم تعرفه أمه لأنه كان مطلياً بالكلس فبدا مثل شبح هارب من إحدى الحكايات القديمة!

وحينما همّت بأن تطرده بعصا طويلة صرخ:

أمي أنا خلدون! أنا ابنك!

فجمدت في مكانها بينما لسانها يهمس بغضب:

خلدون؟ أظنك تشبه القرد أكثر!

ومن يومها صار الناس جميعاً ينادونه: خلدون القرد، وهو لا يغضب بل يبتسم ببلاهة، ويعود إلى تسلق الجدران والأشجار، دارت في ذهني أسماء كثيرة أخرى لكن اسماً واحداً منها لم يعجبني لأطلقه على بطل قصتي هذه وفي النهاية قررت أن أترك الأمر لكم لتسموه بأي اسم ترونه مناسباً!

أما أنا فسأكتفي أن أناديه بالشاعر، فمن هنا تبدأ قصتي أي منذ أن كان هذا الولد صغيراً كإبهام تلميذ في الصف الأول لاحظ أهله تعلقه بالحكايات والقصص أكثر من كل رفاقه! وأولها تلك الحكايات التي تجري في الريف حيث الخراف والدجاج وأغاني الحصادين التي تملأ الفضاء نهاراً، فإذا خيّم الليل وامتلأت السماء بالنجوم مثل قلائد لامعة راح صرصار الحقل يطلق أنشودته عبر سهرات فصل الصيف والغريب أن هذا الولد لم يعرف القرية إلاّ في زيارات قصيرة حينما يرافق أهله لزيارة مريض أو للتهنئة بالمواليد الجدد وزواج الأقارب والأصدقاء.

ومع أنه ولد في المدينة أصلاً، في شقة صغيرة، ضيقة الغرف، لكنه دائماً أحب الفضاء الواسع والحقول الممتدة حتى الأفق، وشعر دائماً برغبة جامحة في الركض وسط هذه الحقول حافياً، ليمس الزرع والأعشاب الطرية وهي تلامس قدميه ببرودة منعشة.

كان الوقت في القرية ينتهي سريعاً كحلم سعيد، فكان لابدَّ لصاحبنا الشاعر أن يجعل هذا الحلم يمتدّ زمناً أطول وأخيراً وجد الحلّ.. فمنذ أن تعلّم القراءة راح يطالع بشغف شديد كل الكتب التي تتحدث عن الريف وأجوائه، قصصاً كانت أو قصائد وأغاني، وصار بمجّرد أن يلمح في واجهة إحدى المكتبات كتاباً يعجبه يضحّي بكل النقود التي جمعها ليرة فوق ليرة دفعة واحدة، حتى صار معروفاً عند أصحاب هذه المكتبات جميعاً!

نعم، لقد صار الكتاب صديقه الحميم فكان كلما وجد متسعاً في وقته راحت عيناه ترافقان السطور إلى عوالم الخيال الرائعة والمجهولة بكل ما فيها من غرابة ومتعة!

وبهذا فقد أصبح هذا الفتى ميّالاً إلى الهدوء والصمت، وفضّل دائماً أن يصغي أكثر مما يتحدث، ولم يكن ذلك لأنه لا يتقن الحديث، أبداً أبداً، ففي المرات القليلة التي كان يتكلم فيها ينصت الجميع إليه بدهشة وذهول، وهم يتساءلون:

من أين يأتي بكل هذا الكلام اللذيذ؟! إنه كلام حلو كالعسل يدخل القلب مباشرة، وتحس حينما تسمعه أن أسراباً من الفراشات الملونة والطيور الرقيقة تختبئ خلف تلك الكلمات سرعان ما تطير لتملأ الجو برفيف أجنحتها ونبضات قلوبها الدافئة!

ها لقد بدأتم تحسدونه على هذه الرقة والرهافة في حديثه وطباعه أليس كذلك، وتظنون أنه كان أسعد ولد في المدينة؟ لا، لا تتسرعوا في الحكم..

فكم من مرة شعر أن دموعه توشك أن تنهمر وهو يسمع بعض الأشقياء يسخرون من نحوله:

انظروا إليه، إن كتابه لا يفارقه أبداً! كتب؟ ما ستفيده كل هذه الكتب؟ مسكين أبوه!! بماذا يمكن أن ينفعه هذا الوليد النحيل؟!

تخيل لو أنه اضطر إلى أن يعمل حداداً أو نجاراً! ثم تنطلق الضحكات - حداد؟! إنه لن يقوى على حمل مطرقة صغيرة، وماذا لو سقطت على قدميه؟ حتماً ستهشمهما في لحظة!

كل هذا لم يكن سوى حسد أعمى لصاحبنا الهادئ المتّزن. وهم يرونه يعبر أمامهم بهيئة الحالمة ونظراته الذكية، ثم أضيف إلى سجّل المعلومات عنه خبر جديد يقول:

منذ مدة، نرى نافذته المزدحمة بالزهور والخضرة تظل مضاءة حتى ساعة متأخرة كل ليلة.

كم كان صديقنا الشاعر يحسّ المرارة والأسف حين يعامله بعض الناس بقسوة لا حاجة إليها، ممّا يجرح مشاعره كأن يدفعه بعض الأشقياء من زملاء الصف من كتفه ويأخذوا مكانه في الطابور الصباحي! ولم يكن يردّ على مثل تلك الحركات بعنف بل ينزاح جانباً ريثما يتأكد من انصراف أولئك المتحرّشين الذين كانوا يحسدونه دائماً على تقدّمه في الدراسة ولأنهم كسالى لا يتقنون شيئاً غير الفوضى وإثارة الضجيج، بينما هو يتقن كل ما يطلب المعلمون فإذا به ينال ثناءهم وهم يرّبتون على كتفه ويتمنّون له المستقبل العظيم على مسمع زملائه كلهم. ففي دروس الفنّ تفوز لوحته دائماً باستحسان المعلم فما إن يقع نظره عليها حتى يرفعها ليراها التلاميذ جميعاً وهو يقول:

انظروا يا أحبائي، هذا فنان ستسمعون عنه في المستقبل حتماً!

أما أكثر ما ملأ قلوب رفاقه في الصفّ بمشاعر الإعجاب هنا والحسد والغيرة هناك فهي موضوعات الإنشاء التي كان صاحبنا يبدعها، يكتبها ببساطة شديدة رغم أن ثلاثة أرباع التلاميذ كانوا يرهبون دروس التعبير ويحسبون لها ألف حساب!

بينما هو كان يحصي الدقائق منتظراً درسه المفضّل حيث يعتلي المنبر ويبدأ ينثر ذلك العالم البهيّ حوله!

كانت كلماته تدخل القلب فوراً لطراوتها وعذوبتها فتهضمها كل النفوس مثل الثمرات اليانعة الحلوة بينما رفاقه يرددون كلمات فارغة كرروها عشرات المرات على شكل حكايات باردة سخيفة لا روح فيها ولا حرارة، وكثيراً ما كان يلفت نظر المعلم إلى ضرورة اجتناب زملائه للتعبيرات الجوفاء كما كان يسميها.

وحتى هذا أثار غيرة بعض الرفاق فامتنع واحد من الأشقياء عن صعود منبر الصف لقراءة موضوعه أمام رفاقه وسماع نقدهم عليه وكانت حجته في ذلك حين هتف بصوت سمعه كل من في الصف:

"أعتقد أن لغة موضوعي لن تعجبكم، إنها جوفاء!" ثم ضحك! ولكن هذا التحدّي لم يؤثر في حزم صاحبنا الشاعر فصعد المنبر وراح صوته يتدفق بنبر معبّر كأنه ممثل على خشبة المسرح، فنسمع كلمات السحابة وهي تبوح للأرض العطشى برسالة البحر مطراً غزيراً منغّماً، ونرى الغروب وهو يلوّن بفرشاته السحرية قمم الجبال ويخبّئ في كهوف الأفق حزماً من نور الشمس الراحلة!

وما أرقّ تلك الأسرار التي باح بها مقعد الدراسة وهو يروي مذكراته منذ أن كان شجرة صفصاف على ضفة النهر إلى أن اكتملت سعادته بصحبة التلاميذ، يخبّئون في أدراجه كتبهم وأوراقهم وذكريات أجمل أيام المدرسة التي لولاها تفقد الحياة لذتها ومعناها وتصير جهلاً وفراغاً مملّين.

وتذكّر رفاق الصف بدهشةٍ تلك الحكايات الرائعة التي تخيّلوا سماعها عندما قرّبوا من آذانهم أصدافاً وقواقع كبيرة قذفتها الأمواج إلى الشاطئ، ويا لها من أنغام ساحرة انطلقت فجأة وكأنها رحلة مذهلة إلى أعماق المحيطات الكبرى!.

كل هذه الصفات جعلت المدرّسين جميعاً يمنحون هذا الفتى مكافأة أكثر من أي واحد من التلاميذ فسمحوا له بأن يتلو كل ما يكتبه من إنشاء ليكون مثلاً يقتدي به رفاقه الذين ما كان يلقى منهم سوى الخشونة فبعد كل موضوع يقرؤه عليهم كان الإعجاب المفرط يجعلهم في هرج ومرج مثل خلية نحل أُثيرت فجأة، فلا يهدؤون إلاّ بعد أن يكتب لأحدهم مقدّمة لموضوع في الإنشاء ويعدّل للآخر رسم شجرة أو يضبط حركة جناح طائر يرفرف فوق بيوت ريفية مال أحدها حتى بدا موشكاً على السقوط وبلمسة واحدة يعيد صاحبنا البيت إلى استقراره.

لم تكن الصورة قد اكتملت قبل ذلك اليوم العظيم! فمنذ الصباح دخل مدير المدرسة بنفسه إلى الصف وابتسامة كبيرة تملأ وجهه الوقور وقبل أن يأذن لنا بالجلوس هتف:

بكل الفخر أعلن لكم أن شاعراً قد ولد اليوم بينكم! فالتفت التلاميذ بحركة واحدة إلى الجهة التي يقف فيها صاحبنا بينما راح المدير يفرد صحيفة كانت مطوية بعناية وبدأ يقر قصيدة عن طيور لا ترحل عن أوطانها مهما جاعت أو عطشت، وعن طيور تطعم صغارها من دم صدرها حين لا تجد سواه طعاماً!

طيور ترفض أن تبني أعشاشها على السفح فلا تقبل سوى القمم مسكناً لها. قصيدة منغّمة ورقيقة تدافع التلاميذ عند انتهاء المدير من تلاوتها ليروا اسم رفيقهم مطبوعاً أسفلها، وقد سمّاها"طيور الوطن" وما هي إلاّ لحظة حتى رددت المدرسة الكبيرة صدى التصفيق الذي انطلق من غرفة الصف، حتى أن بعض التلاميذ شرع يهتف بحماسة وعفوية:

"يحيا الشاعر، تحيا طيور الوطن!"

منذ تلك الساعة صار"الشاعر" لقباً ثابتاً يسمعه أينما ذهب، في المدرسة والحارة وحتى أمام الفرن، نعم شاعر تنشر الصحف قصائده، وتكتب اسمه مطبوعاً بخطّ رسمي كما تكتب أسماء المشهورين من الزعماء والقادة.

أما أبوه العامل البسيط الطيّب فقد بادره أحد التلاميذ وقد رآه عائداً ذلك اليوم من عمله:

يا عم، هل عرفت؟

- ماذا يا بني؟!

- ابنك، لقد صار شاعراً!

- شاعر..؟ لا بأس! شكراً لأنك أخبرتني!

- ولكنك لم تندهش.. ألا يعجبك ذلك؟!

- بلى طبعاً، أنني أراه يوفر مصروفه القليل ويشتري به كتباً يقرؤها باهتمام، ويدوّن على أوراقه سطوراً كثيرة!

إنه يستمتع بذلك، ولكن قل لي يا بني، ألا يزال مثابراً على اجتهاده في المدرسة؟ هل يحبه رفاقه ومعلموه؟!

- جداً، جداً يا عمي، إنه يقرأ كل موضوعات التعبير التي يكتبها، ونحن نحبه، كلنا صرنا نحبه جداً، لقد قلت لك إنه شاعر، دعه يسمعك قصيدته التي سمّاها"طيور الوطن".

- طيور؟ نعم سأفعل شكراً لك يا بني.

- عفواً يا عمي.

لم تمرّ هذه الحادثة ببساطة أبداً بل كانت سبباً لانشغال المدرسة بكاملها وآخر ذلك أن الإدارة علقت للفتى صورة كبيرة ملوّنة في لوحة الشرف وإلى جانبها نشرت القصيدة، وأضاء عنوان مكتوب بخط جميل" شاعر بين الطيور"

وليست المدرسة وحدها التي احتفلت بهذا الشاعر الجديد، بل الحارة أيضاً، فصار كلما مرّ من أمام المحلات والبيوت سمع الناس يتهامسون ويشيرون إليه، ويسمع من كلماتهم:

"إنه شاعر! أتعرفون؟ إن الصحف تنشر قصائده.. حقيقة!" وكم كانت سعادته كبيرة! ومن يومها لم يعد يتعثر في سيره أو يسقط الأشياء التي يحملها فأحس أن حياته الرائعة قد بدأت الآن، فكافأ نفسه بالذهاب إلى قرية جده واستأذن والديه بأن يكون ذلك منذ أول يوم في العطلة الصيفية.

كان الحصاد قد بدأ، والقرية تبدو مثل خلية النحل.. فمنذ الفجر يبدأ اللغط، وتمتلئ الطرقات بالذاهبين إلى الحقول فهناك تنتظرهم أغمار السنابل الذهبية، يضمّونها إلى قلوبهم فيمتزج عرقهم بالتراب الغالي وتنطلق أغانيهم الريفية الرائعة لتملأ الفضاء بصداها العذب.

حتى الأطفال كانوا يجدون ما يفعلونه، فتراهم يتراكضون وسط الحقل، يلتقطون السنابل التي وقعت من أيدي الحصادين ويعيدونها إلى الأغمار، وكم كانوا يفرحون حين يجدون واحداً من الأعشاش المخبأة تحت الشجيرات، فيسرعون لمداعبة البيوض أو الفراخ التي تبدأ تفتح أفواهها الجائعة وقد ظنّت أن أمهاتها جاءت لتطعمها وبالفعل فقد كانت تلك العصافير ترفرف قريبة فوق رؤوس الأطفال ثم تنقضّ باتجاههم وكأنها تفهمهم أن هذه الأعشاش لها وحدها، فيفطن الأولاد إلى ذلك ويبتعدون عنها.

ما أشدّ فرح صديقنا بهذه اللحظات التي كان يعيشها في أحضان القرية! أياً كان الفصل، فهو يرى في كل فصل أشياءه الجميلة ولكثرة ولعه بهذا العالم الريفي الساحر كتب في دفتره:

"القرية قصيدة كتبتها الطبيعة الفاتنة، فمهما حاول المبدعون من الشعراء أن يقلّدوها فإنهم عاجزون لا محالة! وهكذا راحوا ينهلون من ينبوعها العذب ليتعلموا منها معنى براءة الحياة ورقّة الطفولة وسحرها!"

فابتسم له الأصدقاء وهتفوا: ليس شاعراً فحسب! بل يمكن أن يكون فيلسوفاً أيضاً.

ومن جهتي أيها الأحباء أعتقد أن قصتي عن هذا الولد الغريب قد انتهت فعلاً ولكن بقي أن أنهيها بشكل ترضون عنه. ولكم أرجو أن تشاركوني البحث عن خاتمة تناسب الأولاد الأذكياء أمثالكم من الصبيان والبنات. أما الكبار، فأبوح لكم بسرّ وهو أنني قلّما آبه بهم فهم مهما اقترحت عليهم من أفكار تصلح لاختتام قصة جميلة تراهم يقلبون شفاههم رافضين وكأنهم أصحاب معجزات..

وبما أن الأمر بقي بيننا فأنا أقترح الخاتمة التالية:

في إحدى الأمسيات اللطيفة يجلس صاحبنا مع دفتره الأنيق ليخطّ واحدة أخرى من يومياته، فتبدأ الأفكار تنهمر ندية كطراوة هذه الأمسية، وتروح الصور الرقيقة تزين السطور فتفوح في الغرفة الهادئة روائح الذكريات الطيبة حتى طالت الساعات.. وضمنّا الليل أنا وصديقي الشاعر، عندها سمعته يقول وهو يبتسم لي: لقد طالت سهرتنا، فهيا لننهِ عملنا فأختتم أنا مذكراتي وأنت قصتك قبل أن تصل أمي لتعاتبني على إطالة السهر..

وها أنا أسمع وقع خطواتها على الدرج..

ورأيته يلملم أوراقه سريعاً، يطفئ مصباحه، ومثل طيف ناعم يلوّح لي بيده الرقيقة ثم يندسّ في فراشه.

 

0 تعليق