الارشيف / ابداع

خبز المقهورين .. قصة للكاتبة / أنيسة عبود

Sponsored Links

قسم بأني لم أزعل.
ماذا لو تبادلنا الأمكنة والأزمنة؟
الروح تسير عارية، والجسد لايتوكأ على ذاكرة. إذن الأمور تجري ببساطة. بلا عقد. وبلا قيود. أعرف أني لم أقل شيئاً حتى الآن .أليست هذه مقدمة لقصة؟: فليفرح النقاد: لقد خالفتهم. لكن هذا ماحدث فعلاً. هذه المرّة لن أقسم بالمزارات، ولا بسنديانة جدي برهوم. صدقتم أم لم تصدقوا، الأمر ماعاد يهمني. أنا أحكي لنفسي. كل يوم أقصُّ الحكاية، أشذّبها، وأحياناً أزيد عليها لتأخذ الشكل المناسب. إنها قصتي وحدي وأحاول إرضاء نفسي فقط. فتنحّوا أيها النقاد.
***
عادة...
كنت أقرأ في المقبرة. أجل المقبرة: مكان هادئ، صفصاف على ضفة الماء الجاري، ريحان مبعثر، قبور مسيجة بأسلاك شائكة وأخرى ابتلعتها الأرض والعشب والزمن،
فخارات مكسورة فيها بقايا بخوّر كأنها بقايا أحلام محروقة. أمي تناديني: الغداء جاهز. يعني البرغل والبصل الأخضر. لا أهتم لصراخ أمي.
كنت منشغلة بإنجاز قصيدة مطولة أتحدث فيها عن جدتي التي ترقد في المقبرة منذ فترة وجيزة فقط.
جدتي تدعى مريم. لها شعر طويل، طويل، حتى قدميها. حين تستحم جدتي في النهر كانت ترخي بشعرها الطويل على جسدها فلا يراها الرجال الذين يختلقون الحجج كي ينزلوا إلى النهر ويلتهموا بعيونهم الأجساد العارية المسيجة بالماء والعتمة.
الصفصاف البرّي يشكل جداراً، لكنّ بعض ذوي النفوس الـ.. من رجال القرية كانوا يختبئون فيه. أسراب النساء تصعد إلى القرية. رائحة الصابون تفوح، وحبق مدهوس بين الأثداء، ضحكات ووشوشات، رجلٌ يخرج من بين الصفصاف، بسم الله الرحمن الرحيم، تصرخ جدتي، يذوب الرجل، تقسم بأنها رأت جنياً.
***
نعم.. كنت أقرأ في المقبرة.
لم يزعجني أحد، كان الوقت ربيعاً. الورق يتفتح عنيفاً على الضوء.
الروح شاسعة كعطر. برّية: وأنا أفترش المكان بعيني.
الريحانة التي على قبر جدتي كبرت فجأة، ارتفعت أغصانها، اسودت ثمارها الصغيرة، قطفت بعض الثمار، لم أستطع مضغها، حاولت أن أبلعها، عجزت، تشردقت، ونزلت الدموع، كدت أختنق فندهت "ياعجمي".
مايزال العجمي يقبع منذ طفولتي على الطريق الراحل إلى الجبال، عارياً يقف العجمي. عليه بقايا بخور وشرائط خضراء وكأس ألمنيوم. إنه مايزال ينتظر النساء المقهورات من عشاقهن. هنّ ينذرن الخبز الحاف، يضعنه في سلّة عتيقة معلقة في رقبة شجرة الزعرور، ويملأن جرّة الفخار بالماء بانتظار نساء مقهورات قادمات.
أياد كثيرة طافت بسلّة العجمي. تعبت السلّة وماانتهى القهر. ذات يوم راحت تصرخ بأعلى صوتها، فاهتزت شجرة الزعرور فزعاً. تساقطت أوراقها وثمارها الصفراء اللذيذة، وظلّت السلّة معلقة عند رأس العجمي.
***
أرجو ألا تضطروني لحلف الأيمان، هل رأيت أنا ذلك أم أني لم أرّ؟ المهم: هكذا قالت جدتي لأمي، وأمي قالت لي، وأنا أقول لكم. ها: أمامكم العجمي على بعد عدة كيلو مترات من القرية، إلى الشرق قليلاً، الشرق أكثر، حيث كان الخطيب يعلّم القرآن، وأنا أغرّب وأشرّق ثم أرتاح عند المقبرة حتى تناديني جدتي.
جدتي مريم. ألم أذكر لكم اسمها من قبل؟!
كانت جميلة جداً. حملها جدي من ريف صافيتا. في ليل عاصف، البحر مسكّر، والطرقات مقطوعة.
"جدك ككل الرجال، لايقبل بامرأة تعطيه نفسها فوراً.
يجب أن تكون شرسة. شرسة للغاية، أو أنها تدّعي الشراسة لتفسح له مجال اقتناصها. عند ذلك سيزيح "طربوشه باعتزاز" وسيفخر برجولته الفذّة."
"ولك يامريوما خطفتك من ألف رجل.. "
ومريوما تزداد بهاءً. لكن الذي كسر خاطر مريوما صديق جدّي. وقف أمامها وهو ينظر إليها وإلى جدتي: أهذه مريوما التي ناضلت من أجلها؟!
"قم.. اخرج من بيتي" هكذا قال جدي لصاحبه. "صبّي زوفا يامريوما.. ماببدلك بألف مرا..." لكن جدتي أقسمت بأنه أحبّ غيرها أكثر من واحدة بعد ذلك.
لا، أنا لم أكن قد تكورت في بطن أمي. أمي كانت ترفض الانجاب كي تظل ممشوقة ورقيقة. هكذا كان أبي يحبّ، وعندما حملت بي أخذت تدحرج الرحى على بطنها، وتصعد الأسطحة، تدحل الشوفان البرّي النابت، لكنّي قاومت. أتيت إلى الحياة رغماً عنها، فأعطتني اسم جدتي قبل أن تموت.
"مريم".
ينادونني فأرد، وترد جدتي. تمرضُ وأشفى أنا. تبكي مريوما فأضحك.
تنهرني بحزن فأهرب بعيداً وأختبئ وراء حائط التنور. وعندما تنام وأدرك أنها استغرقت في النوم، أصرخ بأعلى صوتي "مريم" فتفتح عينيها وتقول: ياعجمي تريحني، ثم تركلني بعصاها. فأدعي بأني أنادي نفسي لأمرّن صوتي على النداء من أجل احتفالات المدرسة.
تذرف جدتي دمعة وتصمت، أو تخرج عند الجيران حيث يرحبون بها وهي ترتاح لذكرياتها عندهم. وإذ تذكر اسم صافيتا، تهزّ رأسها وكأن صافيتا تبعد عنها آلاف القارات.
"كنّا في صافيتا نقطف التين! كنا نذهب إلى نبع "الغمقة" كنا. وكنا"
" أبداً... لم أنس ما أود قوله.. لكن" قل كلمتك وامشِ"
***
عندما سألني هشام بكل جرأة وتوسل: أيذهب خيالي معك إلى المنزل؟"
صمتّ لحظة، تذكرت وصية جدتي "الرجل يحب اقتناص المرأة التي ترفضه لذلك أكذبي"
"أنا أكذب ياجدتي؟ "
أنا بعد أن نلتُ شهادة كبيرة من الجامعة، ودرَّستُ مئة طالبة، وتلقيت مئات الرسائل والقصائد، سأخالف مريوما. قلت لهشام: لا. خيالك لايذهب معي. كنت صادقة، هو ظنّ بأني أتمنّع وأنا راضية. ظلّ هشام يطاردني لكني أحببت سامي. رأيته لأول مرّة في مطعم بحري. صوت الموج كان يدندن في دمي. نظرات سامي تنفرط على جسدي. عندما خرجنا من البوابة العالية للمطعم، همست له أن نلتقي. وعندما التقينا، شرحت له إعجابي، ثم حبّي، ثم فرّ هارباً باتجاه لبؤة يصطادها. لبوة شرسة كالتي حدثتني عنها جدتي. قلت له: فلتذهب أنت ولبوتك المصطنعة إلى الجحيم. العجمي يقصف عمره. خرجت بعد ذلك مقهورة، أحمل الخبز إلى العجمي. كان الخبز خبز أفرانٍ وليس خبز التنور المعجون بقهر النساء المحرومات، الملهوفات. بكيت أمام العجمي وقلت له: ياعجمي "موّت أمه وأباه، واجعل أشجار قريته أفاعي. ودجاجات خالته جرابيع. ياعجمي". ثم مسحت دموعي ونظرت إلى الخبز فرأيته يتطاير عالياً كقبرات. لماذا لم تقبل النذر ياعجمي؟!
غاضبة عدتُ. كان الطريق يمرّ بحقول الزيتون. تلفّت إلى الوراء بقهر وقلت: إسمع ياعجمي: جدتي ماتت. وأنا حفيدتها مريم. رفضت خبزي. أي رفضت شفائي من قهري. مع ذلك لن أرتدي ثوب لبوة حقيرة. سأقول مشاعري. وسأكون أنا. أنا . لماذا اللف والدوران والزيف؟! لماذا عليّ أن أصنع رجولة زائفة لمن أهوى؟! ليمت.. ليشعر بأنه ممسوخ وقزم. ماعلاقتي أنا؟ "
***
عند شجرة الصفصاف التي تنحني على قبر جدّتي جلسنا. تحدثنا في الأدب والعشق، ثم قطف لي باقة من شقائق النعمان. اقترب مني راغباً في أن يطوقني بذراعيه. ابتعدت. ارتعش جسدي. شعرت سياط الزيف تنهمر.. سمعت صوت العجمي. أجل لقد كذبت. كنت راغبة في وروده وذراعيه وهمسه. ولكن لا أعرف لماذا شعرت بالخوف من الموت الذي يهددني به العجمي إن أنا كذبت. هكذا كنت قد نذرت. وهكذا أجدني خائفة "ألا ترغبين بي؟"
لم أرد. نظرت إلى قبر جدتي. رأيت شجيرات "الريحان" تهتز. وكأن ريحاً عابثاً عصف بها، ثم سمعت صوتاً مدوّياً. ركضت أحتمي بشجرة الصفصاف، فرأيت صبية فاتنة تخرج بهدوء من القبر. دهشت من رؤية شعرها الطويل، الطويل، ومن أصابعها الطرية، شعرها الأسود يتدلى إلى كاحلها. تلمست شعري، قرّبته من عيني فإذا به أبيض كالثلج. أخرجت المرآة الصغيرة التي أحملها، رأيت وجهي ممتلئاً بغضون السنوات العجاف، أصابعي مكدودة، خطواتي ثقيلة. بكيت "ياعجمي" ناديته. سأحمل لك الخبز والماء. سأصنع أقراصاً بالسمن والعسل، ولكن...
بعد صمت.
بعد توجع روحي، لم أسمع إلا ضحكة جدتي. نفضتْ ثوبها من التراب واقتربت من الرجل. ألقت برأسها على صدره وراحت تغني. ناديت العجمي، ناديت القرية، كأن القرية بلا أبواب، بلا آذان. كأنها تلاشت واختفت "جدتي" اقتربتُ منها.. كان القبر فارغاً مفتوحاً أمسكت بثوبها، شددته، بقيت قطعة من الثوب في يدي. شعرت أصابعي تحترق. نظرت إلي بغضب. أشارت بيدها إلى القبر. ثم التصقت بالرجل مرة أخرى.
كان لابد من أن أنزل، أنزل بهدوء، أتلفتُ حولي، أفجّ الريحان، أهزّ الأغصان، أنتظر، لاأعرف ماذا. ناديت الرجل الذي أحببته "أنا أحبك يا.. أتسمعني؟"
ابتسمت جدتي. لقد خسرته ياصغيرتي. أنا صغيرتها؟!!
شعري أبيض وجسدي ليس جسدي.
كان الرجل يقتنص جدتي وأنا كنت أحاول الهروب. أبتعد، فيقترب القبر مني. يمدّ ذراعيه. يناديني هشام الذي أحبني، لكني أرفض، ماأزال لاأحبك ياهشام،
"دورك الآن. هيا، انزلي إلى القبر"
تأملت القرية النائية. الأشجار. ماء النهر الذي لايهدأ. ثم نزلت القبر دون حزن. دون اعتراض. أغمضت عيني وأنا أتمدد، أستلقي، أرخي يدي، أشعر ببرودة التراب. ناديت: جدتي، أغلقي عليّ القبر أرجوك. لم ترد، ناداني هشام. مدّ يده كي يخرجني. رفضت. تركني ومضى وأنا رحت أنتظر جدتي لكي تغطيني، أو تأخذ مكاني.

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى