الارشيف / ابداع

المعبد .. قصة للكاتبة / ثناء رستم

Sponsored Links

صعد الفجر الفضي من ظلمة الليل الكثيفة،‮ ‬وأفسح الطريق لأشعة الشمس الخجولة،‮ ‬لتستتر وراء خيوطه الهادئة،‮ ‬وتلقي بأشعتها الدافئة علي أعشاش العصافير الكامنة بين‮ ‬غصون شجر المانجو الذي‮ ‬يقف منتصباً،‮ ‬وكأنه موفد من الإله لحماية البشر من نزواتهم‮.‬
‮ ‬كانت خيوط الضوء الحالم تعرف طريقها الذي اعتادت عليه منذ آلاف السنين،‮ ‬وتتسلل من خصاص نافذة‮ ‬يوسف؛ الساكن الوحيد بدار المسنين‮..  ‬تلك الدار المنفصلة بمدخلها الخاص،‮ ‬والملحقة بالمعبد اليهودي‮ »‬‬فيتالي ماجارا‮» ‬بمصر الجديدة‮.‬
‮ ‬أيقظت‮ ‬يوسف أشعة الشمس الخجولة،‮ ‬حين انسلّت من بين ستائر الغرفة المحكمة،‮ ‬وتركت علي وجهه ظلال ضوئها الخافت،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يحتاج إلي أكثر من هذا،‮ ‬ليستيقظ علي دقات ساعته البيولوجية في السادسة صباحاً،‮ ‬وإيقاع حياته المنضبطة لأكثر من ثمانين عاماً‮.‬
برز نصفه الأعلي من أسفل الغطاء،‮ ‬واعتدل في فراشه متكئاً‮ ‬علي‮ ‬يديه،‮ ‬ومسد بيده اليسري شعره الأبيض الكثيف،‮ ‬ثم استلقي مرة أخري لدقائق،‮ ‬حتي‮ ‬ينفض عن جسده هذا الكسل اللذيذ،‮ ‬ويستجمع قواه،‮ ‬وتحين لحظة مغادرته للغرفة‮. ‬
‮ ‬لم تتغير عاداته في الاستيقاظ‮  ‬منذ كان طفلاً‮ ‬في السادسة‮ ‬يذهب إلي المدرسة،‮ ‬وفي صباه للجامعة،‮ ‬وفي شبابه لعمله في إحدي مدارس الراهبات المرموقة لتدريس اللغة الفرنسية،‮ ‬وكانت حياته تشبه حركة بندول ساعة سويسرية لا تعترف بالخطأ‮.‬
فرك‮ ‬يوسف عينيه،‮ ‬وانتفض جسده العجوز،‮ ‬باحثاً‮ ‬بقدميه عن‮ «المنتوفلي‮»‬ ‬الصوفي أسفل السرير‮. ‬وقف محاولاً‮ ‬الحفاظ علي توازنه،‮ ‬ومد‮ ‬يديه ليستند علي‮ «المشاية‮»‬ ‬المصنوعة من‮ «الأستانل ستيل‮»‬‬،‮ ‬ومشي‮  ‬بها عدة خطوات،‮ ‬وانحني قليلاً‮ ‬ملتقطاً‮ ‬روبه الحريري،‮ ‬وارتداه فوق بيجامته،‮ ‬واتجه إلي الحمام المجاور لغرفته،‮ ‬ليمضي فيه ساعة كاملة،‮ ‬كعادة‮ ‬يومية لم‮ ‬يغيرها طوال حياته‮.‬
‮ ‬بعد تطهره خرج ليؤدي صلاة الفجر‮ «شحريت‮»‬ ‬وبدأها بضم شال‮ «الطاليت‮»‬ ‬علي كتفيه،‮ ‬وتلا صلاته،‮ ‬ثم طوي الشال،‮ ‬ووضعه باحترام شديد علي الكرسي،‮ ‬وكان موقناً‮ ‬أنه الشيء الوحيد الذي سيرافقه من الدنيا إلي الآخرة‮. ‬
صوت خطوات المشاية المعدنية بإيقاعها المنتظم،‮ ‬أيقظ صالح خادم دار المسنين الوحيد،‮ ‬فنفض الغطاء من علي جسده ليسقطه علي الأرض،‮ ‬ونهض بسرعة كما اعتاد‮ ‬يومياً،‮ ‬خوفاً‮ ‬من أن‮ ‬يتأخر في إعداد طعام الإفطار لمسيو‮ ‬يوسف‮. ‬
كان صالح في الأربعين من عمره،‮ ‬وورث عمله من والده المتوفي قبل خمسة عشر عاماً،‮ ‬وكان بالدار رجل وامرأة‮ ‬يهوديان من كبار السن،‮ ‬وتولي صالح مسئولية خدمتهما وإطعامهما،‮ ‬وبعد وفاتهما،‮ ‬ظل‮ ‬يعتني بنظافة المكان،‮ ‬حتي حضر مسيو‮ ‬يوسف الرجل الهادئ الأنيق،‮ ‬الذي‮ ‬يقضي معظم وقته في القراءة وسماع الموسيقي‮.‬
‮ ‬أتقن صالح عمله جيداً،‮ ‬وكمسلم تقي،‮ ‬كان‮ ‬يحافظ علي أداء الصلوات في أوقاتها،‮ ‬ويعلم أن خدمة كبار السن لها ثواب كبير،‮ ‬والساكن اليهودي صاحب فضل عليه،‮ ‬محا أميته خلال عامه الأول في الدار،‮ ‬وبدوره كان‮ ‬يوسف‮ ‬يشعر بالراحة في التعامل مع خادمه،‮ ‬بل‮ ‬يحبه بشدة،‮ ‬ونادراً‮ ‬ما‮ ‬يشكو منه،‮ ‬لاسيما أنه‮ ‬يتقن إعداد‮ «الكوشير‮»‬ ‬الطعام الحلال حسب الشريعة اليهودية‮.‬
حِرصُ‮ ‬يوسف علي تناول لحوم الحيوانات والطيور مذبوحة علي‮ ‬يد‮ «ذابح‮»‬ ‬شرعي،‮ ‬حاصل علي شهادة تجيز له الذبح وتصفية دمائها تماماً،‮ ‬جعله‮ ‬يبتعد عن تناولها،‮ ‬لذا اقتصر طعامه علي تناول الأسماك‮  ‬بشروط طهي‮ ‬يعلمها صالح جيداً،‮ ‬فالجمبري والكابوريا والسبيط من المحرمات،‮ ‬ولم‮ ‬يخطئ ولو مرة واحدة،‮ ‬وأحضر له أسماكاً‮ ‬بلا حراشيف أو زعانف‮.‬
‮ ‬كان‮ ‬يوسف منبهرا بمعرفة صالح‮  ‬كل ما‮ ‬يتعلق بأمور طعامه،‮ ‬وأطرف ما كان‮ ‬يقوم به،‮ ‬غسل الأواني بالماء الساخن لتطهيرها،‮ ‬وتعريضها لأشعة الشمس،‮ ‬ليطمئن الساكن اليهودي أن طعامه حلال وحسب شريعته‮. ‬
توقف صالح عن عمله في المطبخ،‮ ‬وأصغي لحركة‮ ‬يوسف في الطابق الأعلي،‮ ‬وكان لديه موهبة التقاط أي صوت مهما كان خافتاً،‮ ‬وأدرك أنه انتهي من طقسه اليومي في الحمام،‮ ‬وفي أقل من دقيقة كان‮ ‬يقف أمامه،‮ ‬راسماً‮ ‬ابتسامة علي وجهه،‮ ‬وقال‮: ‬
ـ‮  ‬صباح الخير‮ ‬يا مسيو‮ ‬يوسف‮..‬
‮ ‬ابتسم‮ ‬يوسف لطريقته في نطق‮ «مسيو‮»‬ ‬بلهجة ريفية محببة‮:‬
ـ صباح الخير‮ ‬يا صالح‮ .. ‬جاهز؟
كان صالح‮ ‬يعرف مغزي كلمة‮  «جاهز‮»‬  ‬وبدء المهمة الشاقة لهبوط‮ ‬يوسف إلي الطابق الأرضي،‮ ‬ليتناول إفطاره علي المائدة المخصصة،‮ ‬فلم‮ ‬يكن‮ ‬يقبل أبداً‮ ‬أن‮ ‬يأكل في حجرة نومه،‮ ‬وظلت السلالم مشكلته الوحيدة،‮ ‬منذ قدومه لدار المسنين،‮ ‬وتعكر صفو إقامته المريحة،‮ ‬وحرية ممارسته لتعاليم دينه دون أن‮ ‬يشكل ضيقاً‮ ‬لأحد،‮ ‬أو عناءً‮ ‬في توفير متطلبات حياته،‮ ‬كيهودي متدين‮. ‬
حوي الطابق الأرضي‮ ‬غرفة لتناول الطعام،‮ ‬وصالة لاستقبال الزوار،‮ ‬وغرفة لإقامة صالح،‮ ‬وغرفتين صغيرتين للنوم بينهما حمام صغير،‮ ‬ولهذا السبب رفض‮ ‬يوسف الإقامة في واحدة منهما،‮ ‬فالغرفتان لا تتسعان لأغراضه الخاصة،‮ ‬والتي جلبها معه من شقته في شارع رمسيس بمصر الجديدة،‮ ‬بينما الطابق العلوي به خمس‮ ‬غرف للنوم وحمامان‮.‬
‮ ‬استقر‮ ‬يوسف في الغرفة الكبيرة بالطابق العلوي،‮ ‬والمجاورة للحمام الواسع،‮ ‬والذي أعاد ترميمه،‮ ‬ليتناسب مع حالته الصحية كرجل مسن،‮ ‬ومعاناته مع آلام مبرحة من التهاب المفاصل،‮ ‬وخشونة ركبتيه،‮ ‬كلما اضطر لهبوط درجات السلم الرخامي إلي الدور الأرضي‮.  ‬
تحول الاضطرار إلي ابتكار،‮ ‬وبين تحسر مسيو‮ ‬يوسف علي شبابه الذي مضي،‮ ‬وحاضره المليء بالألم،‮ ‬فكَّر في صنع حبل من القماش المجدول،‮ ‬وربط طرفه أول سور السلم من أعلي،‮ ‬ليتدلي منخفضا،‮ ‬وثبت طرفه الثاني في نهاية سور السلم،‮ ‬ليجلس هو في أعلي درجة،‮ ‬ويهبط زاحفاً‮ ‬معتمداً‮ ‬علي‮ ‬يديه حتي‮ ‬يصل لأسفل،‮ ‬وهناك‮ ‬يكون صالح‮  ‬بانتظاره،‮ ‬ليساعده علي النهوض،‮ ‬بشرط تنظيف الدرجات مرتين‮ ‬يومياً‮ ‬علي الأقل‮.‬
كان صالح لا‮ ‬يخفي ابتسامته،‮ ‬وهو‮ ‬يري مسيو‮ ‬يوسف‮ ‬يرتدي شبه عباءة خصصها للزحف علي السلم،‮ ‬خوفاً‮ ‬من اتساخ ثيابه،‮ ‬وظلت عملية صعوده تسبب له ألماً‮ ‬شديداً،‮ ‬وأحياناً‮ ‬يستند علي صالح،‮ ‬وأخري‮ ‬يزحف بالعكس صاعداً‮ ‬لأعلي‮.  ‬
استغل صالح عملية الهبوط في الثرثرة،‮ ‬وأن‮ ‬يقص علي‮ ‬يوسف‮  ‬كل ما شاهده في برامج التلفزيون،‮ ‬وحكايات سكان الشارع ومشاجراته‮ ‬مع باعة الخضر وارتفاع الأسعار،‮ ‬وكان بينهما اتفاق‮ ‬غير معلن،‮ ‬فصالح‮ ‬يتحدث ويوسف‮ ‬يستمع ولا‮ ‬يعلق،‮ ‬والاثنان‮ ‬يشعران بالرضا‮.‬
‮ ‬وغالبا‮ ‬يهبط‮ ‬يوسف مرة واحدة في اليوم،‮ ‬وبعد الإفطار‮ ‬يجلس في البهو علي مقعد أحضره من منزله،‮ ‬ووضعه أمام مائدة تزدان جوانبها برؤوس ملائكة من النحاس،‮ ‬وتحدق عيونها في الفراغ‮.‬
‮ ‬خصص مسيو‮ ‬يوسف فترة بعد الإفطار في قراءة صحف ومجلات عربية وفرنسية وإنجليزية،‮ ‬وحرص علي دفع اشتراكاتها بانتظام،‮ ‬لتصله في مواعيدها المخصصة،‮ ‬وقد اعتاد علي تصفح جريدة‮ ‬


الأهرام‮ ‬يومياً،‮ ‬والمرور بنظرة خاطفة علي صفحة الوفيات،‮ ‬وتتسارع دقات قلبه،‮ ‬كأنه سيطالع خبر نعيه وصورته‮. ‬
بعد تناوله الغداء‮ ‬يغفو قليلاً‮ ‬علي كرسيه المريح،‮ ‬ويستيقظ ليشاهد التليفزيون لبعض الوقت،‮ ‬ويتابع القنوات التي تعرض أفلاماً‮ ‬أجنبية،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما كان‮ ‬يسخر من الترجمة العربية التي لا علاقة لها بالحوار الحقيقي للفيلم‮.‬
‮ ‬قبل الغروب بقليل،‮ ‬يصعد إلي‮ ‬غرفته،‮ ‬ويتناول كوباً‮ ‬من النعناع الساخن،‮ ‬ويخصص فترة المساء لقراءة‮  ‬كتاب ما وسماع الموسيقي‮. ‬كانت عاداته ثابتة لا تتغير،‮ ‬عدا الأيام التي‮ ‬يزوره فيها شقيقه داود،‮ ‬ويشعر بسعادة كبيرة عندما ترافقه حفيدته مايا،‮ ‬ويستمتع بالحديث معها عن عملها كمتخصصة في الآثار الإسلامية‮. ‬
‮ ‬صارت‮ ‬غرفته ملاذه الآمن،‮ ‬وكلما نظر إلي قطع الأثاث المتناثرة في جنباتها،‮ ‬شعر أنه‮ ‬يقبض علي جزء من ماضيه،‮ ‬ويتنهد بارتياح في جلسته فوق مقعده المفضل،‮ ‬وبجواره مائدة بتوقيع‮ «جاليه‮»‬ ‬وفوقها صينية من الفضة،‮ ‬وحروفها مزينة بورود صغيرة،‮ ‬نحتها صائغ‮ ‬ماهر منذ سنوات طويلة،‮ ‬وفوق الصينية طقم شاي‮  «كريستوفل‮»‬ ‬قديم‮.‬
‮ ‬وفي الركن المجاور للنافذة،‮ ‬استقرت فوق منضدة صغيرة صينية فضية أخري،‮ ‬و"كاتيل‮" ‬وشاي‮ «إيرل جراي‮»‬ ‬ماركة‮ «أحمد تي‮»‬ ‬ومجموعة من علب الأعشاب الملطفة،‮ ‬ومن بينها النعناع مشروبه المفضل‮. ‬
كان الجدار المقابل للسرير تحتله مكتبة تمتد من الأرض إلي السقف،‮ ‬تتراص فيها الكتب مصنفة حسب موضوعاتها،‮ ‬وبقية الجدران تزينها‮ «بانوهات‮»‬ ‬تتوسطها لوحات زيتية موقعة بأسماء فنانين،‮ ‬ومن بينها لوحة رسمها له الفنان المصري الكبير صلاح طاهر‮.‬
‮ ‬كان‮ ‬يوسف دائم التأمل للوحة الفنان الشهير،‮ ‬ويستعيد لحظة وقوفه كشاب أرستقراطي‮ ‬يرتدي بدلة بيضاء أنيقة،‮ ‬ويستند بمرفقه علي مدفأة رخامية سوداء،‮ ‬ولم تكن اللوحة مجرد قطعة فنية تحمل جزءا من ذكرياته،‮ ‬ولكنها تخفي خلفها سره العميق‮. ‬
غطت الأرض سجادة أصفهان مزينة بالورود والعصافير،‮ ‬وبألوان مبهجة تشعره بالسعادة،‮ ‬وهو‮ ‬يتحسسها بقدميه،‮ ‬ويتلو صلاة الظهر‮ «منحة‮»‬ ‬قبل الغروب،‮ ‬وتسري الطمأنينة في نفسه،‮ ‬وأنه أدي واجبه تجاه ربه،‮ ‬ويتفرغ‮ ‬بعدها للقراءة وسماع الموسيقي،‮ ‬حتي‮ ‬يزحف الظلام ببطء،‮ ‬طارداً‮ ‬خيوط النور من الغرفة‮. ‬
بعد السابعة مساءً،‮ ‬يبدأ في مقاومة النعاس الذي‮ ‬يطبق عليه،‮ ‬مؤجلاً‮ ‬النوم إلي التاسعة،‮ ‬لينهي‮ ‬يومه بتلاوة صلاة المساء"عربيت‮" ‬ويعود إلي سريره،‮ ‬لتداهمه ذكريات قديمة زاحفة كالنمل علي عقله،‮ ‬ويشعر أنها ستكون حائلاً‮ ‬بينه وبين نوم عميق‮ ..  ‬فما كان‮ ‬يراه في الماضي عملاً‮ ‬يقربه إلي الله،‮ ‬ويرضي عنه نبيه موسي،‮ ‬أصبح الآن حملاً‮ ‬ثقيلاً‮ ‬علي ضميره‮ .. ‬كان‮ ‬يعرف أن شبح الموت سيباغته،‮ ‬ويخشي أن‮ ‬يقف أمام الله متهماً‮ ‬بالكذب والتزوير‮.‬
كانت اختياراته في الحياة تثير دهشة من حوله،‮ ‬فقد رفض أن‮ ‬يتزوج،‮ ‬وأن‮ ‬يغادر مصر،‮ ‬وأن‮ ‬يترك دينه،‮ ‬وأن‮ ‬يعترف بما‮ ‬يسمي إسرائيل،‮ ‬ورأي هذا الكيان نتاجاً‮ ‬لمقامرات رجال المال وتحالفهم المدنس مع الساسة ورجال الدين،‮ ‬وقيامها‮ ‬يعني في نظره فناء اليهود،‮ ‬وتجمعهم في‮ «جيتو‮»‬ ‬كبير‮.  ‬
كرس‮ ‬يوسف جل همه للدفاع عن اليهود كجزء من خلق الله،‮ ‬وليس من أجل السيطرة علي خلقه،‮ ‬وكل ما فعله في شبابه لم‮ ‬يكن إلا لحنقه الشديد علي كراهية العالم لهم،‮ ‬وإصراره علي عقابهم لما اقترفته مجموعة من المنتفعين في حق المسيح‮.‬
وكلما وجد مخطوطاً‮ ‬مزيفاً،‮ ‬قام بدفنه في أرض‮ ‬يعلم هو أن اليهود مروا بها،‮ ‬وعاشوا فيها وعمروها لسكانها الذين حقروا من شأنهم،‮ ‬ورفضوا الاعتراف بفضلهم علي العالم كله،‮ ‬ولم‮ ‬يصمدوا أمام دعوات طردهم،‮ ‬وظلت أوضاعهم تسوء في الدول الغربية،‮ ‬ومنذ سقوط الأندلس،‮ ‬وظهور محاكم التفتيش،‮ ‬لم تتوقف مقاصلهم،‮ ‬بل تحولت إلي محارق تلتهم أجسادهم في الأربعينيات،‮ ‬ولعنات تطاردهم في كل أرجاء أوروبا‮.  ‬
كان دفنه للمخطوطات المزيفة وآيات التوراة المحفورة علي جلود الغزلان،‮ ‬وأبواق الصلاة المصنوعة من قرون الحيوانات،‮ ‬حرباً‮ ‬يخوضها لإثبات حق تحالف الجميع علي طمسه،‮ ‬ومحو ذكراهم من الأرض التي عمروها في بابل بعد السبي،‮ ‬وفي فلسطين أرض العهد،‮ ‬وفي سيناء مهد الدعوة التي شهدت رمالها وجبالها علي تجلي وجه الله علي الأرض لنبيهم‮.‬
فكر‮ ‬يوسف،‮ ‬هل ما فعله حق وعدل؟‮ ‬
بعد قرون،‮ ‬ستظهر تلك المخطوطات التي دفنها منذ عشرات السنين،‮ ‬ولن‮ ‬يعرف أحد الدور الذي قام به،‮ ‬وستتصدر الكشوفات إثر الإعلان عنها أخبار العالم،‮ ‬وسيعرف الشرق والغرب أن اليهود لهم حق كبشر في بقاع الأرض كلها‮. ‬
‮ ‬كانت تلك تصوراته كيهودي متدين،‮ ‬وقت أن رسم خرائطه،‮ ‬وحمل آثاره ودفنها في بقاع لا‮ ‬يعرف أسرارها سواه‮.  ‬
أصداء بعيدة تناهت إلي الراقد في دار المسنين،‮ ‬وتتابعت المشاهد‮ ‬غائمة،‮ ‬كشريط سينمائي حافل بأحداث مثيرة،‮ ‬وتوقف عند مداهمة البوليس منزل الشاب اليهودي‮ ‬يوسف نسيم نقاش،‮ ‬قبل أن‮ ‬يسعفه الوقت لتسليم خرائطه إلي المنظمة التي‮ ‬ينتمي إليها،‮ ‬وقبض عليه في أعقاب الكشف عن عملية‮ «سوزانا‮»‬ ‬أو كما‮ ‬يعرفها الكثيرون‮  ‬باسم‮ « لافون‮»‬ ‬والتحفظ علي عدد كبير من شباب اليهود،‮ ‬ليس لتورطهم في العملية،‮ ‬ولكن كإجراء احترازي ضد من كانوا علي اتصال بمنظمات‮ ‬يهودية دينية وصهيونية‮. ‬
‮ ‬كان شهر ديسمبر من عام‮ ‬1954‮ ‬فارقاً‮ ‬في حياة‮ ‬يوسف،‮ ‬وعلي نحو مفاجئ تحول إلي سجين بلا تهمة واضحة،‮ ‬وأثناء توقيفه،‮ ‬تحري رجال الأمن عن تاريخه،‮ ‬واكتشفوا علاقته بالمنظمة الدينية زوها بويل ميزراخيس والمعروفة بنشاطها في مصر،‮ ‬ودفعها بشباب اليهود لزراعة أرض إسرائيل كجزء من إيمانهم بالتوراة‮. ‬
حاول كثيراً‮ ‬أن‮ ‬يدافع عن نفسه،‮ ‬وأنه كمصري‮ ‬يرفض مغادرة بلده،‮ ‬واجهوه بما فعله أعضاء شبكة‮ «سوزانا‮»‬ ‬وبأن‮ «موسي مرزوق‮»‬ ‬قرائي مثله،‮ ‬لكنه حرق وفجر،‮ ‬وكان‮ ‬يرغب في تدمير بلده ومعه عدد من اليهود‮.‬
‮ ‬ذكرهم هو بما جاء علي لسان زكريا محيي الدين وزير الداخلية في مؤتمر صحفي عقده بعد الإعلان عن القبض علي شبكة زسوزاناس بأن أغلب اليهود المصريين هم مواطنون مخلصون،‮ ‬شأنهم في ذلك شأن كل المصريين الآخرين،‮ ‬وأنهم اكتشفوا بأن المخابرات الإسرائيلية حاولت تجنيد بعض اليهود المصريين ولكنهم رفضوا‮. ‬
ذكروه بأن الوزير‮  ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف وقتها،‮ ‬أنه كان عضواً‮ ‬في منظمة صهيونية،‮ ‬وشرح لهم أنها‮  ‬كانت تمارس نشاطها في مصر بشكل شرعي ورسمي،‮ ‬وأنه حضر بعض جلساتهم لأنهم كانوا‮ ‬يفسرون التوراة ويشرحونها،‮ ‬ولم‮ ‬يعرف أن لها أغراضاً‮ ‬سياسية‮.‬
تدفق سيل الذكريات إلي عقله،‮ ‬وطرد النوم من عينيه،‮ ‬وتعجب من نفسه،‮ ‬فبعد مرور كل تلك السنوات،‮ ‬مازال‮ ‬يشعر بالألم‮ ‬يعتصر قلبه،‮ ‬وكأنه عاد إلي تلك الليلة البعيدة في الزنزانة المظلمة،‮ ‬ولحظة أن اخترقها الضوء لثوانٍ‮ ‬معدودة،‮ ‬تسلل نور العنبر إلي الزنزانة،‮ ‬وكانت تلك اللحظة كافيةً‮ ‬لإلقاء إيلي عازر بداخلها،‮ ‬وأن تنطبع في ذهن‮ ‬يوسف صورة الشاب ضئيل الحجم،‮ ‬الذي ألقي به السجان علي الأرض الحجرية،‮ ‬وسمع بوضوح‮  ‬صوت طقطقة عظامه‮. ‬
ساد صمت ثقيل قطعته تأوهات إيلي التي نفذت إلي قلب‮ ‬يوسف،‮ ‬لتزيل منه الخوف من الغريب الملقي بجواره،‮ ‬سأله عن نفسه،‮ ‬ولم تكن ملابسات توقيفه تختلف كثيراً،‮ ‬فهو شاب‮ ‬يهودي‮ ‬يعمل في بنك مصر،‮ ‬وألقي القبض عليه للاشتباه في تورطه بشبكة سوزانا‮. ‬
وأمام المحقق،‮ ‬بكي إيلي وصرخ بأنه مظلوم،‮ ‬ولاعلاقة له بالقضية‮.. ‬فهو‮ ‬يعلم الوجه القبيح للصهيونية التي تتلاعب بعواطف الشعب اليهودي،‮ ‬ولم‮ ‬يتصور‮ ‬يوماً‮ ‬أن‮ ‬يترك مصر،‮ ‬ويذهب إلي إسرائيل التي تحاول السيطرة علي عقول البسطاء،‮ ‬تحت شعارات رنانة،‮ ‬والتضحية بشباب اليهود من أجل مصالح الجنرالات،‮ ‬ورجال‮ ‬يتحكمون في ثروات العالم‮.  ‬
كانت عملية سوزانا مخططاً‮ ‬لها أن تبدأ،‮ ‬ثم‮ ‬يتم الكشف عنها عمداً،‮ ‬حتي تقتنع الحكومة البريطانية التي‮  ‬تخوض مفاوضات مع مصر،‮ ‬بشأن انسحاب حاميتها من قناة السويس،‮ ‬بأن مصر دولة متطرفة‮ ‬غير مستقرة،‮ ‬ولذلك‮ ‬يجب ألا‮ ‬يتم إجلاء القوات البريطانية‮.  ‬كان لدي‮ «إيلي‮»‬ ‬يقين بأن‮  ‬عملية سوزانا تم كشفها عمداً‮ ‬من عناصر في وزارة الدفاع الموالية لديفيد بن جوريون الذي احتفظ بتأثير هائل رغم تقاعده المؤقت من منصبه كرئيس للوزراء عام‮ ‬1954،‮ ‬وذلك بهدف إنهاء أي أمل في مفاوضات كانت مقترحة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي موشي شاريت،‮ ‬والرئيس المصري جمال عبدالناصر‮. ‬
كانت قناعات إيلي،‮ ‬التي دافع عنها أمام زميله في الزنزانة،‮ ‬لا تبدو أنها مجرد تحليل عقلاني للموقف،‮ ‬بل كان‮ ‬يتكلم بثقة من‮ ‬يمتلك معلومات لا‮ ‬يرغب في الإفصاح عن مصدرها‮.  ‬
عام كامل،‮ ‬قضاه‮ ‬يوسف مع‮  ‬إيلي في زنزانة جدرانها كالحة،‮ ‬وفقدت لونها الأصلي منذ سنوات طويلة،‮ ‬بعد أن‮ ‬غطتها كتابات حفرتها أظافر سجناء آخرين،‮  ‬ومنحت النزلاء الجدد أملاً‮ ‬بأن من سبقوهم قالوا كلمتهم وخرجوا إلي الحياة مرة أخري‮. ‬
بعد الإفراج عنهما،‮ ‬هاجر إيلي إلي فرنسا،‮ ‬وعاد‮ ‬يوسف إلي بيته،‮ ‬وأصدر علي نفسه حكما بعزلة اختيارية،‮ ‬والخروج الاضطراري لقضاء احتياجاته الضرورية،‮ ‬وأصبحت فكرة مغادرة المنزل تصيبه برهاب لا علاج له،‮ ‬وتسلمه إلي كوابيس متلاحقة،‮ ‬لينتفض فزعاً‮ ‬كأنهم‮ ‬يطرقون الباب بعنف‮. ‬

Sponsored Links

مضت عدة شهور،‮ ‬وآثار فترة سجنه عالقة في نفسه،‮ ‬وظل‮ ‬يلتقط أصوات المارة في الشارع،‮ ‬ودقات أقدام السائرين،‮ ‬خوفاً‮ ‬من مداهمة منزله والقبض عليه مرة أخري،‮ ‬وكان لديه وقتٌ‮ ‬كافٍ‮ ‬ليعيد النظر في حياته كلها،‮ ‬ويحاسب نفسه علي طريق حاول أن‮ ‬يتجنبه خوفاً‮ ‬من السقوط،‮ ‬فهوي في فجوات عميقة‮.  ‬
أدرك‮ ‬يوسف أن كل ما تصوره‮ ‬غير حقيقي،‮ ‬وأن أيام سجنه الطويلة،‮ ‬كانت فرصة لتأمل ما مضي من حياته،‮ ‬واكتشف أنه ليس إلا مزوراً‮ ‬بدرجة تقي،‮ ‬وحاول أن‮ ‬يستعيد أيامه وكتبه وموسيقاه ومدرسته التي قبلته بحذر شديد،‮ ‬وظل بها حتي وقعت الكارثة الكبري،‮ ‬وعربدت إسرائيل في سماء مصر عام‮ ‬1967‭.‬‮  ‬
‮ ‬خيمت أجواء النكسة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن أحد متفرغاً‮ ‬للنبش في ماضي المدرس اليهودي،‮ ‬وعندما انتبهوا إلي وجوده بينهم،‮ ‬قرروا إحالته للمعاش،‮ ‬وصار التقاعد عقاباً‮ ‬تقبله بسعادة،‮ ‬فلم‮ ‬يعد مضطراً‮ ‬للخروج من باب منزله‮. ‬بدأت الذكريات تخبو،‮ ‬ليحل مكانها نعاس أجبره علي‮  ‬توقف عقله،‮ ‬واستغراقه في نوم عميق،‮ ‬ورأي زأديراس ابنة شقيقه إبراهام،‮ ‬وهي تطالبه بصوت آمر وبلهجتها الحادة التي ورثتها عن شقيقه،‮ ‬بأن‮ ‬يعيد إليها الخرائط،‮ ‬لأنه لا‮ ‬يملكها بل هي ملك لإسرائيل‮. ‬
كان ظهور أديرا في أحلامه،‮ ‬كفيلاً‮ ‬بأن‮ ‬يجعل نومه متقطعاً،‮ ‬فقد هاجمته عدة مرات،‮ ‬ورأي‮  ‬نفسه‮ ‬يركض هاربا منها،‮ ‬ثم‮ ‬يسقط،‮ ‬لتنهشه وحوش فاغرة أفواهها،‮ ‬وتلفظه تحت أقدام أديرا‮ «التي تنحني عليه،‮ ‬وتهمس في أذنه‮: ‬أين الخرائط؟‮»‬ ‬وهو‮ ‬غير قادر علي النطق،‮ ‬فتدق الأرض بقدميها،‮ ‬ويبتلعه ظلام دامس،‮ ‬وتلاحقه أصداء سؤالها‮ «أين الخرائط؟‮»‬ ‬وصوتها‮ ‬يتماوج بالتهديد والفحيح والهمس،‮ ‬ويرتطم جسده بقاع بئر سحيقة‮. ‬
‮ ‬انتفض‮ ‬يوسف‮  ‬في فراشه،‮ ‬وأنفاسه لاهثة،‮ ‬والصداع‮ ‬يفتك برأسه،‮ ‬وجسده‮ ‬يرتعش من هول ما رأي،‮ ‬ولأول مرة في حياته‮ ‬يتأخر عن موعد استيقاظه نصف ساعة كاملة،‮ ‬لينهض متثاقلاً،‮ ‬وقدماه تعربد فيهما آلام مبرحة،‮ ‬والمشاية المعدنية تصدر ضجيجاً‮ ‬أعلي من المعتاد،‮ ‬والهواجس تصاحب الساكن اليهودي في طريقه إلي الحمام‮.  ‬
مارس طقوس‮ ‬يومه المعتادة،‮ ‬وعاد ليجلس فوق مقعده،‮ ‬وقد بدد الإرهاق رغبته في النزول إلي الطابق الأرضي،‮ ‬وأفقده شهيته في تناول الإفطار‮. ‬أغمض‮ ‬يوسف عينيه محاولاً‮ ‬طرد آلام رأسه،‮ ‬فكر كم هو عجوز بائس،‮ ‬ضاعت أيامه في سجنه الاختياري،‮ ‬وأسراره التي حولته إلي كومة من الآلام‮.  ‬انتبه‮ ‬يوسف لزقزقة العصافير التي أفاقت من‮ ‬غفوتها،‮ ‬وحفيف الأشجار،‮ ‬وضجيج الأطفال المنتظرين لسيارة المدرسة أمام العمارة المقابلة للدار‮..  ‬كان‮ ‬يحفظ كل صوت حتي حركة أغصان الشجر،‮ ‬وحفيف أوراقها حين‮ ‬يطوحها الهواء،‮ ‬وهمهمات العابرين،‮ ‬وظلت حاسة السمع لا تعترف بشيخوخته،‮ ‬وتآلفت مع أذنيه المرهفتين التي صقلتها أنغام الموسيقي الشرقية،‮ ‬وسيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وغيرهم‮.     ‬
فتح عينيه فجأة،‮ ‬بعد أن التقطت أذناه صوت حفيف‮ ‬غريب،‮ ‬كتم أنفاسه حتي‮ ‬يتحقق من‮  ‬الصوت،‮ ‬فلم‮ ‬يسمعه مرة أخري،‮ ‬وانتبه إلي ضجة قدمي صالح فوق السلم،‮ ‬وطرقات‮ ‬يده علي باب الغرفة،‮ ‬ويده الأخري تحمل الصحف والمجلات،‮ ‬وسأله الخادم‮: ‬
ـ مسيو‮ ‬يوسف هل أنت جاهز؟‮  ‬
ـ‮  ‬لا‮ ‬يا صالح‮ .. ‬أنا متعب‮.. ‬سأتناول هنا فنجان شاي وبسكويتا‮.. ‬
استأذنه صالح‮  ‬في الخروج لشراء بعض الطلبات،‮ ‬وأنه سيتأخر قليلاً،‮ ‬لذهابه إلي سوق السمك‮. ‬هز‮ ‬يوسف رأسه موافقاً،‮ ‬وترك الخادم الباب مفتوحاً‮.  ‬
‮•••‬
مر صالح من أمام المعبد،‮ ‬وألقي بالتحية علي طاقم الحراسة،‮ ‬وتوقف ليثرثر قليلاً‮ ‬مع أحد العاملين في الجمعية الاستهلاكية التي تحتل ناصية الشارع،‮ ‬وسار متوجهاً‮ ‬إلي ميدان الجامع قاصداً‮ ‬سوق السمك،‮ ‬واستغرق في اختيار الأصناف التي‮ ‬يحبها مسيو‮ ‬يوسف،‮ ‬ودخل في مساومات طويلة مع الباعة‮. ‬
‮•••‬
اقتربت الساعة من الثامنة صباحاً،‮ ‬وتلاشت الجلبة التي أثارتها حافلات المدارس،‮ ‬وساد الهدوء في المنطقة‮.  ‬
انتهي الرجل الفرنسي من ارتداء جوربه وقفازيه،‮ ‬وتجول في الشقة ليمحو أي أثر لبصماته،‮ ‬وفتح حقيبة السفر،‮ ‬وأخرج منها لفافة بلاستيكية سوداء،‮ ‬وسحب منها زياً‮ ‬للشرطة المصرية،‮ ‬وارتداه بسرعة فوق ثيابه،‮ ‬ووضع قدميه في حذائه الخفيف،‮ ‬وترك‮  ‬الحقيبة فارغة في أحد الأركان،‮ ‬بعد أن مسح بعناية مقبضها المعدني‮.‬
‮ ‬توجه ناحية نافذة‮ ‬غرفة النوم،‮ ‬وفتح منها فرجة صغيرة،‮ ‬وراقب من خلالها حركة الشارع ونوافذ العمارات المجاورة،‮ ‬وبدت ساحة دار المسنين علي مرمي بصره‮. ‬
‮ ‬مرت نصف ساعة علي وقوفه خلف النافذة،‮ ‬وظل متجمداً‮ ‬كتمثال رخامي،‮ ‬منتظراً‮ ‬خروج خادم الدار كعادته اليومية،‮ ‬وتتبع خطواته حتي‮  ‬اختفي عن عينيه،‮ ‬وبقفزة واحدة وقف علي إفريز النافذة المنخفض،‮ ‬ثم تبعها بقفزة سريعة فوق الغصن المنفرج لشجرة المانجو‮.‬
‮ ‬توقف للحظات بين الغصون،‮ ‬ثم انزلق هابطا بخفة الفهد لامساً‮ ‬الأرض بقدميه،‮ ‬وانطلق بسرعة خاطفة في الساحة،‮ ‬وتوقف أمام الباب الخشبي الداخلي،‮ ‬وأخرج من جيبه‮ «سويس نايف‮»‬ ‬والتقط منها أداة رفيعة‮ ‬غرسها في القفل القديم،‮ ‬فانفتح مُصدراً‮ ‬صوتاً‮ ‬خافتاً،‮ ‬وأغلق الباب خلفه بحذر شديد،‮ ‬وصعد درجات السلم قفزاً،‮ ‬ولمح باب‮ ‬غرفة‮ ‬يوسف مفتوحاً،‮ ‬لم‮ ‬يتمكن من رؤيته،‮  ‬والتصق بالجدار كاتماً‮ ‬أنفاسه،‮ ‬وانسل بخفة داخل الغرفة‮. ‬
ساد دار المسنين هدوء مألوف في مثل هذا الوقت؛ الذي‮ ‬يخرج فيه صالح من الدار،‮ ‬ويستغرق‮ ‬يوسف‮  ‬في قراءة الصحف‮.. ‬تلك المرة التقطت أذناه صوتاً‮ ‬غريباً،‮ ‬وضع الصحيفة جانباً،‮ ‬وظل منتبهاً‮ ‬حتي عثرت حاسته الرادارية علي أنفاس شخص آخر‮.‬
التفت‮ ‬يوسف‮  ‬بهدوء،‮ ‬ليقع بصره علي رجل‮ ‬يقف خلفه مباشرة،‮ ‬فانتفض في مقعده،‮ ‬وتسارعت دقات قلبه،‮ ‬وفرت الدماء من وجهه،‮ ‬والغريب‮ ‬يشير له بيده أن‮ ‬يهدأ،‮ ‬وتنبه‮ ‬يوسف إلي أن المقتحم لغرفته‮ ‬يرتدي زي الشرطة المصرية‮.‬
‮ ‬تفحص‮ ‬يوسف ملامح الواقف أمامه،‮ ‬وسري الرعب كمخدر في جسده الضعيف،‮ ‬ولم‮ ‬يعد‮ ‬يشعر بساقيه العاجزتين عن الحركة،‮ ‬وحاول أن‮ ‬يتكلم بلسانه الملتصق بحلقه،‮ ‬وحرك شفتيه دون أن‮ ‬يخرج صوتاً‮.‬
دار الغريب حول مقعد‮ ‬يوسف بخفة شديدة،‮ ‬وتحرك مثل فهد‮ ‬يدور حول فريسته،‮ ‬ويتأهب للانقضاض،‮ ‬وارتدي قفازاً‮ ‬متوجهاً‮ ‬ناحية النافذة،‮ ‬وأغلقها بهدوء محاذراً‮ ‬أن‮ ‬يلمحه أحد،‮ ‬وعاد ليقف أمام الشاخص إليه،‮ ‬وقد أصابه الخرس،‮ ‬وأخيرا نجح‮ ‬يوسف أن‮ ‬ينطق بكلمات متقطعة،‮ ‬وبصوت متحشرج سأل الغريب‮:‬
ـ‮  ‬من أنت وماذا تريد؟
أجابه الرجل بإنجليزية ركيكة‮:‬
ـ‮  ‬ليس مهماً‮ ‬أن تعرف من أنا‮ ..  ‬الأهم أن تعرف سبب زيارتي لك‮ ..‬
رمشت عينا‮ ‬يوسف الزرقاوان،‮ ‬وتفحص محدثه،‮ ‬وتأكد أنه‮ ‬يحمل ملامح أجنبية،‮ ‬ولهجة تفصح عن أن الإنجليزية ليست لغته الأصلية،‮ ‬وبصوت مرتجف أعاد عليه سؤاله‮:‬
ـ‮  ‬ماذا تريد؟
أجاب الغريب بصوت ناعم هادئ‮: ‬الخرائط‮ .. ‬
صمت قليلاً،‮ ‬وهو‮ ‬يتفرس ملامح‮ ‬يوسف متوقعاً‮ ‬تلك الدهشة التي طرأت عليها،‮ ‬ثم تابع‮: ‬
ـ‮  ‬سأحصل عليها بإرادتك أو بدونها‮ ..‬
‮ ‬راقب اتساع عيني‮ ‬يوسف،‮ ‬وارتجاف جسده كعشب‮ ‬يحاول أن‮ ‬يصد عاصفة عاتية،‮ ‬وأدرك اليهودي العجوز أنه لا مجال لإنكاره،‮ ‬ورد عليه بسرعةً‮: ‬
ـ‮  ‬لم تعد معي منذ دخولي السجن من ستين سنة‮..  ‬كانت في منزلي الذي فتشته أجهزة الأمن وقتها وبكل تأكيد مزقوها أو جمعوها مع كتبي وأوراقي التي صادروها‮..  ‬هم بالتأكيد لا‮ ‬يعرفون ما تعنيه هذه الخرائط‮..   ‬قال كلماته الأخيرة بلهجة شابها التوسل،‮ ‬دفعت الغريب لأن‮ ‬يزداد إصراراً‮ ‬وهو‮ ‬يواجهه‮:‬
ـ أنت كاذب‮  ‬ولا‮ ‬يمكن أن تترك أمراً‮ ‬بهذه الخطورة تحت أعين الغرباء‮.. ‬
بلع‮  ‬يوسف ما تبقي في حلقه اليابس،‮ ‬محاولاً‮ ‬أن‮ ‬يتمالك رباطة جأشه وقال‮:‬
ـ‮  ‬لم أكن حذراً‮  ‬بما فيه الكفاية‮.. ‬ولم أتوقع أن‮ ‬يقبضوا عليَّ‮..  ‬
بدا علي الغريب علامات نفاد الصبر وقال بصوت أجش‮:‬
ـ‮  ‬أنت الآن أضعت فرصتك في أن تموت علي فراشك كيهودي صالح‮ .. ‬التعليمات التي لدي أن أحصل علي هذه الخرائط‮.. ‬لا‮ ‬يهمني ما فيها وأنت أيضا لا تهمني‮.. ‬وإذا لم أحصل عليها سأتعقب من تبقي من عائلتك وسأقتلهم جميعاً‮..‬
في تلك اللحظة،‮ ‬انهار‮ ‬يوسف تماماً،‮ ‬وانخرط في بكاء زلزل جسده وأطرافه المرتعشة،‮ ‬وقال‮: ‬
‮ ‬ـ لم تعد لديَّ‮ ‬عائلة‮.. ‬أخي وعائلته مسلمون ولا‮ ‬يعلمون شيئاً‮.. ‬الخرائط‮  ‬اختفت من منزلي أثناء سجني‮ .. ‬
لم‮ ‬يتركه الغريب‮ ‬يكمل حديثه،‮ ‬وانقض عليه ممسكاً‮ ‬برقبته المتغضنة‮: ‬
ـ لا وقت عندي لأضيعه مع رجل خرف مثلك‮ .. ‬
خفف الغريب قبضته عن عنق‮ ‬يوسف،‮ ‬وتركه‮ ‬يرتعش ولسانه‮ ‬يتدلي من فمه،‮ ‬واستدار ليفتش الغرفة،‮ ‬وحاول‮ ‬يوسف أن‮ ‬يصيح طالباً‮ ‬النجدة،‮ ‬فخرج صوته كغثاء حمل وليد،‮ ‬فسارع الغريب بوضع قطعة من القماش سد بها فمه،‮ ‬وعاد ليفتش هنا وهناك،‮ ‬وبدقة متناهية‮ ‬يعيد كل شيء إلي مكانه‮.‬

استغرق تنقيبه في الغرفة نصف ساعة أو أكثر،‮ ‬ولم‮ ‬يعثر فيها علي الخرائط،‮ ‬وخلال بحثه‮ ‬ينزع قطعة القماش من فم‮ ‬يوسف،‮ ‬ويتركه للحظات‮ ‬يستنشق الهواء،‮ ‬ويعيدها مرة أخري،‮ ‬وحين نظر في ساعته،‮ ‬أدرك أن الوقت‮ ‬يمر بسرعة،‮ ‬فعاد إلي رهينته الذي كاد قلبه‮ ‬يتوقف من الخوف،‮ ‬وأمسك به،‮ ‬ورفعه في الهواء،‮ ‬وسار به خارج الغرفة،‮ ‬وتوقف بحمولته أعلي السلم،‮ ‬وتدلت رأس‮ ‬يوسف لأسفل،‮ ‬وقدماه تتأرجحان في الهواء،‮ ‬محاولاً‮ ‬بيأس لمس الأرض‮.  ‬
كرر الرجل طلبه مرة أخري‮:‬
ـ أين الخرائط‮ .. ‬انطق‮.. ‬
تلك المرة فشل في تلقي إجابة،‮ ‬ولم‮ ‬يصدر من‮ ‬يوسف سوي حشرجة تخللها تمتمة خافتة،‮ ‬فقد كان اليهودي العجوز‮ ‬يتلو دعاء الاستغفار الأخير‮.‬
رفعه القاتل في الهواء عالياً،‮ ‬وألقاه بقوة فوق السلالم،‮ ‬فتدحرج‮ ‬يوسف بسرعة لم‮ ‬يعتدها عند انحداره اليومي من الطابق العلوي،‮ ‬ودوي صوت الارتطام في أرجاء الدار،‮ ‬وانبثق خيط دماء رفيع من رأس‮ ‬يوسف،‮ ‬واختلج جسده المحتضر،‮ ‬واتسعت دائرة‮  ‬الدم لتملأ فراغ‮ ‬الأرض من حوله،‮ ‬حتي سكنت حركته تماماً‮.‬
‮ ‬بعد خمس دقائق،‮ ‬اقترب منه القاتل محاذراً‮ ‬أن تتلوث قدماه بالدماء،‮ ‬وجس عروق رقبته،‮ ‬وتأكد من موته،‮ ‬فتركه وصعد درجات السلم،‮ ‬ودخل إلي‮ ‬غرفة‮ ‬يوسف،‮ ‬وحمل المشاية المعدنية ووضعها علي بداية السلم‮.‬
‮ ‬ألقي القاتل نظرة‮ ‬غاضبة علي جثة القتيل،‮ ‬وخرج من الباب الداخلي للدار،‮ ‬وأغلقه بالقفل مرة أخري،‮ ‬وخلع قفازيه ووضعهما في جيبه،‮ ‬وبخطوات ثابتة اخترق الساحة حتي وصل إلي البوابة الخارجية،‮ ‬وهناك اطمأن علي هيئته،‮ ‬ووضع الكاب علي رأسه،‮ ‬وبخفة القط‮  ‬قفز إلي نهر الطريق،‮ ‬والتفت إلي موقع الرجال المكلفين بحراسة المعبد،‮ ‬ولكنهم لم‮ ‬ينتبهوا إليه،‮ ‬فقد كانوا منشغلين بالحديث وظهورهم ناحيته‮.‬
بخطوات سريعة انحرف بيترو بنيامين شاؤول،‮ ‬متوجهاً‮ ‬ناحية الشارع الرئيسي،‮ ‬وعبر الطريق إلي المركز التجاري في الجهة المقابلة،‮ ‬ودخل خافضاً‮ ‬رأسه،‮ ‬ليتجنب أن ترصد وجهه كاميرات المراقبة‮. ‬لم‮ ‬يكن هناك ما‮ ‬يثير الارتياب في هيئته،‮ ‬وبدا كضابط شرطة‮ ‬يغطي عينيه بنظارة‮  ‬شمسية ماركة‮ «ريبان‮»‬.  ‬
توجه بيترو بخطوات ثابتة ناحية التواليت،‮ ‬واختفي خلف أحد الأبواب،‮ ‬وأخرج من جيبه حقيبة بلاستيكية سوداء،‮ ‬وخلع ملابس الشرطة،‮ ‬وكان‮ ‬يرتدي تحتها بنطلونا جينز وقميصا أزرق،‮ ‬وأزال الشعر المستعار عن رأسه،‮ ‬فظهر شعره البني القصير،‮ ‬وبحركات مدربة نزع الأنف الصناعي،‮ ‬ووجنتي السلكون اللتين منحتا وجهه استدارة خفيفة،‮ ‬ووضع أدوات تنكره في الحقيبة‮.‬
‮ ‬التقط من جيبه أنبوباً‮ ‬رفيعاً،‮ ‬وضغطه ليبرز سائلاً‮ ‬شفافاً،‮ ‬ومسح به وجهه،‮ ‬وفركه لتعلق بيديه خيوط من لاصق التنكر،‮ ‬وخرج من الحمام،‮ ‬وتوجه إلي الحوض،‮ ‬وغسل وجهه بالماء،‮ ‬وتأمله في المرآة العريضة،‮ ‬وبدا كرجل وسيم في منتصف الثلاثينيات،‮ ‬وتتشابه ملامحه مع ملايين المصريين،‮ ‬وتأكد بنظرة فاحصة أن اللاصق اختفي تماماً‮.  ‬
غادر بيترو المركز التجاري حاملاً‮ ‬الحقيبة البلاستيكية،‮ ‬وتوجه ناحية روكسي سيراً‮ ‬علي الأقدام،‮ ‬واخترق الميدان عابراً‮ ‬شارع الخليفة المأمون،‮ ‬ثم توقف مشيراً‮ ‬إلي تاكسي،‮ ‬وطلب من السائق أن‮ ‬يتجه إلي أحد الفنادق الكبري علي النيل‮.  ‬
أشار إلي موظف الاستقبال بالتحية،‮ ‬واستقل المصعد إلي‮ ‬غرفته بالطابق الثامن،‮ ‬وأخرج من حقيبته مقصاً،‮ ‬وانهمك في تقطيع زي الشرطة إلي قطع رفيعة،‮ ‬وخلطها بوجهه المزيف،‮ ‬ومزق الباسبور الفرنسي إلي قصاصات متناهية الصغر،‮ ‬واطمأن أنه لم‮ ‬يسقط‮  ‬شيء علي باركيه الغرفة،‮ ‬وخلع ملابسه واتجه إلي الحمام،‮ ‬وأطلق المياه الساخنة علي جسده،‮ ‬وتهيأ للذهاب في جولة سياحية لزيارة الأهرام والمتحف المصري‮. ‬
حضر بيترو إلي مصر،‮ ‬كمندوب عن شركة إيطالية لاستطلاع حالة السوق،‮ ‬وافتتاح مصنع‮  ‬لتصنيع الدراجات الهوائية،‮ ‬وأجري العديد من اللقاءات مع المسئولين في هيئة الاستثمار والغرفة التجارية،‮ ‬وأبدي استعداده للتواجد فترة كافية لتخليص الإجراءات المطلوبة،‮ ‬وكتابة تقرير كامل لشركته‮. ‬
‮ ‬قبل مغادرته الفندق،‮ ‬أجري مكالمة هاتفية،‮ ‬وأبلغ‮ ‬محدثه أنه أنهي الجزء الثاني من المهمة الأولي،‮ ‬وينتظر التعليمات لتنفيذ المهمة الثانية‮. ‬أغلق تليفونه‮. ‬وضع الكيس داخل حقيبة‮ ‬يده الجلدية،‮ ‬وخرج منتوياً‮ ‬أن‮ ‬يقوم بتوزيع أدوات التنكر علي صناديق القمامة،‮ ‬وبعدها‮ ‬يستمتع بجولته كرجل أعمال إيطالي،‮ ‬وليس قاتلاً‮ ‬هو الأفضل في المافيا الإيطالية‮. ‬
‮•••‬
عاد صالح‮  ‬بعد أكثر من ساعة ونصفٍ،‮ ‬حاملاً‮ ‬أكياس الخضر والفاكهة وتشكيلة من الأسماك الطازجة‮. ‬دفع الباب الخارجي للدار بقدمه،‮ ‬واجتاز الساحة الخارجية،‮ ‬وساوره القلق أن‮ ‬يؤنبه مسيو‮ ‬يوسف لغيابه‮. ‬وضع مشترياته علي الأرض،‮ ‬وأخرج مفتاح الباب الداخلي‮. ‬لم‮ ‬ينتبه لخيط الدم الذي تسرب من أسفل الباب،‮ ‬ليستقر في بركة صغيرة تحت قدميه،‮ ‬وانحني ليحمل مشترياته،‮ ‬وانتصبت قامته لتقع عيناه علي‮  ‬يوسف الراقد أسفل السلم،‮ ‬وحوله بقعة كبيرة من الدماء،‮ ‬ألقي ما في‮ ‬يده،‮ ‬وهرع إلي‮ ‬يوسف متوقعاً‮ ‬سقوطه من أعلي،‮ ‬وظل‮ ‬يهذي‮ «مسيو‮ ‬يوسف‮.. ‬مسيو‮ ‬يوسف‮»‬ ‬ولم‮ ‬يجبه اليهودي العجوز‮. ‬
‮ ‬انطلق صالح ناحية العمارة المقابلة للدار،‮ ‬وهو‮ ‬ينادي علي جارهم الدكتور نديم،‮ ‬ويقفز في الشارع مثل قط علق في ذيله كرة من اللهب‮. ‬استرعي صراخه انتباه رجال الحراسة وأسرعوا إليه،‮ ‬فقال لهم‮: ‬
ـ‮  ‬مسيو‮ ‬يوسف وقع من علي السلم‮.. ‬
عاد صالح ومعه الدكتور نديم،‮ ‬وكان رجال الحراسة‮ ‬يقفون في مسرح الجريمة،‮ ‬وحياهم الدكتور تحية خاطفة،‮ ‬وانحني علي‮ ‬يوسف الملقي علي وجهه،‮ ‬وفحص نبضه،‮ ‬ثم نهض بسرعة معلنا وفاته‮.‬
طلب أحد رجال الحراسة من الدكتور نديم وصالح الابتعاد عن الجثة،‮ ‬وحذرهما من الخوض في الدماء،‮ ‬وأسرع بالإبلاغ‮ ‬عبر جهاز اللاسلكي‮. ‬
لم‮ ‬يستغرق وصول رجال المباحث أكثر من عشر دقائق،‮ ‬واستمعوا إلي شهادة الدكتور نديم،‮ ‬بينما صالح‮ ‬ينتفض من الخوف،‮ ‬وظل‮ ‬ينتحب حتي اقترب منه رئيس المباحث،‮ ‬وقال له‮: ‬
ـ اهدأ واشرح بالتفصيل الذي حدث‮.. ‬
‮ ‬أخبره صالح،‮ ‬كيف ذهب إلي السوق،‮ ‬وترك العجوز بصحة جيدة،‮ ‬ويجلس في‮ ‬غرفته بالطابق العلوي،‮ ‬وأنه بالتأكيد شعر بالملل لغيابه،‮ ‬وقرر النزول إلي الطابق الأرضي‮. ‬وأن داود شقيقه الوحيد،‮ ‬كان‮ ‬يزوره،‮ ‬وفي كل مرة‮ ‬يمنحه مبلغاً‮ ‬محترماً‮ ‬من المال،‮ ‬ويطالبه بالاهتمام بشقيقه ورعايته،‮ ‬واستشهد برجال الحراسة الذين رأوه وهو في طريقه للتسوق‮. ‬
أنصت رئيس المباحث إلي صالح باهتمام بالغ،‮ ‬وحين توقف عن الكلام،‮ ‬قال له بصوت هادئ‮: ‬
ـ‮  ‬هل تريد أن تقول شيئاً‮ ‬آخر؟‮ ‬
تلقي صالح السؤال كلكمة قوية علي رأسه،‮ ‬وأدرك أنه لو أخفي أي شيء‮ ‬يعرفه،‮ ‬سيتحول في لحظة من شاهد إلي متهم،‮ ‬فتلفت حوله،‮ ‬وتحاشي النظر إلي جثة‮ ‬يوسف،‮ ‬ورأي رجال الشرطة‮ ‬يعاينون مسرح الجريمة،‮ ‬وهنا نهره رئيس المباحث‮: ‬
ـ رد علي السؤال‮..    ‬
همس بصوت مرتجف‮: ‬
ـ آه‮ ..  ‬داود مسلم وابنته مسلمة وتوفيت منذ سنوات طويلة وابنتها رباها دواد وأصبحت دكتورة في الآثار‮..  ‬
تفحصه رئيس المباحث بتمعن شديد،‮ ‬مما جعل صالح‮ ‬يعود إلي البكاء،‮ ‬ويرتعد خوفاً‮ ‬من إدلائه بمعلومات أغضبته‮..  ‬سأله الضابط‮: ‬
ـ من أين عرفت أن شقيق‮  ‬يوسف‮  ‬مسلم؟
رد صالح‮  ‬بسرعة‮:‬
ـ‮  ‬من‮  ‬مسيو‮ ‬يوسف نفسه‮ .. ‬أحياناً‮ ‬كان‮ ‬يتحدث معي بعد تناوله الغداء وحكي لي عن حبه لمصر ورفضه أن‮ ‬يهاجر ويتركها كما فعل كثير من اليهود‮.. ‬ـ هل كان‮ ‬يتردد عليه أحد‮ ‬غير شقيقه ؟
ـ لا أحد سوي داود وأحياناً‮ ‬تأتي معه حفيدته الدكتورة مايا‮.. ‬ومنذ أن سكن مسيو‮ ‬يوسف في الدار من حوالي خمس سنوات زارته قريبته الخواجاية مرتين وكانت تتحدث معه بالفرنسية‮ .. ‬
اتجه رئيس المباحث إلي السلم،‮ ‬ونظر ناحية صالح ليتبعه،‮ ‬فصعد خلفه مهرولاً،‮ ‬وأخذ‮ ‬يثرثر عن عادات‮ ‬يوسف اليومية،‮ ‬وكان باب الغرفة مفتوحا،‮ ‬فدخل الضابط وجال بعينيه في أرجائها،‮ ‬وقال صالح‮: ‬
ـ‮  ‬كل شيء كما تركته قبل أن أذهب إلي السوق‮..  ‬
لم‮ ‬يعره الضابط أي اهتمام،‮ ‬وظل‮ ‬يفتش بعينيه،‮ ‬عله‮ ‬يكتشف آثار عنف أو مقاومة أو عبث بمقتنيات القتيل‮.. ‬
أردف صالح قائلا‮: ‬
ـ المرحوم كان‮ ‬يضع نقوده في علبة فضية داخل الدولاب‮..‬
‮ ‬أشار للضابط علي مكانها،‮ ‬فسأله‮: ‬
ـ وكيف عرفت؟
ـ أحيانا كان‮ ‬يطلب مني أن أحضر له بعض المال منها‮.. ‬
كانت العلبة الفضية في مكانها،‮ ‬واستخدم الضابط قلما لفتح‮ ‬غطائها،‮ ‬ونظر بداخلها فوجد كومة من الأوراق المالية،‮ ‬وبعد دقائق خرج من الغرفة،‮ ‬ومن خلفه صالح‮  ‬مهرولاً‮.‬
هبط الضابط درجات السلم،‮ ‬محاذراً‮ ‬أن‮ ‬يلمس شيئاً،‮ ‬وفي الطابق الأرضي،‮ ‬التفت ناحية صوت أقدام مسرعة تأتي من مدخل الدار،‮ ‬واستدار مرحبا بالقادم‮: ‬
ـ أهلا مروان بيه‮.. ‬

تبادلا التحية،‮ ‬وانتحيا ركناً‮ ‬تحدثا فيه بصوت خافت،‮ ‬وأشار أثناء ذلك إلي صالح الذي شعر بحرارة شديدة في مؤخرة عنقه،‮  ‬وتملكه التوجس تماماً،‮ ‬وأدرك بفطرته أن هناك أمراً‮ ‬ما‮ ‬غريبا لم تألفه عيناه،‮ ‬وكأن‮ ‬يوسف‮  ‬ترك له رسالة‮ ‬يرغب في أن‮ ‬يبلغها‮. ‬
‮ ‬انتحي صالح جانباً،‮ ‬وألقي جسده المتعب فوق مقعد بلا‮ ‬يدين،‮ ‬منتظراً‮ ‬تحديد مصيره،‮ ‬وانتبه إلي ضرورة الاتصال برئيسة الطائفة اليهودية،‮ ‬ورأي أنه من الأفضل أن‮ ‬يستأذن من رئيس المباحث‮ ‬،‮ ‬ففوجئ بالشخص الآخر‮ ‬يقول‮: ‬
ـ إنها في الطريق‮..  ‬
لم تمر سوي دقائق قليلة حتي ظهرت رئيسة الطائفة عند مدخل الباب،‮ ‬وانتفضت فزعة من رؤية الجثة المغطاة بقماش أبيض لطخته بقع الدماء،‮ ‬وتزايدت كثافتها عند رأس اليهودي القتيل‮.  ‬
أطلقت رئيسة الطائفة صرخة مكتومة،‮ ‬فكف الرجلان عن الحديث،‮ ‬وتوجها إليها،‮ ‬فتبادلت سلاماً‮ ‬ودياً‮ ‬مع مروان،‮ ‬يكشف عن سابق معرفة بينهما،‮ ‬وشرح لها ما حدث،‮ ‬فطلبت منه ضرورة إبلاغ‮ ‬شقيقه داود‮.  ‬

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى