أخبار عاجلة
ملعب المكس مرشح لاستضافة البطولة العربية -

خطية رابضة عند الباب‮ ‬ .. قصة للكاتب / هدرا جرجس

خطية رابضة عند الباب‮ ‬ .. قصة للكاتب / هدرا جرجس
خطية رابضة عند الباب‮ ‬ .. قصة للكاتب / هدرا جرجس
Sponsored Links

يوم الأحد‮. ‬وجدت تاسوني تريزا أباها في شقته مقتولاً،‮ ‬كانت تزوره كعادتها بعد القداس،‮ ‬إلا أنها لاحظت أن بابه العتيق هذه المرة كان موارباً،‮ ‬وأن اللوحة المواجهة للباب،‮ ‬وهي للقديس برسوم العريان،‮ ‬ليست في مكانها،‮ ‬وفور دخولها،‮ ‬رأت بعض الزجاج المحطم في كومة عند الباب،‮ ‬ورأت بقايا إطار اللوحة المذهب مُلقي في ركن الطرقة‮.‬
ظنت تريزا أن اللوحة قد سقطت،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يبدو طبيعياً،‮ ‬لكنها عندما اتجهت‮ ‬يساراً‮ ‬نحو الصالة،‮ ‬داست علي مزق من اللوحة المرسومة،‮ ‬يظهر فيه رأس الثعبان الرابض تحت قدمي القديس،‮ ‬فتراجعت خطوة واحدة إلي الوراء،‮ ‬ولفت علي عقبيها في نصف دائرة،‮ ‬لتكتشف الباقي من المزق المتناثرة،‮ ‬هنا وهناك،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني إذا كان تخمينها صحيحاً‮ ‬أن اللوحة قد انتزعت من مكانها عمداً،‮ ‬وأنه جري تمزيقها بعشوائية،‮ ‬ونثر مزقها كيفما اتفق،‮ ‬هكذا،‮ ‬بصورة سمحت للنسيم الداخل،‮ ‬من الشرفة التي تطل علي شارع السوق،‮ ‬أن‮ ‬يطيرها‮.‬
صاحت‮.. ‬
ـ بابا
وراحت تجمع أشلاء القديس في صورته من تحت مقاعد الطقم المذهب،‮ ‬البوفيه،‮ ‬الدولاب،‮ ‬والثلاجة،‮ ‬كانت تتحرك علي عقبيها كضفدع ضخم،‮ ‬وتتقدم ببطء نحو ما قادتها إليه الصورة حيث‮ ‬غرفة أبيها المطلة علي شارع السوق،‮ ‬وهناك وجدته،‮ ‬موضوعاً‮ ‬علي السرير،‮ ‬ضئيلاً‮ ‬جداً‮ ‬كطفل،‮ ‬يداه مربوطتان من الخلف،‮ ‬وفمه مكمم بمنديل عندما مالت لتحل عقدته،‮ ‬اندفعت زفرة ساخنة كانت محبوسة في الرئة الميتة‮:‬
‮- ‬بووووووووف
كأنها الروح خارجة تواً،‮ ‬متحررة من جسد‮ ‬يحارب للتمسك بها في عناد عظيم،‮ ‬أحست تريزا بالزفرة الحارة علي وجهها،‮ ‬بعد أن حلت عقدة المنديل،‮ ‬فظنت أنه حي،‮ ‬قفزت ناحية الشرفة صارخة‮:‬
‮- ‬ألحقوني‮ ‬يا ناس
‮•••‬
أبوها القتيل‮. ‬هو المعلم مسيحة،‮ ‬وهذا في حد ذاته،‮ ‬أمر‮ ‬يثير الدهشة،‮ ‬ويتجاوز حدود تصديق أهالي مدينتنا الصغيرة،‮ ‬كأنه من الأمور الميتافيزيقية الغامضة،‮ ‬كمثل فيل‮ ‬يطير،‮ ‬أو جمل‮ ‬يلعب الدومينو،‮ ‬فالرجل في القرن الثاني من عمره،‮ ‬وهي حقيقة أثبتتها ابنته تريزا في لحظة حماس من واقع الأوراق،‮ ‬إلا أن قسيس الكنيسة عاندها وقال إنه في التسعين،‮ ‬أو تجاوزها قليلاً،‮ ‬وعندما سُئل المعلم نفسه ذات مرة عن سنة ميلاده،‮ ‬ابتسم بهدوء،‮ ‬وبرقت عيناه،‮ ‬وراح‮ ‬يلوك طعاماً‮ ‬وهمياً‮ ‬بفمه الأدرد،‮ ‬ثم أخرج،‮ ‬من الجيب الداخلي لجاكت بدلته،‮ ‬صورة نادرة للزعيم سعد زغلول،‮ ‬يظهر فيها بالجلباب المنزلي،‮ ‬عرضها علي محدثه قليلاً،‮ ‬ثم قبلها قبل أن‮ ‬يطويها بحرص ويدسها في جيبه مرة أخري‮.‬
قال‮ ‬يومها بفرح‮..‬
ـ كنا نشرب السمن البلدي بالكوز
ولذلك عاش طويلاً‮ ‬بحسب منطقه‮..‬
‮- ‬مساكين‮.. ‬الناس في أيامكم هفتانة
هذا،‮ ‬الذي‮ ‬يفترض أنه سيعيش طويلاً،‮ ‬لأنه‮ ‬يحب زغلول باشا،‮ ‬أو لأنه كان‮ ‬يشرب السمن البلدي بالكوز،‮ ‬مات مقتولاً‮ ‬في‮ ‬يوم أحد علي عتبة باب شقته،‮ ‬مانحاً‮ ‬للمدينة الصغيرة قصة جديدة وشيقة للحكي،‮ ‬ستلوكها الألسن لسنوات‮. ‬
المعلم،‮ ‬كان قصيراً‮ ‬ونحيلاً‮ ‬فيما‮ ‬يبدو من الأصل،‮ ‬إلا أنه،‮ ‬ومنذ سنوات طويلة،‮ ‬أخذ‮ ‬يمعن في التضاؤل،‮ ‬تدريجياً،‮ ‬حتي صار في حجم طفل‮ ‬يوشك علي البلوغ،‮ ‬وتحول رأسه،‮ ‬الذي لا‮ ‬يخلع عنه الطربوش الأحمر أبداً،‮ ‬إلي ما‮ ‬يشبه ثمرة بطاطس جافة،‮ ‬ومنذ بضع سنوات،‮ ‬صار‮ ‬يمشي بظهر محني وركبتين مهتزتين،‮ ‬يجرجر قدميه ببطء،‮ ‬كأنهما عبء،‮ ‬وهو‮ ‬يترنح مستنداً‮ ‬علي عكازه بيد،‮ ‬وعلي ابنته أو حفيده أو فاعل خير باليد الأخري،‮ ‬لكنه حافظ علي بدلته الكاملة،‮ ‬قاتمة اللون،‮ ‬يلبسها صيفاً‮ ‬وشتاءً،‮ ‬حتي في شقته‮.‬
بهذه الصورة،‮ ‬كنا نراه،‮ ‬صغاراً‮ ‬ثم كباراً،‮ ‬كأنه ولد عليها،‮ ‬في سنة مجهولة،‮ ‬لا‮ ‬يعرفها أحد علي وجه التحديد‮.‬
2

الكل في المدينة الصغيرة‮ ‬يعرفونها،‮ ‬هذه البناية الحجرية العتيقة،‮ ‬لا‮ ‬يعلو جدرانها طلاء،‮ ‬لكنها جميلة،‮ ‬وبالأخص،‮ ‬وسط العمارات الأسمنتية السخيفة التي ظهرت حولها فجأة،‮ ‬هي في وسط المدينة،‮ ‬بالتحديد،‮ ‬في شارع السوق،‮ ‬وهي صغيرة،‮ ‬مجرد دكانين وشقتين في ثلاثة طوابق،‮ ‬في الأرضي سوبر ماركت‮ ‬يكتظ بالمعلبات والثلاجات،‮ ‬كان سرجة فيما مضي لبيع الزيوت،‮ ‬والآخر محل ملابس تحول عن دكان قديم لبيع العطارة كان مشهوراً‮ ‬بـ‮ "‬الوكالة‮".. ‬
أما الشقتان المتبقيتان فقد كان‮ ‬يسكنهما مؤسسا البناية الحجرية نفسها،‮ ‬أبو المعلم مسيحة في الطابق الثاني،‮ ‬والشيخ مهران في الطابق الثالث،‮ ‬وكلاهما قد شبع موتاً‮ ‬منذ عقود،‮ ‬فذهبت الشقة التي في الطابق الثاني حالياً‮ ‬إلي الولد مسيحة وأخوته بالوراثة،‮ ‬وذهبت الأخري التي في الثالث بعد عمليات بيع متكررة إلي تاجر أخشاب‮ ‬غريب عن المدينة‮ ‬يحب أن‮ ‬ينادوه بـ‮ "‬أبو السعد‮" ‬ربما لأنه لم‮ ‬ينجب إلا ولداً‮ ‬بديناً‮ ‬في الثانية عشرة من عمره ويحب الكلاب اسمه سعد‮.‬
وهو بالتحديد،‮ ‬أبو السعد،‮ ‬من اتهمته تريزا بقتل أبيها،‮ ‬عندما سألوها في التحقيقات،‮ ‬تحدثت عن تشككها في أفكاره المتطرفة،‮ ‬خاصة بعد عودته من السعودية،‮ ‬بجلباب أبيض قصير ولحية طويلة بلا شارب،‮ ‬وعندما طُلب منها التوضيح،‮ ‬ضربت بعض الأمثلة تذكرتها من مواقف قديمة،‮ ‬وقالت بصراحة‮ "‬هو لا‮ ‬يُحبنا‮" ‬ولفتت نظر وكيل النيابة إلي الطريقة التي جري بها تمزيق صورة القديس برسوم،‮ ‬وقالت إنها انتقامية وعدوانية وغير مفهومة،‮ ‬بالإضافة إلي أن الجريمة لم تستهدف السرقة،‮ ‬فجميع محتويات الشقة موجودة في أماكنها،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أن أصحاب الدكاكين في شارع السوق لم‮ ‬يرصدوا دخول‮ ‬غريب إلي البناية،‮ ‬أو حتي خروجه منها في الوقت المحدد لوقوع الجريمة،‮ ‬ثم وقعت علي أقوالها وانصرفت‮.‬
أبو السعد،‮ ‬من جانبه،‮ ‬أنكر الاتهام،‮ ‬ووصفه مدهوشاً‮ ‬بالخسيس،‮ ‬وعندما واجهه وكيل النيابة بأقوال تريزا،‮ ‬قال إن مسألة تأكيد الحب أو الكراهية،‮ ‬هذه،‮ ‬ضرب من شق الصدور،‮ ‬وعلي العموم،‮ ‬هي من المسائل التي لا‮ ‬يعاقب عليها القانون،‮ ‬ولو كان بإمكانه أن‮ ‬يقتل كل الذين لا‮ ‬يحبهم،‮ ‬سيقضي حتما علي نصف المدينة،‮ ‬ثم سأل‮: ‬ولماذا تظهر كراهيتي نحو شخص المعلم مسيحة تحديداً‮ ‬دون‮ ‬غيره؟ وهو الذي تجاوز المائة،‮ ‬لا حول له ولا قوة،‮ ‬وأيامه علي الأرض‮ ‬

Sponsored Links

طالت أم قصرت باتت معدودة‮. ‬وفيما‮ ‬يتعلق بالأفكار المتطرفة،‮ ‬قال‮ "‬أبو السعد‮" ‬إنه رجل ملتزم،‮ ‬مسلم حقيقي،‮ ‬يسلم الناس من لسانه ويده،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون قتالاً‮ ‬أو كذاباً،‮ ‬وإن كان هناك من‮ ‬يمكن وصفهم بـ‮ "‬أصحاب أفكار متطرفة‮" ‬فهم بلا شك المعلم مسيحة نفسه وعائلته،‮ ‬وقال لوكيل النيابة‮: ‬هل تعرف أنهم كانوا‮ ‬يرفضون التحدث بالعربية إلا اضطراراً‮..‬؟ ويتكلمون فيما بينهم لغة الكنائس‮ ‬غير المفهومة،‮ ‬تلك التي‮ ‬يسمونها القبطية‮.‬
وعندما سُئل عن مكان تواجده وقت وقوع الجريمة،‮ ‬قال إنه كان في البيت حتي الحادية عشرة،‮ ‬ثم نزل إلي عمله،‮ ‬ولم‮ ‬يكن هناك ما‮ ‬يدعو للريبة،‮ ‬إلا أمر واحد،‮ ‬حدث قبل نزوله إلي العمل بساعة أو نحوها،‮ ‬إذ سمع المعلم مسيحة من شباك المنور علي‮ ‬غير عادته‮ ‬يغني،‮ ‬مستخدماً‮ ‬تلك اللغة‮ ‬غير المفهومة وناقوساً،‮ ‬وهذا الموقف استمر دقائق،‮ ‬حتي تحشرج صوت المعلم وانحبس فجأة،‮ ‬وللحق،‮ ‬خفت عليه،‮ ‬قال أبو السعد،‮ ‬لافتاً‮ ‬إلي أنه لم‮ ‬يتخذ موقفاً‮ ‬حيال ذلك،‮ ‬حيث ظن أن المعلم كان‮ ‬يصلي‮. ‬
وقال أبو السعد‮: ‬رأيته آخر مرة قبل مقتله بأسبوع تقريباً،‮ ‬صدفة،‮ ‬عند مدخل شقته،‮ ‬كان‮ ‬يستلم بعض الحاجات التي طلبها من صبي السوبر ماركت،‮ ‬وكنت طالعاً‮ ‬إلي شقتي،‮ ‬سلمت عليه،‮ ‬فاستوقفني،‮ ‬وقال في حضور الصبي الذي كان‮ ‬ينتظر فلوسه إن كالون باب شقته‮ ‬يحتاج إلي تصليح،‮ ‬أو تغيير،‮ ‬فقلت دون اهتمام إنني لم أعد أشتغل نجاراً،‮ ‬ووعدته بأنني سأرسل عاملاً‮ ‬لتصليحه،‮ ‬إلا أن المشاغل أخذتني ونسيت،‮ ‬ويعلم الله كم ندمت علي إهمالي لطلبه بعد سماعي خبر مقتله،‮ ‬إن مساعدة من كان في مثل عمره بلا شك من الفروض‮. ‬
وأخيراً،‮ ‬وقع أبو السعد علي أقواله،‮ ‬لكنه لم‮ ‬ينصرف‮... ‬
3

في المساء‮. ‬امتلأت الكنيسة عن آخرها،‮ ‬وجاء الأسقف‮..‬
وقف قدام الجموع،‮ ‬بنفس مُرة،‮ ‬وفم معبأ بكلمات تأبين لا تهم أحدا،‮ ‬فموت رجل في القرن الثاني من عمره،‮ ‬من الأمور التي لا تدعو حقيقة إلي الرثاء،‮ ‬فالأحق أن‮ ‬يشفقوا علي حياته،‮ ‬لو طالت لأكثر من هذا،‮ ‬وإن كانوا مشغولين بموت الرجل،‮ ‬لدرجة امتلأت معها الكنيسة،‮ ‬فمن أجل الوقائع الغامضة،‮ ‬والشائعات،‮ ‬التي ارتبطت بالموت،‮ ‬وليس بسبب الموت نفسه‮.‬
وبالرغم من ذلك،‮ ‬كان لدي الأسقف ما‮ ‬يقوله في حق الراحل،‮ ‬فالمعلم مسيحة ليس مجرد مُرتل للألحان،‮ ‬أو معلم عادي،‮ ‬ككل المعلمين في باقي الكنائس،‮ ‬هو معلم حقيقي،‮ ‬معلم قديم،‮ ‬يندر أن‮ ‬يجود زماننا بواحد مثله،‮ ‬صوته ملائكي،‮ ‬وثقافته في علوم وتاريخ الكنيسة بلا حدود،‮ ‬يجيد اليونانية،‮ ‬قديمها وجديدها،‮ ‬ويعرف القبطية حق المعرفة،‮ ‬كلغة أم،‮ ‬قراءة وكتابة ومحادثة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن حافظاً‮ ‬للألحان القبطية مردداً‮ ‬لها بلا فهم أو دراية،‮ ‬إنما كان متحدثاً‮ ‬لبقاً‮ ‬للغة نفسها لغة مصر في العصرين الإغريقي والروماني حتي في منزله،‮ ‬مع زوجته وأولاده،‮ ‬وهذه حالة نادرة،‮ ‬والأندر منها،‮ ‬كما قال الأسقف،‮ ‬أن‮ ‬يعكف علي تعلم اليونانية،‮ ‬التي استعارت منها القبطية أغلب الحروف،‮ ‬فقط،‮ ‬من أجل أن‮ ‬يستخلص الروح المصرية في اللغة القبطية،‮ ‬وله في هذا الشأن كتاب‮ ‬غاية في الإمتاع والروعة،‮ ‬رصد فيه بدء تسليم الألحان منذ العهد الرسولي الأول،‮ ‬عصر وضع الليتورجيا وانسكاب المواهب الإلهية بلا حدود،‮ ‬وأظهر كيف حفظت الكنيسة كل هذا،‮ ‬طوال عشرين قرناً،‮ ‬بالتقليد،‮ ‬من فم إلي فم‮. ‬
وعند هذه اللحظة‮. ‬بدأت همهمة خافتة تسري بين الحضور،‮ ‬فكلمات العزاء بدأت في التحول إلي محاضرة،‮ ‬لا‮ ‬يفهمونها،‮ ‬في اللغة القبطية والألحان،‮ ‬مما دفع الأسقف لينقر الميكروفون بسبابته نقرتين‮..‬
ـ الهدوء‮.. ‬أرجوكم‮.. ‬الهدوء
وعندها‮. ‬انسابت نسمات ربيعية لطيفة إلي صحن الكنيسة،‮ ‬جعلت نيران الشموع تتراقص بهدوء،‮ ‬وحملت معها عبق البخور المختلط بروائح الأحذية المخلوعة إلي أنوف الحاضرين،‮ ‬فتصفح الأسقف الوجوه القريبة المحملة بالقلق في مقدمة الصفوف،‮ ‬واستأنف كلمات العزاء‮..‬
ـ أحبائي
قال‮..‬
ثم فكر قليلاً‮ ‬وهو‮ ‬يتفرس في الوجوه‮: ‬لماذا لم نعد نفهم بعضنا بعضاً‮ ‬علي هذا النحو؟ لماذا عطل الخوف كل امكانيات التواصل فيما بيننا؟ لم‮ ‬يكن‮ ‬ينتوي أن‮ ‬ينجرف إلي الحديث عما‮ ‬يريد منه الناس،‮ ‬التحقيقات تأخذ مجراها،‮ ‬وهو لا‮ ‬يهتم،‮ ‬في الواقع،‮ ‬بمثل هذه الأمور،‮ ‬للموت مهابة كبيرة،‮ ‬ومن أجل تبجيلها جاء اليوم،‮ ‬الموت هو لحظة ميلاد جديدة في حياة الإنسان،‮ ‬لكن في عالم أخر،‮ ‬ينسحب من هنا ليولد هناك،‮ ‬فماذا أعدوا لأرواحهم حتي‮ ‬يستعدوا لهذه اللحظة الرهيبة؟‮ ‬
صاح الأسقف‮.. ‬
ـ بالحب خلق الله العالم‮.. ‬وبالحب بذل‮ ‬يسوع روحه علي الصليب‮ ‬
وراح‮ ‬يُحدث الوجوه المتوترة قدامه عن‮.. ‬الموت‮ ‬
4

الموت‮. ‬هو المسألة الوحيدة التي لم‮ ‬يكن‮ ‬يفكر فيها المعلم،‮ ‬علي الإطلاق،‮ ‬إلا في هذا اليوم،‮ ‬يوم الأحد،‮ ‬حيث استيقظ من نومه،‮ ‬مبكراً‮ ‬كالعادة،‮ ‬وراح‮ ‬يفكر في هذا الزائر المجهول،‮ ‬وفي الطريقة التي سيفتح بها الباب فجأة عليه،‮ ‬وكان في روحه صوت‮ ‬يقول أنه قادم إليه اليوم،‮ ‬بل الآن تحديداً،‮ ‬وتخيله في صورة مُهيبة،‮ ‬لكنها ليست مُخيفة،‮ ‬طيف نوراني أزرق كالسماء،‮ ‬ملاك من نور بجناحين،‮ ‬يقف علي الباب ولا‮ ‬يقرع،‮ ‬بل‮ ‬يدفعه بقوة،‮ ‬ويدخل مقتحماً،‮ ‬فيما‮ ‬يشبه المداهمة‮..‬
هذا الزائر المجهول لايأتي بموعد مُسبق،‮ ‬فلا أحد في الحقيقة‮ ‬يعرف الوقت ولا الساعة،‮ ‬والمعلم‮ ‬يتذكر كيف حام حول بابه من قبل عشرات المرات،‮ ‬ومن‮ ‬يدري؟‮.. ‬لعله‮ ‬يقف الآن خارجاً‮ ‬ويتأهب،‮ ‬أمه أحصت في سنوات صباه وحدها العديد من الحكايات القديمة،‮ ‬كانت تقول‮: ‬جاء إلي بابي عشرات المرات ورحل،‮ ‬أفلت‮ ‬يا مسيحة من الغرق في الترعة ومن الطاعون،‮ ‬وداس علي ظهرك جمل هائج وعقرك كلب مسعور،‮ ‬سقطت من أعلي التبة واندلق علي صدرك ماء‮ ‬يغلي،‮ ‬والجوع‮.. ‬هل تعرف‮ ‬يا ولدي أن الجوع أحياناً‮ ‬وبعكس ما‮ ‬يقولون‮ ‬يكون قتالاً؟ كان الزائر‮ ‬ينوي أن‮ ‬يأخذك بكل اصرار إلي حيث‮ ‬يعيش إخوتك الذين سبقوك،‮ ‬فالزائر الذي فيما‮ ‬يبدو إنه قد نسيه الآن كان سخياً‮ ‬في زيارتها،‮ ‬وكان‮ ‬يأخذ في كل مرة جزءًا مباركاً‮ ‬من روحها،‮ ‬حتي تركني كخرقة بالية مرمية بجانب الطريق،‮ ‬قالت،‮ ‬وأشارت إلي مسيحة،‮ ‬أنت نفسك لست سوي ظل لأخيك الأخير،‮ ‬هذا الذي لم تسجله الأم في الأوراق كميت،‮ ‬حتي جئت أنت وأخذت اسمه وأوراقه،‮ ‬قالت،‮ ‬ثم سكتت حائرة برهة وراحت تفكر،‮ ‬عندما‮ ‬ينادي الله الأموات‮ ‬يوم القيامة،‮ ‬بأسمائهم أو أسماء أمهاتهم أو أسماء آبائهم،‮ ‬من سيخرج له؟ صاحب الثمانية أعوام؟ أم صاحب المائة؟‮ ‬
وربما لهذا السبب،‮ ‬الذي كان بلا شك‮ ‬يعرفه،‮ ‬تمسك القسيس بأن المعلم مسيحة في التسعين،‮ ‬معارضاً‮ ‬حماس تريزا التي أخرجت له الأوراق‮.‬
سواء في التسعين،‮ ‬أو تجاوز المائة،‮ ‬هو ليس مبسوطاً،‮ ‬ويفكر الآن كم كانت الحياة خدعة كبيرة،‮ ‬وأن الشيء الوحيد الجميل،‮ ‬الذي‮ ‬يمر في دنيته حالياً،‮ ‬هو طيف أمه القديسة حينما‮ ‬يتذكرها،‮ ‬لا مال ولا بنون ولا زوجة،‮ ‬لا نجاح ولا فشل،‮ ‬ولا أفكار صبيانية عن الخلود،‮ ‬الكل‮ ‬يتساوي في تلك اللحظة،‮ ‬الكل باطل وقبض الريح،‮ ‬ولا منفعة تحت الشمس‮. ‬
‮•••‬
في هذا اليوم دفعه الحنين الذي صار فعلاً‮ ‬شاقاً‮ ‬ككل شيء هو الآخر،‮ ‬إلي أن‮ ‬يُخرج الألبوم وكان قد أوشك علي نسيان مكانه من خزانة الملابس،‮ ‬كان‮ ‬ينتظر رؤية وجه أمه،‮ ‬بين عشرات الصور العتيقة،‮ ‬التي عانت تريزا في ترتيبها زمنياً،‮ ‬بالرغم من أنها لا تعرف أغلب من‮ ‬يظهرون فيها،‮ ‬صورة بعد صورة،‮ ‬ولم تظهر القديسة التي ماتت قبل أن‮ ‬يعرفوا الكاميرات،‮ ‬صورة بعد صورة،‮ ‬وراح‮ ‬يبكي متأثراً‮ ‬بحرقة،‮ ‬فغياب صورتها‮ ‬يعد بلا شك تقصيراً‮ ‬منه،‮ ‬ولام نفسه كثيراً‮ ‬علي نسيانها،‮ ‬لماذا لم‮ ‬يفكر في اصطحابها إلي بيومي المصوراتي الذي‮ ‬ينصب كاميرته الخشبية والستارة البيضاء قدامها أمام باب المحكمة؟ لماذا هو جاحد إلي هذا الحد؟‮ ‬
راح‮ ‬يبكي ندماً،‮ ‬وتخيلها أمه تمشي مترددة وخائفة إلي جواره،‮ ‬كأنها مُساقة إلي الذبح،‮ ‬بملاءتها اللف السوداء التي تغطي جرمها كله،‮ ‬ماسكة أطرافها بيدها وأسنانها،‮ ‬حتي لا تنزلق من علي بدنها وتقع علي الأرض،‮ ‬تخيلها تماماً،‮ ‬كأنه‮ ‬يراها،‮ ‬بكامل هيئتها ورائحة ثيابها،‮ ‬كانا في طريقهما إلي المصور البائس،‮ ‬الذي لم‮ ‬يكن قد ولد أصلاً‮ ‬حينما ماتت،‮ ‬كانت ترجوه طوال الطريق أن‮ ‬يوفر قروشه ولا‮ ‬يهدرها‮.. ‬
ـ ما لي وما للتصاوير‮ ‬يا وليدي؟‮.. ‬من كترة القروش‮ ‬يعني؟‮! ‬
هكذا سمعها تقول وهو لا‮ ‬يزال‮ ‬يبكي‮.. ‬
ثم‮.. ‬اختلطت الأوهام في ذهنه كالعادة بالحقائق‮.‬
فما هي إلا دقائق،‮ ‬إلا وكان مصدقاً‮ ‬تماماً‮ ‬للمشهد الذي صاغه بمهارة في خياله،‮ ‬لدرجة إنه قطع بكاءه فجأة وبدأ‮ ‬يتشكك،‮ ‬ماذا لو كان قد صورها فعلاً؟ وأن تريزا بخبث اخفت صورها عندما رتبت الألبوم؟ وعندها انطلقت نيران الغضب إلي نافوخه،‮ ‬لتشتعل في تريزا،‮ ‬وفي أمها،‮ ‬زوجته المسكينة،‮ ‬التي ماتت منذ خمسين عاماً‮.‬
ـ حتي الصورة أخدوها‮.. ‬آه‮ ‬يا أمااا
في سنواته الأخيرة‮. ‬صار‮ ‬يبكي كثيراً،‮ ‬كالأطفال،‮ ‬علي كل شيء،‮ ‬وأحياناً،‮ ‬علي لا شيء،‮ ‬وأضاف إلي الدموع في بكائه تغضناً‮ ‬شديداً‮ ‬علي خريطة الوجه،‮ ‬ونهنهة مؤثرة تفتك بالقلوب،‮ ‬وشهيقاً‮ ‬متقطعاً‮ ‬يوحي بأزمة في التنفس‮..‬
‮•••‬
أخيراً‮ ‬كف المعلم عن البكاء،‮ ‬وابتسم،‮ ‬ثم انقلبت ابتسامته لضحكة قصيرة،‮ ‬حينما وجد ناقوسه القديم،‮ ‬الذي بإمكانه أن‮ ‬يجعله فرحاً،‮ ‬كان مخبأً‮ ‬بين الملابس بجوار الألبوم،‮ ‬سحبه برفق وتحسس سطحه المصنوع من النحاس الأحمر،‮ ‬منذ متي لم‮ ‬يمسكه؟ هو‮ ‬يتذكر جيداً‮ ‬متي أشتراه كتذكار في زيارته إلي القدس،‮ ‬منذ ستين سنة أو‮ ‬يزيد،‮ ‬لا أحد‮ ‬يصنعه الآن من النحاس الأحمر،‮ ‬يسترخصون،‮ ‬ويستوردونه بخامات رديئة من الصين،‮ ‬هذا‮ ‬يختلف،‮ ‬ليس في خامته فقط،‮ ‬إنما في أشياء أخري لا‮ ‬يقدر علي وصفها بالضبط‮.‬
هذا ليس مجرد ناقوس مخصص لصلوات الكنائس من النحاس الأحمر،‮ ‬إنما آلة عجائبية،‮ ‬ترقص الآن بين‮ ‬يديه علي لحن‮ "‬إبؤورو‮" ‬المبهج،‮ ‬بامكانها أيضاً،‮ ‬الآلة العجيبة،‮ ‬التي راحت تتمايل وتتراقص بين‮ ‬يدي المعلم،‮ ‬أن تطلق موجات سحرية من سطحها الأملس،‮ ‬لتتجمع بواسطتها الذكريات في بؤرة واحدة،‮ ‬قبل أن تتسرب بالتدريج في صورة مركزة إلي حيز الذاكرة‮.‬
هذه الأمور بعيدة جداً،‮ ‬لكنه‮ ‬يتذكرها اليوم بوضوح،‮ ‬فها هو معلمه الضرير الحاصل علي البكوية لجهوده في تعريب القداس ميخائيل بك البتانوني قد جاء،‮ ‬ويتراءي الآن قدامه،‮ ‬ببدلته وطربوشه وانحناءة ظهره،‮ ‬وبوسع مسيحة أن‮ ‬يسمع صوته الباكي،‮ ‬قوياً‮ ‬ومؤثراً،‮ ‬حينما‮ ‬يرتل لحن‮ "‬غولغوثا‮" ‬الجنائزي في جمعة الآلام, معلمه البتانوني كان‮ ‬يحب هذا اللحن بالذات،‮ ‬ويقول إن المصريين في عهد الفراعنة كانوا‮ ‬يحنطون موتاهم علي أنغامه،‮ ‬وإن ترتيله لأول مرة كان في مراسم تجنيز الملك خوفو بذات نفسه‮.‬
ـ لا لا‮.. ‬كدة الملك خوفو‮ ‬يغضب عليك‮ ‬
هكذا كان‮ ‬يعاتبه وهو‮ ‬يضحك،‮ ‬عندما تتجاوز سرعته في الترتيل الحدود المسموحة،‮ ‬فتفقد النغمة لمسة الحزن التي تتلفح بها،‮ ‬وتتحول في فمه إلي مارش عسكري،‮ ‬يقول‮:‬
ـ اسمع‮.. ‬
ويبدأ في الترتيل مُركزاً‮ ‬علي الوقفات‮.. ‬
غولغوثا إم ميت‮ /// ‬هيفريؤس بي إكرانيون‮ ‬
ـ بسيطة‮ ‬يا مسيحة‮..‬
أربع نغمات فقط،‮ ‬يمكنك ترتيله حتي وأنت مجهش بالبكاء،‮ ‬نغماته ليست من القرارات الخفيضة التي‮ ‬يتطلب أداؤها دقة وحذرا،‮ ‬كما أنها ليست في منطقة الجوابات الحادة التي‮ ‬يتطلب أداؤها مجهوداً‮..‬
ـ اسمع‮ ‬يا مسيحة‮..‬
بي ما إيطاف اشك ابشويس إنخيتف
السلم الموسيقي هنا بسيط التركيب،‮ ‬مجرد ضربتين إيقاعيتين‮ ‬يا مسيحة،‮ ‬الأولي قوية والثانية ضعيفة‮..‬
ـ اسمع كدة‮... ‬
لكن المعلم لا‮ ‬يسمع الآن إلا خياله،‮ ‬غلب عليه الصوت الوهمي لمعلمه،‮ ‬فلم‮ ‬يسمع صوتاً‮ ‬آخر،‮ ‬ولا حتي صوته هو نفسه المتحشرج الآخذ في الانحباس،‮ ‬ولا لصوت صليل ناقوسه الرنان‮. ‬
لكنهم كلهم سمعوا‮..‬
البائعون والمشترون والمتسكعون،‮ ‬كلهم،‮ ‬كلهم،‮ ‬الجالسون في الدكاكين أو المفترشون فرشات الأرصفة،‮ ‬أو السائرون في وسط الشارع وعلي أطرافه،‮ ‬بالإضافة طبعاً‮ ‬إلي السكان،‮ ‬ومن ضمنهم‮ "‬أبو السعد‮" ‬الذي‮ ‬يسكن فوق شقته،‮ ‬كلهم وقفوا مشدوهين،‮ ‬ومذهولين،‮ ‬سواء في إطار نوافذهم،‮ ‬أو في مداخل دكاكينهم،‮ ‬أو قدام بيوتهم،‮ ‬أو حتي في عرض الطريق،‮ ‬يصوبون أنظارهم ناحية الشرفة المطلة علي السوق،‮ ‬ويتسمعون في صمت لصوت الأوركسترا الغامضة التي‮ ‬يديرها المعلم في‮ ‬غرفته،‮ ‬كأنهم في مشهد لفيلم جري تثبيته،‮ ‬فتجمدت تلك اللقطة فيه،‮ ‬من كان‮ ‬يمشي وقف،‮ ‬ومن سمع تلهف في نداء من لم‮ ‬يسمع،‮ ‬بعضهم ابتسم ابتسامة ساخرة،‮ ‬والآخرون ابتساماتهم مترددة وخائفة،‮ ‬ومن هؤلاء طائفة أخذت تحوقل،‮ ‬لكن الجميع بلا استثناء راحوا‮ ‬يمتصون في أفواههم قدرا من الشفقة‮.‬

القيامة،‮ ‬بأسمائهم أو أسماء أمهاتهم أو أسماء آبائهم،‮ ‬من سيخرج له؟ صاحب الثمانية أعوام؟ أم صاحب المائة؟‮ ‬
وربما لهذا السبب،‮ ‬الذي كان بلا شك‮ ‬يعرفه،‮ ‬تمسك القسيس بأن المعلم مسيحة في التسعين،‮ ‬معارضاً‮ ‬حماس تريزا التي أخرجت له الأوراق‮.‬
سواء في التسعين،‮ ‬أو تجاوز المائة،‮ ‬هو ليس مبسوطاً،‮ ‬ويفكر الآن كم كانت الحياة خدعة كبيرة،‮ ‬وأن الشيء الوحيد الجميل،‮ ‬الذي‮ ‬يمر في دنيته حالياً،‮ ‬هو طيف أمه القديسة حينما‮ ‬يتذكرها،‮ ‬لا مال ولا بنون ولا زوجة،‮ ‬لا نجاح ولا فشل،‮ ‬ولا أفكار صبيانية عن الخلود،‮ ‬الكل‮ ‬يتساوي في تلك اللحظة،‮ ‬الكل باطل وقبض الريح،‮ ‬ولا منفعة تحت الشمس‮. ‬
‮•••‬
في هذا اليوم دفعه الحنين الذي صار فعلاً‮ ‬شاقاً‮ ‬ككل شيء هو الآخر،‮ ‬إلي أن‮ ‬يُخرج الألبوم وكان قد أوشك علي نسيان مكانه من خزانة الملابس،‮ ‬كان‮ ‬ينتظر رؤية وجه أمه،‮ ‬بين عشرات الصور العتيقة،‮ ‬التي عانت تريزا في ترتيبها زمنياً،‮ ‬بالرغم من أنها لا تعرف أغلب من‮ ‬يظهرون فيها،‮ ‬صورة بعد صورة،‮ ‬ولم تظهر القديسة التي ماتت قبل أن‮ ‬يعرفوا الكاميرات،‮ ‬صورة بعد صورة،‮ ‬وراح‮ ‬يبكي متأثراً‮ ‬بحرقة،‮ ‬فغياب صورتها‮ ‬يعد بلا شك تقصيراً‮ ‬منه،‮ ‬ولام نفسه كثيراً‮ ‬علي نسيانها،‮ ‬لماذا لم‮ ‬يفكر في اصطحابها إلي بيومي المصوراتي الذي‮ ‬ينصب كاميرته الخشبية والستارة البيضاء قدامها أمام باب المحكمة؟ لماذا هو جاحد إلي هذا الحد؟‮ ‬
راح‮ ‬يبكي ندماً،‮ ‬وتخيلها أمه تمشي مترددة وخائفة إلي جواره،‮ ‬كأنها مُساقة إلي الذبح،‮ ‬بملاءتها اللف السوداء التي تغطي جرمها كله،‮ ‬ماسكة أطرافها بيدها وأسنانها،‮ ‬حتي لا تنزلق من علي بدنها وتقع علي الأرض،‮ ‬تخيلها تماماً،‮ ‬كأنه‮ ‬يراها،‮ ‬بكامل هيئتها ورائحة ثيابها،‮ ‬كانا في طريقهما إلي المصور البائس،‮ ‬الذي لم‮ ‬يكن قد ولد أصلاً‮ ‬حينما ماتت،‮ ‬كانت ترجوه طوال الطريق أن‮ ‬يوفر قروشه ولا‮ ‬يهدرها‮.. ‬
ـ ما لي وما للتصاوير‮ ‬يا وليدي؟‮.. ‬من كترة القروش‮ ‬يعني؟‮! ‬
هكذا سمعها تقول وهو لا‮ ‬يزال‮ ‬يبكي‮.. ‬
ثم‮.. ‬اختلطت الأوهام في ذهنه كالعادة بالحقائق‮.‬
فما هي إلا دقائق،‮ ‬إلا وكان مصدقاً‮ ‬تماماً‮ ‬للمشهد الذي صاغه بمهارة في خياله،‮ ‬لدرجة إنه قطع بكاءه فجأة وبدأ‮ ‬يتشكك،‮ ‬ماذا لو كان قد صورها فعلاً؟ وأن تريزا بخبث اخفت صورها عندما رتبت الألبوم؟ وعندها انطلقت نيران الغضب إلي نافوخه،‮ ‬لتشتعل في تريزا،‮ ‬وفي أمها،‮ ‬زوجته المسكينة،‮ ‬التي ماتت منذ خمسين عاماً‮.‬
ـ حتي الصورة أخدوها‮.. ‬آه‮ ‬يا أمااا
في سنواته الأخيرة‮. ‬صار‮ ‬يبكي كثيراً،‮ ‬كالأطفال،‮ ‬علي كل شيء،‮ ‬وأحياناً،‮ ‬علي لا شيء،‮ ‬وأضاف إلي الدموع في بكائه تغضناً‮ ‬شديداً‮ ‬علي خريطة الوجه،‮ ‬ونهنهة مؤثرة تفتك بالقلوب،‮ ‬وشهيقاً‮ ‬متقطعاً‮ ‬يوحي بأزمة في التنفس‮..‬
‮•••‬
أخيراً‮ ‬كف المعلم عن البكاء،‮ ‬وابتسم،‮ ‬ثم انقلبت ابتسامته لضحكة قصيرة،‮ ‬حينما وجد ناقوسه القديم،‮ ‬الذي بإمكانه أن‮ ‬يجعله فرحاً،‮ ‬كان مخبأً‮ ‬بين الملابس بجوار الألبوم،‮ ‬سحبه برفق وتحسس سطحه المصنوع من النحاس الأحمر،‮ ‬منذ متي لم‮ ‬يمسكه؟ هو‮ ‬يتذكر جيداً‮ ‬متي أشتراه كتذكار في زيارته إلي القدس،‮ ‬منذ ستين سنة أو‮ ‬يزيد،‮ ‬لا أحد‮ ‬يصنعه الآن من النحاس الأحمر،‮ ‬يسترخصون،‮ ‬ويستوردونه بخامات رديئة من الصين،‮ ‬هذا‮ ‬يختلف،‮ ‬ليس في خامته فقط،‮ ‬إنما في أشياء أخري لا‮ ‬يقدر علي وصفها بالضبط‮.‬
هذا ليس مجرد ناقوس مخصص لصلوات الكنائس من النحاس الأحمر،‮ ‬إنما آلة عجائبية،‮ ‬ترقص الآن بين‮ ‬يديه علي لحن‮ "‬إبؤورو‮" (‬2‮) ‬المبهج،‮ ‬بامكانها أيضاً،‮ ‬الآلة العجيبة،‮ ‬التي راحت تتمايل وتتراقص بين‮ ‬يدي المعلم،‮ ‬أن تطلق موجات سحرية من سطحها الأملس،‮ ‬لتتجمع بواسطتها الذكريات في بؤرة واحدة،‮ ‬قبل أن تتسرب بالتدريج في صورة مركزة إلي حيز الذاكرة‮.‬
هذه الأمور بعيدة جداً،‮ ‬لكنه‮ ‬يتذكرها اليوم بوضوح،‮ ‬فها هو معلمه الضرير الحاصل علي البكوية لجهوده في تعريب القداس ميخائيل بك البتانوني قد جاء،‮ ‬ويتراءي الآن قدامه،‮ ‬ببدلته وطربوشه وانحناءة ظهره،‮ ‬وبوسع مسيحة أن‮ ‬يسمع صوته الباكي،‮ ‬قوياً‮ ‬ومؤثراً،‮ ‬حينما‮ ‬يرتل لحن‮ "‬غولغوثا‮" (‬3‮) ‬الجنائزي في جمعة الآلام،‮ ‬معلمه البتانوني كان‮ ‬يحب هذا اللحن بالذات،‮ ‬ويقول إن المصريين في عهد الفراعنة كانوا‮ ‬يحنطون موتاهم علي أنغامه،‮ ‬وإن ترتيله لأول مرة كان في مراسم تجنيز الملك خوفو بذات نفسه‮.‬
ـ لا لا‮.. ‬كدة الملك خوفو‮ ‬يغضب عليك‮ ‬
هكذا كان‮ ‬يعاتبه وهو‮ ‬يضحك،‮ ‬عندما تتجاوز سرعته في الترتيل الحدود المسموحة،‮ ‬فتفقد النغمة لمسة الحزن التي تتلفح بها،‮ ‬وتتحول في فمه إلي مارش عسكري،‮ ‬يقول‮:‬
ـ اسمع‮.. ‬
ويبدأ في الترتيل مُركزاً‮ ‬علي الوقفات‮.. ‬
غولغوثا إم ميت‮ /// ‬هيفريؤس بي إكرانيون‮ ‬‮(‬4‮) ‬
ـ بسيطة‮ ‬يا مسيحة‮..‬
أربع نغمات فقط،‮ ‬يمكنك ترتيله حتي وأنت مجهش بالبكاء،‮ ‬نغماته ليست من القرارات الخفيضة التي‮ ‬يتطلب أداؤها دقة وحذرا،‮ ‬كما أنها ليست في منطقة الجوابات الحادة التي‮ ‬يتطلب أداؤها مجهوداً‮..‬
ـ اسمع‮ ‬يا مسيحة‮..‬
بي ما إيطاف اشك ابشويس إنخيتف‮ (‬5‮)‬
السلم الموسيقي هنا بسيط التركيب،‮ ‬مجرد ضربتين إيقاعيتين‮ ‬يا مسيحة،‮ ‬الأولي قوية والثانية ضعيفة‮..‬
ـ اسمع كدة‮... ‬
لكن المعلم لا‮ ‬يسمع الآن إلا خياله،‮ ‬غلب عليه الصوت الوهمي لمعلمه،‮ ‬فلم‮ ‬يسمع صوتاً‮ ‬آخر،‮ ‬ولا حتي صوته هو نفسه المتحشرج الآخذ في الانحباس،‮ ‬ولا لصوت صليل ناقوسه الرنان‮. ‬
لكنهم كلهم سمعوا‮..‬
البائعون والمشترون والمتسكعون،‮ ‬كلهم،‮ ‬كلهم،‮ ‬الجالسون في الدكاكين أو المفترشون فرشات الأرصفة،‮ ‬أو السائرون في وسط الشارع وعلي أطرافه،‮ ‬بالإضافة طبعاً‮ ‬إلي السكان،‮ ‬ومن ضمنهم‮ "‬أبو السعد‮" ‬الذي‮ ‬يسكن فوق شقته،‮ ‬كلهم وقفوا مشدوهين،‮ ‬ومذهولين،‮ ‬سواء في إطار نوافذهم،‮ ‬أو في مداخل دكاكينهم،‮ ‬أو قدام بيوتهم،‮ ‬أو حتي في عرض الطريق،‮ ‬يصوبون أنظارهم ناحية الشرفة المطلة علي السوق،‮ ‬ويتسمعون في صمت لصوت الأوركسترا الغامضة التي‮ ‬يديرها المعلم في‮ ‬غرفته،‮ ‬كأنهم في مشهد لفيلم جري تثبيته،‮ ‬فتجمدت تلك اللقطة فيه،‮ ‬من كان‮ ‬يمشي وقف،‮ ‬ومن سمع تلهف في نداء من لم‮ ‬يسمع،‮ ‬بعضهم ابتسم ابتسامة ساخرة،‮ ‬والآخرون ابتساماتهم مترددة وخائفة،‮ ‬ومن هؤلاء طائفة أخذت تحوقل،‮ ‬لكن الجميع بلا استثناء راحوا‮ ‬يمتصون في أفواههم قدرا من الشفقة‮.‬

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى روح / قصيده جديده للشاعره رنا يحى / جريدة اسرار الاسبوع

معلومات الكاتب