الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

النار بين أصابع امرأة .. قصة للكاتب / حنا مينة

كانت امرأة غير عادية وكان رجلاً غير عادي ولا بد لأحدهما أن يموت كي يعيش الآخر, إلا أن الموت والحب, كلمتان معلقتان على شفتي القدر, والقدر صمت حين يريد, وكلام حين يحكي ولا أحد يدري, حتى في لوح سيناء, متى صمت القدر, ومتى كلامه فالنقش في اللوح, ظاهر وخفي, والظاهر كالباطن,و يقرأ ولا يقرأ والباطن كالظاهر يسبر ولا يسبر ونحن جميعاً نتدافع نحو نهايتنا متعجلين الأيام دون أن نفكر أن كل يوم, كل ساعة, كل دقيقة, كل ثانية تقربنا من هذه النهاية ثم لا نرعوي فنتوقف عن هذا التعجل ولا نتعظ بمصير الذين تعجلوا فسبقونا إلى نهايتهم.‏
 
في شارع شادي في بودابست, كان أيهم القمطور يجلس على حقيبة سفره, في معاندة مع هذه الحقيبة التي لا يريد أن يفتحها, كيلا تتطاير أشياؤه, وتستقر في أمكنتها من الخزائن المفتوحة وكانت النوافذ مغلقة والستائر مسدلة, والغرفة بما فيها يلفها عنكبوت العتمة وهو أيهم مصر على البقاء في العتمة تجنباً لرؤية ما حوله لا يفتح الباب لصاحبة البيت التي أرادت أن تسبقه, مرحبة به, فتناول المفتاح منها وصرفها شاكراً, دون أن يقول كلمة أخرى, وهذا ما أثار استغرابها فظنت به الظنون وراحت من شرفة منزلها في الطابق الذي تحته ترقب أن يشعل الضوء, أن يفتح نافذة, أن ينير شمعة على الأقل دون جدوى.‏
 
كان اسمها مرغريت وتحبباً ينادونها مارغو, وقد صبرت ساعة على هذا الساكن الجديد, غريب الأطوار الذي لم تسمع ولو وقع قدميه, على الخشب اللماع فوقها وكادت تهتف إلى البوليس ليأتي ويكشف ولو جزءاً, من سر هذا الرجل الغامض الذي باتت تخاف على نفسها وبيتها ذي الطوابق الثلاثة من تصرفاته المجنونة أو العاقلة ولكن المبهمة فربما كان مخبلاً أو مهرباً أو لصاً أو ممن يتعاطون المخدرات ويتاجرون بها, إلا أن ابنتها غبريلا منعتها من الاتصال بالأمن إشفاقاً على هذا الشاب الغريب, الذي ربما كان يصلي أو يقوم باليوغا أو ينام من تعب السفر, أو يفكر بما مر معه في حياته, أو يرتب أفكاره أو يستشعر الغربة أو هو في صيام عن الطعام, أو أنه يأنس بوحدته لكونه من أتباع الوحدة التي هي عبادة عند أنصارها!‏
 
غبريلا انداش امرأة في نحو الخامسة والعشرين من عمرها, وهي جميلة وردية البشرة نجلاء العينين لها أنف دقيق وفم صغير وذقن خفيف التحدب وعنق رائع, ووجه بيضاوي فيه وسامة وشعر كستنائي مسترسل على كتفيها العاريين, وفي نظراتها المتراوحة بين الوداعة والشراسة بريق ومضي, ينم عن روح متحدية مغامرة شهاء الرغبة يفتنها في الحياة كل ما هو غامض ويستثيرها أيضاً!‏
 
ولأنها بسبب هذا الشاب الغريب, الذي لا يعرف دينه من جواز سفره أو عمله من سلوكه أو غايته من المجيء إلى بودا والسكن في هذا المنزل ودفعه أجرة شهر كامل بغير نقاش ومظهره الذي لا يدل على الغنى أو الفقر, فقد توترت أعصابها, وارتعش جسمها الفتي, مستشعرة لأول مرة في حياتها أن هناك رجلاً موجوداً وغير موجود وأنها على اعتدادها تكترث به, من غير أن تعرف ما إذا كان يكترث هو بها, وأن تناول القهوة مع الشراهة في التدخين لم يجلبا لها الهدوء الذي تنشد.‏
 
كانت أمها تراقبها, ترى بفراسة الأنثى أن الأنثى التي تجلس قبالتها مستثارة وأنها تفكر بغير هدوء لأن هناك شيئاً يغيظها شيئاً تتمنى أن تعرفه لكنها في اضطرابها الخفي تخاف أن تعرفه أو لا تجد الوسيلة لإخفاء خوفها من معرفته وأن هذه الحالة العصبية التي عليها ابنتها, ليس مردها إلى بعد زوجها إمري عنها, حيث يدرس الموسيقا في ألمانيا بل مرده إلى هذا الرجل الغريب الذي اقتحم حياتها فأثر فيها دون أن يتأثر بها ومن الطبيعي ما دامت ابنتها الوحيدة غبريلا في نضج الأنوثة أن تسغب هذه الأنوثة وتعوي كذئب جائع, في طلب الذكر للارتواء إلا أن غبريلا لا تعاني الحرمان فهي لا تسأل زوجها إمري أليوش ماذا يفعل في ألمانيا وزوجها لا يسأل عما تفعل في بودا بست, والجوع الجنسي إلى انتفاء في هذه الحال, إذن ماذا هناك؟‏
 
كانت غبريلا على دراية ولو من طرف خفي, أن أمها تراقبها وترى إلى انفعالها غير المألوف وتحس كأنثى أن الذي يشغل بال ابنتها ليس الشوق إلى زوجها الغائب ولا الإخفاق في الاستحواذ على ما تشتهي من مأكل وملبس, وإنما الشوق إلى صديقها المجري, الذي كان أمس معها, في وسعها إذا كان قد عاودها الشوق إليه, أن تهتف له, وسيكون سعيداً بهاتفها, ومغتبطاً بالمجيء إليها, إذا ما أرادت مجيئه وهناك غرفة لخلوتهما ولممارسة الجنس إلى حد الارتواء, لأن الأم في هذه الحال ستكون سعيدة أيضاً وعدا عن أنها لا تغار من ابنتها فإنها تلذ من التنصت عليهما, سواء بالنظر من ثقب الباب, أو من الاصغاء إلى التأوهات الصادرة عنهما, وهذا مؤكد ومؤكد أيضاً أنها ستنبش الغسيل لترى الفوطة التي عليها آثار تلك الممارسة الشهية, التي عرفتها في صباها وتعيش الآن على ذكراها!‏
 
قالت الأم مارغو:‏
 
- لماذا لا تهتفين إلى صديقك غابور مولينار لتسعدي معه قليلاً؟‏
- قالت غبريلا لأمها:‏
- ومن قال لك أني أريده أو أسعد معه؟‏
- وهل نسيت أنني أم, تتمنى أن ترى ابنتها مغتبطة؟‏
 
أنا لا أفكر بما تفكرين به!‏
- بماذا تفكرين إذاً؟‏
- هل علي أن أقدم لك تقريراً عما أفكر به؟‏
- لا أنا لا أقول هذا, أنت حرة في أن تفكري بما تشائين وعلى النحو الذي تشائين لكنني لا أطيق أن أراك مهمومة.. ما رأيك أن تسافري إلى زوجك امري إذا ما كنت قد اشتقت إليه؟‏
 
- ولماذا لا يأتي هو إذا كان قد اشتاق إلي؟‏
-لأنه هناك للعمل وليس لشىء آخر.‏
-أنت تخرفين.. إنه للعمل وللشيء الآخر, أنا أعرف زوجي.‏
- وزوجك يعرفك!‏
- وما الجديد في هذا؟ إننا في هذه المسائل, على اتفاق.. هو يتسلى.. قاطعتها أمها:‏
- وأنت تتسلين أيضاً؟‏
- نعم! أتسلى للتسلية وقت, وللصلاة وقت آخر, أم تريدينني أن اترهبن؟‏
 
- أنا لا أريدك مهمومة, مثلك الآن, ماذا هناك؟ ماذا ينقصك؟ هل طلبت شيئاً وقصرت في تلبيته؟ أنت تعيشين على غير ما كنت أعيش, وبعد أن مات أبوك لم أتزوج لأجلك للسهر على راحتك, لتوفير كل ما يلزمك قبل الجامعة وبعدها فما علي أن أفعل بعد؟‏
 
قالت غبريلا بحنق:‏
 
أفضل ما تفعلينه أن تتركيني بحالي.. من أين جئت بهذا الشيطان الذي يسكن فوقنا؟‏
 
- من حيث يأتي جميع الشياطين الذين يسكنون فوقنا عادة!‏
 
هذا شيطان من نوع آخر.. إنه غبي لا يطاق, أو أنه محتال يدبر أمراً ما..‏
 
- فكرت بهذا, واردت استدعاء البوليس, فرفضت. ماذا أفعل لك وله؟‏
- أنت لا تفعلي شيئاً.. أنا التي ستفعل... سأطرده من هذا البيت لأني لم أعتد مجاورة المعتوهين أمثاله..‏
- لكن حذار أن يؤذيك!؟‏
 
أنت مع الأسف تجهلين كيف اتصرف مع الأوغاد أمثاله...‏
 
-نحن لا نعرف بعد, ما إذا كان وغداً.‏
- إنه وغد وسافل.. سأطلع إليه.‏
- وإذا كان المسكين نائماً؟‏
- هذا ليس بمسكين ولا بنائم.. إنه متشرد وربما هارب من الأمن لذلك يختبىء هنا, دون أن يشعل الضوء أو يفتح نافذة.. أعطني سكيناً.‏
 
تناولت غبريلا سكيناً قاطعاً, مرهف الشفرة, حاد النصل من المطبخ وقالت لأمها:‏
 
إذا حاول ايذائي, أو قتلي ربما سأطعنه بهذه السكين وعندما تسمعين صراخي الحقي بي..‏
 
قالت الأم:‏
 
- وإذا حاول اغتصابك؟ فكري في هذا كوني لطيفة معه, إنه كما رأيت شابا وسيما وربما كان محروماً.. وماذا يفعل الرجل المحروم؟‏
 
على كل حال لا أريد أن استبق الأمور.. قد يكون أفضل من هذا اللعين الذي اسمه غابور مولينار.. على كل اترك الحرية لك.. ومن جانبي سأتسلح بعصا, صحيح أنني تقدمت في العمر قليلاً, إلا أنني لا أزال قوية.. اذهبي وليحرسك الله.‏
 
ذهبت غبريلا اخفت السكين في مكان من معطفها, كانت متوترة, غضوباً,, يختلج الشر في جوارحها لكنها كانت خائفة أيضاً ليس من الاغتصاب, بل من الموت, وبخطا خفيفة تسلقت الدرجات وتقدمت ببطء وحذر من الباب.. توقفت, انصتت, وأخيراً قرعت الباب وقالت بلغة انكليزية سليمة واهنة إلى حد ما:‏
 
- أيها السيد.. أنا غبريلا, افتح الباب من فضلك.. إنني انتظر.. لكنها دهشت لأنه فتح الباب فوراً, وقال لها:‏
- تفضلي, لكن اتركي كل شيء على ما هو.. لا تشعلي النور, إنني ارتاح للعتمة..‏
 
صاحت:قال بهدوء:‏
 
- اشعليه أنت إذا كنت خائفة, أو إذا كنت تصرين على ذلك..‏
 
أشعلت غبريلا الضوء, كان أيهم قد عاد إلى مجلسه على حقيبة سفره, ولم يكن قد مس ايما غرض في الغرفة, ولم يرفع نظره إليها, عاملها بصمت, بكياسة, بلا مبالاة, ولم يعرها اهتماماً.. وحتى عندما سارت إلى النوافذ وفتحتها لم يعترض, ولم يقل لها تفضلي اجلسي, تركها وشأنها, تقف, تجلس, تدور, تتحرى الاشياء, تتفقد الغرف, المطبخ, الحمام, تخرج إلى الشرفة, تطل على الشارع, وحتى عندما اخرج علبة سجائره, لم يقدم لها سيجارة, كما تقضي الاعراف, مع سيدة جميلة, أنيقة, وفوق ذلك صاحبة البيت.‏
 
أخيراً جلست غبريلا على كنبة, لاذت بالصمت, أسفت لأنها لم تجلب سكائرها معها, تفحصته بنظرات غير مباشرة, قالت له:‏
 
- لماذا تجلس على حقيبة السفر؟‏
 
قال أيهم:‏
 
- لأنني قد أسافر.‏
- اليوم جئت, واليوم تسافر؟‏
- وما الغرابة في ذلك؟‏
- الغرابة!؟ ألا تشعر أنت بالغرابة!؟‏
- أبداً!‏
- وأجرة الشهر التي دفعتها؟‏
- استرحت مقابلها على حقيبتي!‏
- ولماذا على حقيبتك وليس على سريرك؟‏
 
- لأنني لم أشعل الضوء, ولم أدخل الغرفة, ولم أر السرير, ولم أشرب حتى جرعة من الماء.‏
- ولم تأكل أيضاً!‏
- نعم, لم آكل أيضاً, وليست لي شهية.‏
 
قامت غبريلا عن مقعدها, دارت حوله وحول حقيبة سفره, ذهبت إلى الباب الذي تركته مفتوحاً ونادت أمها:‏
 
- ماما أنا بخير!‏
- وهو؟‏
- بخير أيضاً, اطمئني.‏
- يجلس على حقيبة سفره!‏
- هل هو معتوه؟‏
- قليلاً!‏
- ولماذا أنت باقية عنده؟‏
- اوه ماما.. دعي أسئلتك إلى ما بعد..‏
 
انتهت المكالمة بين غبريلا وأمها باللغة المجرية, ولم يكن أيهم قد فهم شيئاً, رغم أنه يعرف المجرية, أو اهتم أن يفهم شيئاً, وعندما دخلت إلى الصالون ثانية, تركت الباب مفتوحاً, فقال لها:‏
 
- هل أنت خائفة؟‏
- وممَ أخاف؟‏
- من هذا الجالس على حقيبة سفره!‏
- هذا المعتوه لا يخيفني!‏
- إذاً ارفعي السكين, لأنها ثقبت جيبك.‏
- تهزأ مني؟‏
- تقريباً!‏
 
سحبت السكين, ألقتها على الكنبة, تمايست أمامه, راحت, جاءت, دارت, وفجأة سألته:‏
 
- لماذا تجلس على حقيبة سفرك؟‏
 
رد وهو يبتسم:‏
 
- حتى لا تهرب الأغراض منها!‏
- وما هي هذه الأغراض؟‏
- بعض الثياب, بعض الكتب, بعض الكوكائين!‏
- كف عن هذا الهزء غير اللائق.. احترم, كرجل, الأنثى التي أمامك.‏
- وهل احترمتني هي عندما قالت لي: هذا المعتوه لا يخيفني؟‏
 
أضاف:‏
 
- سيدتي الجميلة, أنا رجل مخصي, مثل خصيان السلطان عبد الحميد, فلا داعي لعرض مفاتنك علي..‏
- وهل رأيت مفاتني؟ معنى هذا أنك لم تكن جالساً على حقيبة سفرك طول الوقت, وأنك رأيتني من الطاقة وأنا عارية أمام المرآة؟‏
 
قال أيهم وهو يضحك:‏
 
- أنت تغرينني بأن أنظر من الطاقة إليك وأنت عارية ولكنني لن أفعل!‏
- أنا لا أغريك بشيء, لكنني أحذرك أن تفعل شيئاً, فهناك قوانين وعقوبات لمن يتنصتون على الغير, أو يتلصصون عليهم.. وأنت.. ما اسمك؟‏
 
- أيهم قمطرون, وهذا, مع كل التفاصيل الأخرى, تجدينه في جواز السفر الذي لديكم, أو لدى رجال الأمن, كي تكون الأمور نظامية مئة بالمئة.. لقد دار في بالكم أنني مجنون, أو معتوه, أو لص, أو مهرب مخدرات.. وقضيت يا سيدتي, وقتاً طويلاً, أنت والسيدة الوالدة, في حالة من التشوش الذهني, إذا لم أقل الاضطراب النفسي, بسبب وجودي في الطابق الثاني من بنايتكما, دون أن أشعل الأضواء, أو أفتح النوافذ, أو حتى انتقل من مكاني فوق حقيبة السفر التي أجلس عليها.. كنتما تودان سماع وقع أقدامي لترتاحا, ولأنني لم أنم, ولم أتحرك, ازداد خوفكما, حتى فكرتما باستدعاء رجال الأمن, وأنا جاهز, دون أن أتحرك من مكاني, لاستقبالهم.. هل في هذه الشقة هاتف؟ لابد أنه موجود, أديري القرص بهدوء, واطلبي منهم أن يأتوا لاعتقالي, بأي تهمة تريدين.‏
 
قالت غبريلا:‏
 
- لا! لن أفعل.. رجل الأمن ليس أقوى مني.. إنني معك بمفردي, وأتحداك أن تأتي بأية حركة ضدي, حتى لو كنت لصاً أو قاطع طريق!‏
 
ابتسم أيهم وقال:‏
 
- هناك لصوص ظرفاء, وقطاع طرق شرفاء أيضاً.. وأنا, هنا, ساكن مسالم, ككل النزلاء المسالمين الذين سكنوا قبلي, فإذا كان وجودي, في هذه الشقة, يضايقك, فأنا مستعد للرحيل فوراً, بدليل هذه الحقيبة التي لم أفتحها بعد.‏
 
- ولماذا تضايقني؟ وهل تستطيع حتى لو أردت ذلك؟!‏
- أفهم من هذا أن سيدتي لاعبة كاراتيه؟ في هذه الحال علي أن أخافك!‏
- ولماذا تخافني؟ أنت تريد أن تقول إنك لا تخاف, أليس كذلك؟‏
- وهل أجرؤ؟ إنني أخاف طبعاً, لكنني أصمد للخوف, وهذه هي الشجاعة! ولعلمك أقول: الخوف أساس كل الأمراض النفسية, وربما أساس كل المشاعر الخسيسة, وهو, الخوف, توءم الشجاعة, كما الموت توءم الحياة, والصراع أزلي أبدي بينهما, وكل منهما يريد أن ينفي الآخر, وهذا ما يسمونه نفي النفي في الفلسفة, فالحياة تنفي الموت, والموت ينفي الحياة, لكن الحياة تعود لتنفي الموت, لأنها حقيقة.. من أي جامعة تخرجت أنتِ؟‏
 
- من جامعة بودابست, قسم الموسيقا, وأنت؟‏
- من جامعة البحر!‏
- وهل في البحر جامعة؟‏
- ومعاهد عليا أيضاً.‏
- هل أفهم من هذا أنك بحار؟‏
- لا! لست بحاراً, ولكنني أجن بالعواصف البحرية, وفيها أسبح!‏
- أنت, ياسيد, عاقل مجنون, وفي اللحظة الراهنة, هل أنت مجنون أم عاقل؟!‏
- أنا أجلس على حقيبة السفر, منذ دخلت هذه الشقة, وأترك الاستنتاج لك.‏
- مجنون!‏
- تماماً!‏
- وغامض!‏
- تماماً!‏
- ومشعوذ!‏
- تماماً!‏
 
نبرت:‏
 
- ما هذه تماماً تماماً تماماً؟‏
- تماماً!‏
- تسخر مني؟‏
- ليس من عادتي أن أسخر من أحد.‏
- ولماذا تجلس منذ ساعات على هذه الحقيبة؟‏
- لكي أفكر بهدوء, فأقرر البقاء أو الرحيل.‏
- وبعد التفكير بهدوء, ماذا قررت؟‏
- لم أقرر بعد!‏
- ومتى تقرر؟‏
- عندما أصل إلى قناعة في أن ما أقرره تأكدت صحته.‏
- وبعد أن رأيتني؟‏
- أنا لم أر فيك إلا سكيناً!‏
- خفت أن أطعنك بها؟‏
- وإلا لماذا حملتها؟ هيا اطعني, في الجانب الأيسر من الصدر!‏
- سأفكر في هذا على طريقتك, بهدوء تام!‏
- لكنك لن تتوصلي إلى أيما نتيجة!‏
- هل هذا لأنك غريب الأطوار؟‏
- أطواري الغريبة فكرت فيها مع أمكِ, قبل أن تأتي إلي!‏
- وما أدراك أنت؟‏
- السكين التي معك!‏
 
ضحكت غبريلا وقالت:‏
 
- السكين كانت وسيلة وليست غاية.. أستطيع, في هذه اللحظة, أن أقذف بها من النافذة, إذا كانت تخيفك إلى هذا الحد.‏
- ولماذا تقذفين بها من الشباك؟ قد تفيدك في تقشير البصل!‏
- وقح!‏
- لم أصل بعد إلى حد الوقاحة!‏
- وحين تصل ماذا تفعل؟‏
- أقول لك: شكراً, ياسيدتي, وأبقى جالساً على حقيبتي, دون أن أنهض إلى الباب لوداعك كما يليق بالرجل المهذب.‏
- تطردني؟‏
- لا! وإنما أشعر بالملل!‏
- أنت تكذب.. مثلي لا يُمل منها, ولم أسمع, قبل الآن, من أي رجل مثل هذه الكلمة.‏
- هل لديك دفتر يوميات؟ في مثل هذا الدفتر يكتب المرء خصوصياته, من غير أن يخشى اطلاع أحد عليها.. هذه الليلة أنا سأكون ضيفاً على دفتر يومياتك السرية, وأعرف سلفاً, ماذا ستكتبين عني, فالشتائم, بكل أنواعها, لا تؤثر فيّ.. إنني وغد, وقح, كذاب, معتوه, كل هذا ستقولينه, أو ترسمينه بالكلمات, لكنك, عندما ستحاولين النوم, لن يكن نومك هنيئاً, كما قبل أن تأتي إلي, وتلك السكين اللعينة مخبأة في جيب معطفك الرائع.. تعرفين لماذا؟ لأني قدرك, وأنت لست قدري, لأن لا قدر لي.. تفضلي بالانصراف, لأن الزيارة انتهت, وأرجوك أن تغلقي الباب وراءك, لأنني لن أتزحزح عن مقعدي فوق حقيبة سفري.. فإذا أفقت غداً وكنت أنا قد غادرت هذا البيت, فتذكري أنك قابلتِ رجلاً غير عادي, وعندئذ لا يأخذك الندم!

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا