الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

وحدي بين حُطام العالم .. قصة قصيرة للكاتب / رمضان سلمى برقى


 عُدتُ من عملي في ساعةِ متأخرة من الليل؛ أنعشتُ جسدي بماء ساخن، تناولتُ لقيمات لتسد جوعي، جلستُ على الأريكة، وأشعلتُ التلفاز. تجولتُ بين القنوات الإخبارية التى أخذتني بدورها في جولة بين ثنايا العالم؛ شاهدتُ مسلمين يذبحون بأيدي مسلمين ذبحاً كذبح الخراف، ذهبتُ لبقعة أخرى في العالم فشاهدتُ مسلمين أيضاً؛ تُشعل بهم النار أحياءً على أيد غيرهم. 
شاهدتُ مصلين آمنين تنفجر بهم معابدهم فيتحولوا لأشلاء. شاهدتُ بلاداً عظيمة تَحشِدُ قواها وحلفائها استعداداً للحرب العالمية الثالثة؛ وأخرى استعداداً للدفاع عن وجودها أثناء الحرب القادمة.
شاهدتُ أطفالاً سمراً وبيضاً يموتون جوعاً وبرداً. وشاهدتُ دولاً مرفعة تنفق المليارات في شراء وسائل الترف، والملابس الداخلية النسائية، والمنشطات الجنسية!.
تأخر الوقت؛ فضلتُ الشروع إلى سريري لأنم؛ حتى ألحقُ بعملي مبكراً؛ أغلقتُ التلفاز؛ ذهبتُ لغرفتي، أطفأتُ المصباح؛ وضعتُ رأسي على الوسادة الباردة؛ شرعتُ في إغماض عيناي فأبتْ جفوني الطاعة؛ راودتُ النوم عن نفسه فأبى واستعصى عن مقلتي حتى أسدل الليل سدوله..
فجأة؛ وجدتُ نفسي واقفاً بين حطام العالم وركامه؛ مرتدياً بدلةً رماديةً باهتةً، تساءلتُ: «ما هذا ؟ هل انتهى العالم وخلا من البشر بهذه السرعة !؟ هل ذهبوا وتركوني وحيداً بين حطام الأرض ؟ ولِما أنا الذي أبقاني القدر وحيداً فريداً؟»
كان نهاراً؛ والهدوء يسيطرُ على الأرجاء، والنار والدخان في كل مكان؛ دلفتُ لأستكشف ما حولي؛ وجدتُ حطام البيوت الصغيرة وناطحات السحاب الكبيرة؛ لا يعلوا عن بضعة سنتيمترات فوق أديم الأرض. وجدتُ حطام الآليات العسكرية، والطائرات الحربية؛ صار أكواماً من الحديد الصدئ المتآكل!. 
تقدمتُ أكثر، حاولتُ البحث عن أية أشكال للحياة؛ فوجدتُ بطريقي أكواماً من جثث البشر التى تعفنتْ، وانتشرتْ رائحتها النتنة، وبجانبها أكوام أسلحة تحترق. رأيتُ جثث الأغنياء بجانب جثث الفقراء، رأيتُ جثث من ذُبحوا كذبح الخراف، وجثث من أُحرقوا، وجثث المصلين الذين فُجرتْ بهم معابدهم لم تتعفن بعد..
تقدمتُ أكثر؛ سمعتُ حسيس النيران يعلوا، اقتربتُ من الحسيس أكثر؛ وجدتُ دولاً عظمى انصهرتْ من شدة النيران، وممالك أخرى غارقة تحت الإعصار. 
ابتعدتُ كثيراً؛ شعرتُ بالبرودة؛ شرعتُ في البحث عن مكان أحتمي به، وفجأة؛ سمعتُ ضحكات لأطفال آتية من بعيد؛ سعِدتُ كثيراً، أسرعتُ الخطى صوب مصدر الصوت لعلي أجد أحياءً حقاً ولا تكن مجرد تهيؤات. صعدتُ جبلاً ، وقفتُ فوق قمته، نظرتُ أمامي فاذا بوادٍ أخضر؛ وبه أكواخ لم تهدم، ومن حوله أطفال يلعبون؛ سمراً وبيضاً، ذكوراً وإناثاً، يرتدون ملابس جديدة وثقيلة إتقاءً للبرد؛ هرعتُ إليهم، أصبحتُ بينهم، ولمَّا رأوني؛ تحلقوني بسعادة. اقتربَ مني طفل أسمر؛ ابتسم في وجهي، مسكني من يدي وجذبني إلى الأمام، ومن حولي الأطفال يتأملونني باستغراب!.
وقفنا أمام كوخ، قال بابتسامة واسعة:
- لقد مات العالم أجمع يا سيدي! كيف نجوتْ أنت؟.
أجبته متلعثماً:
- لا أدري!. 
ضحك ثم قال:
- لمَّا مات العالم ياسيدي؛ تُرِكَتْ لنا أغطية كثيرة جداً، وأطعمة كثيرة جداً، وثياب أكثر، وقد أصبحتْ كلها ملكاً لنا الآن. 
ثم ضحك، وخرجَت طفلة صغيرة من داخل الكوخ، كانت بيضاءً، بعيون خضراء، وشعراً أسوداً ناعماً، مرتدية فستاناً وفوقه معطفاً ثقيلاً، مسكتني من يدي، قالت:
- تعال معنا يا سيدي لتحظى بالدفء؟.
نزلتُ على ركبتي، قبَّلتُها على خدها، واقترب مني الطفل؛ قبَّلته أيضاً، ونهضتُ ثم دخلتُ الكوخ، انضممتُ إليهم، وتدثرنا بأغطية العالم الميت، ورحنا ننظر إلى بعضنا البعض ونضحك..
شعرتُ لأول مرة في حياتي بالدفء، لكن لم أنعم به  كثيراً، وسرعان ما استيقظتُ فوق سريري على رنين المنبه المزعج!.

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى