ثقافة وأدب / ابداع

قصة قصيرة " صـانعُ الشطائــر" د/نهى بلال


شجارٌ يومي و حالة من عدم الاستقرار فيوشك البيت أن يتصدع...يحدث نفسه : هي النهاية المحتومة؛ و لابد أن يصلا إليها بعد أن أصبحت عادتهما اليومية التنابز  بالألقاب و السباب و اللعان و يعلو صوت شجارهما ليصل لسابع جار.. 
يؤنب نفسه على هذه الزيجة و مكثه ببيت حميه في غرفة مجاورة له و ربما كان الحائط الذي يفصل بينهما فقط كغلالة من ستر، 
و يوميًا يعود ليلاً لتستقبله هذه الحفلة الصاخبة من وصلة العراك التي لا تنتهي بفوز فريق و إنما أصبحت طقسًا يوميًـا من الطقوس العائلية. 
قرر أن يغادر هذا العالم المقيت حتى لو تخلى عن زوجته و ابنته فهو يشري نفسه من هذا المستنقع الذي تزين لاستقباله ثم زُجَّ به في متاهته التي تتداخل دوائرها و هو عالق بها يبتغي الفرار... 
 عندما جاءتْ لتشتري منه شطيرتها المفضلة بالكاستر و تبسمتْ تلك الابتسامة الواثقة الخجلى، فبدأ بتفحص تفاصيلها، لم يكن يعنيه قوامها الممشوق و لا طولها الفاره و لا بشرتها البيضاء الرائقة و لا عينيها السوداويتين و لا حتى عودها المنصوب الذي نُحتت تفاصيله المحتجبة خلف حجابها.. كان يركز بصره على حقيبة يدها الأنيقة و مشيتها المعتدلة كموظفة بالمحكمة التي وضع أمام مبناها العتيق عربته الوضيعة ، و وجدها فرصة عمره لعلها تساعده فيجد عملاً ثابتًا و ربما تم تعيينه كزميل لها فهو أيضًا خريج كلية التجارة.. 
كان يتجدد الحلم كل صباح عندما تأتي لتأخذ شطيرتها، و لم تطل متابعته لها طويلاً.. 
انتقل به الحلم حتى وجد نفسه يقطن مع أهلها بغرفة تتآكلها الرطوبة و تساقط طلاؤها فبدا هيكلها يتكشف و يصبح كعجوزٍ انسلخ عنه الترف و رُّدَّ إلى أرذل العمر.. 
خرج مرة أخرى إلى الشارع فلمَ يتكبد هذا العناء و تلك المعاناة و لماذا عليه أن يستمع لوصلة الطرب اليومية بين حماته و زوجها و ربما اشتركا ولداها العاطلان.. 
نفث من دخينته ما ظن أنه أخرج غضبه حتى هدأ قليلاً، و أمام منظر البحر و زمجرته و موجه المائج و صوت تمرده و لكماته للصخور توصل لقراره النهائي.. 
و على متن الباخرة المغادرة إلى اليونان ودع الإسكندرية لم يحمل حتى  بعضًا من زاد السفر؛ بينما تأبطتْ ذراعه حقيبة جلدية صغيرة يحمل فيها هويته .

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا