الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

الصلاة على بندق قصة أشرف الخضرى

 

سرقناه من تحت أمه، كنا نشاهدها تبكى عليه بالدموع الحقيقية كأى أم، رغم أن لديها جراء جميلة كثيرة ولدتها فى بطن واحدة، لم تتوقف عن البكاء عليه أبدا، أخفيناه فى بئر السلم وأقمنا عليه السدود من أقفاص الطماطم الفارغة، ونضع له اللبن والماء، كانت تكلمنى وكنت أسمعها بدون أى شك، أعد لى ابنى، لماذا سرقتما ولدى؟، وكنت أقول لها أعدك أننا سنربيه أحسن تربية ونجعله كلبا عظيما يا توسكا، وكانت ترد على كلماتى بعبارة ساخرة، ربى نفسك الأول!!، عم سادات بائع القصب فى حارتنا أسماها توسكا منذ ولادتها ، كلبة صفراء جميلة ووفية وفيها حنان بشرى معجز، كانت كل يوم تسألنى عليه، ابنى بخير يا أدهم؟ وكنت أطمئنها متجاهلا كل توسلاتها لى باعادته الى حضنها وأثدائها العامرة باللبن، جاء الميكروباص وأخذنا كراسى وترابيزة وأكل وملابس وحلل طبيخ وأنبوبة وشعلة ونحن نكاد نطير من الفرحة لأننا سنقضى أسبوعا كاملا فى الجربى برأس البر، وعمى سيدفن نفسه فى الرمل طيلة الأسبوع كعلاج طبى لأمراض كثيرة، فى مساء اليوم الثالث بعد أن شبعنا من البحر وتقشر جلدنا من الماء المالح وأصبحنا أطفالا مسلوخة، ضربنى مروان على كتفى قائلا بفزع بندق!! شهقت صارخا يا نهار أسود زمانه مات من الجوع، إحنا حابسينه وتوسكا لا تستطيع الدخول إليه، ونحن لن نعود إلى دمياط الا بعد أربعة أيام، إحنا عيال مستهترين ولاد ستين ، كانت تترد فى حلقى دون أن أنطقها وأنا ألعن نفسى وابن عمى، عندما رجعنا بعد الشروق أسرعنا كالمجانين وعند باب الشارع كانت رائحة جيفة بندق تضرب البيت كله، ارتديت أكياس بلاستيك فى يدي وأخذنا المرحوم وابتعدنا عن البيت بناحية أرض حامد العبد الفاضية، قال لى إحنا موتناه، كنت أبكى وأنوح لجريمتنا وقسوة قلوبنا غير المقصودة، بدأت الحفر وبدأ مروان يساعدنى، ثم وارينا الجثمان الثرى. نظر لى ونظرت إليه ونطقناها معا هنصلى عليه!! وقفت إماما ووقف على يسارى، وأتممنا صلاة الجنازة دون أن نضع شاهد قبر على صديقنا بندق، لم يرنا أحد إلا الله والحاجة سماح بائعة بيض الفراخ، فى صباح اليوم التالى وأنا أعطيها الجنيه وآخذ منها البيض قالت لى أنا كنت فى عشة الفراخ وأنت تصلى على الكلب، سقط البيض كله وتهشم وتناثر الصفار والبياض على رجلى ورجلها، وارتبكت وانعقد لسانى وانحبس الكلام، قالت بجدية وهى تنظف مشمع الأرضية وتلملم بقايا البيض أنت ولد رقيق القلب ومرهف ولست أول من يصلى على كلب، وهدأت نفسى لا تخف سأعطيك بيضا بدل اللى إتكسر، وقالت لى إقعد أحكى لك حكاية كان ياما كان راجل وصاحبه مات كلبهما الغالى عليهما فدفناه ثم صليا عليه، وهما مستغرقان فى الصلاة عادت جنازة كثيرة الناس من المقابر، وكان الصديقان دفنا كلبهما بجوار مقابر البنى آدميين لأنه لا توجد مقابر للكلاب، قالتها ولمست خدى مداعبة لتخفف عنى رعبى على البيض الذى تهشم، قلت لها وبعدين يا حاجة سماح، قالت وقفت الجنازة حول الصاحبين حتى أنهيا الصلاة ثم سألوهما من المتوفى فقال الأذكى مولانا العارف بالله أبو وردة، واستدرك كان يسكن فى طرف القرية ولا يعرف سره إلا نحن، لم يكذب الناس الخبر وما هى إلا ساعات وكان ضريح الإمام مبنيا ومضاءا وعليه سبيل قلل وأصبح مقام القرية، مضت السنوات وتخاصم الصديقان فى تجارة وأكل الأذكى مبلغا كبيرا بحجة أنه خسره وأخذ يقسم ويحلف حتى قال لصديقه ومقام سيدنا الإمام أبو وردة أنا لا أكذب عليك، شخر له صديقه شخرة مدوية وأمسكه من ياقة الجلباب ونظر فى عينيه بقسوة وشرر إمام مين يا حرامى !!!!!!؟

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى