الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

النذر قصة بقلم: شاكر المغربي

 إهداء إلى امي أطال الله عمرها و مدها بالصحة و العافية و إلى روح أبي أسكنه الله فسيح جناته ..............

 

Sponsored Links

للمرة الأولى في حياتي أراه بالمقلوب. كان ذلك حين راهنت العيال على أنّي أستطيع أن أقلب بالمرجيحة عشر قلبات دون توقف عند القلبة الثانية و حين صارت رأسي إلى أسفل رأيته هو و كثير من رجال بلدتنا يصطفّون في دائرة كبيرة عل أحد أطرافها شيخٌ فوق رأسه عمامة عظيمة يجلس على كرسي عريض و عالي و كأنّه ملك ملكٌ يجلس على عرشه. وسط الدائرة سارٍ خشبي طويل في نهايته راية سوداء بلا كتابةٍ عليها بخلاف الرايات التي يطوفون بها البلدة نهارا فقد كانت سوداء مكتوب عليها أسماء لأشخاص لا أعرفهم، حول الساري يجلس الرجال الطاعنون في السن الذين لا يستطيعون الوقوف كثيرا يهزّون رؤوسهم و أبدانهم مع الواقفين مرددين جميعا في صوت واحد ( حي) فيما الشيخ الجالس على عرشه بصوته الجهوري الجاذب للأسماع عبر مكبرات الصوت و الذي يصل إلى كل البيوت يردد بعض الأناشيد التي يمدح فيها رسول الله و ال بيته و أولياء الله ممن كتبت أسمائهم على الرايات. عند الدورة التاسعة خسرت الرهان فقد رأيته للمرة الأولى يسقط مغشيا عليه. أوقفت الأرجوحة و نزلت مسرعا ناحيته مخترقا حلقة الذكر فلم أجد أحدا اهتم بسقوطه و أخذ يبخ في وجهه الماء سوى الشيخ محمد قلاويزو الذي على الرغم من كبر سنه فقد كان قصير القامة حتى أنّ طوله لا يتخطى طولي إلا بسنتيمترات قليلة لم يكن شيخا و لكنّا أعتدنا أن نناديه بالشيخ أما قلاويزو فهي صفة أطلقها العيال عليه و كانوا كثيرا ما يزفونه مرددين( الشيخ محمد قلاويزو نط الكلب لحس .......)و كنت أستحي أن أردد ذلك معهم حتى عندما كان ينام أبي على بطنه المنتفخة من تضخم في الطحال طالبا منّي أن أدلّك له جسده كان ينهرني لأني اتخطى ذلك الجزء دون تدليك. لم أكن أعرف عملا للشيخ محمد إلا في هذه الأيام الثلاث حيث يحمل على بطنه طبلة ضخمة معلّقة على كتفيه بحبلين عريضين و يمسك في كلتا يديه بعصا خشبية تشبه ( النشابة ) التي تفرد أمي بها العجين قبل أن تضعه في الفرن المصنوع من الطين في طرف كل عصا كرة مطاطية يدقّ بها على جانبي الطبلة و هو يسير في مقدمة السائرين نهارا يحملون الرايات معلنين عن موعد الاحتفال بمولد صاحب المقام. حين أفاق أبي مع حركات تشنّج خفيفة مد ذراعيه ناحيتنا لنوقفه ثم استند على كتفي الصغير حتى عدنا إلى البيت. دخل أبي إلى الحجرة مباشرة بمساعدة أمي التي حين علمت بما حدث ظهر عليها التوتر و القلق و هي تساعده على اعتلاء سريره المعدني الذي كنا نستدفأ تحته ملتحفين بأجولة من الخيش مفترشين الأرض الطينية بأجولة أخرى معبأة بقش الأرز ظلّت بجواره حتى راح في النوم إلا من سعاله الذي اعتدنا على سماعه و سماع صوته و هو يبصق في جردل معدني بجوار السرير ملئ لنصفه بالرمل كنت و أخوتي ننتظرها في صمت على الرغم من القلق الذي بدا في وجوه الجميع و قد طافت وقتها برأسي أسئلة كثيرة عن صاحب المقام و لمّا خرجت علينا بابتسامتها الحانية بعثت في قلوبنا الطمأنينة و بدأت تحكي لنا بصوت خفيض حتى لا تزعج أبي حين سألتها أنّها سمعت أنّه صاحب كرامات و أنه واحد من أربعين أخا ماتوا جميعا في وقت واحد ربما في إحدى الحروب لا تدري و عندما ذهب الناس ليكفنوهم طارت أجسادهم في الهواء تبحث عن أماكن طاهرة مباركة لترقد فيها بسلام و كان هو من نصيب بلدتنا التي حين كبرت لم أرى فيها طهرا و لا بركة إلا نزاعات على مواريث و اكل مال اليتيم بين الأغنياء و صراعات على لقمة العيش بين الفقراء في اليوم التالي تسللت من البيت فيما أبي مازال نائما و ذهبت إلى حيث يرقد صاحب المقام دخلت وسط النسوة اللاتي أتين ليطفن حوله متمتمين بكلمات عن الزوج و الرزق و العيال و البركة كان المقام عبارة عن قبة عالية مغطاة بكسوة من قماش أخضر سميك تذنّ حين تراه أنّ صاحبه ربما دفن واقفا أخذت أدور مع النسوة غير فاهم لما يقلنه أو يفعلنه حت رأيت امراة متشحة بالسواد تقف عند الشباك الحديدي من الخارج و تمد يدها ناحية صندوق النذور المثبت على الشباك من الداخل و لا أدري لماذا ارتبكت حين رأتني و قد بدا ذلك من يدها المهتزة و هي تحاول أن تضع النذر في فتحة أعلى الصندوق حتى أنّها تركته و اختفت مسرعة عندما اقتربت من الصندوق و أنا أدور مع النسوة أخذت أشب برأسي لأرى ما الذي تركته كان عشرة قروش فضية قطعة واحدة و قد كان أبي بين الحين و الحين قليلا ما يعطيني تعريفة أشتري بها ما لذ و طاب درت مرتين مع النسوة قبل أن أقف عند الصندوق أتحيّن الفرصة التي أمد فيها يدي لأحصل عليها و كلما هممت بذلك أتذكر ما قالته أمي عن اللص الذي التصقت يده بالصندوق فاضطر الناس لقطعها لأنه رفض أن يتوسل لصاحب المقام كي يغفر له فتفك يده في قرارة نفسي قررت أن أكون أذكى من ذلك اللص و أخطف العشر قروش بأقصى سرعة ممكنه و لكنّي لم أستطع الإمساك بها فقد انفلتت من سرعت يدي و جرت مختبأة منّي خلف الكسوة الخضراء فصارت أرجل النسوة حائلا بيني و بين الوصول أليها جلست مرتكنا إلى الحائط عند الزاوية القريبة منها أنتظر أن تذهب النسوة كل إلى حالها حتى أستطيع الحصول عليها لم انتبه إلا و يد الشيخ محمد تربط على كتفي قائلا أصحى لقد حان وقت إغلاق المقام

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى