الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

غيرة وندم ،،،،،، قصة قصيرة للدكتور عبد الرحمن نجاح محسن


على جوانب مفترق الطرق الذي يؤدي الي المدينة وبجوار مشتلين كبيرين يكتظان بالأشجار والزهور والورود وبجوار كولدير ماء بارد يضع حمزة التريسيكل وعليه صفيحتان مليئتان بالبوظة،، يعبئ الاكياس الرفيعة والطويلة ويعبي بها جردل يحتوي على قطعتي ثلج كبيرتين وبجوار الصفيحتين نصف لوح ثلج مغطي بالقش ومفرود علي التريسيكل غطاء من الخيش اتقاءً لأشعة الشمس حين تتوسط كبد السماء،، حين ينتهي من تعبئة عدد لا بأس من الأكياس يحمل بديه عدد منها قد بردها الثلج ويمشي الي وسط مفترق الطرق،، عين على السيارات القادمة الي المدينة والمغادرة منها والأخرى على شاب طويل القامة محني الظهر قليلاً وفي مشيته عرج واضح،، ما أن يلمح حمزة سيارة تهدئ من سرعتها حتى يتحفز ويركز نظره عليها وحين يلمح يد تمتد يهرول نحوها ماذا يده الفارغة يتلقى الجنيه أولا ويمد يده بكيس بارد ثانياً،، ويعود بسرعة الي مكانه وهو يرمق الأعرج بعينيه وكأنه يعوض ما فاته،، يسرح قليلاً في حال هذا الرجل،، - يتجول في كل الأماكن، يلتقط زجاجات البلاستيك الفارغة من على الطريق ومن على شاطئ الترعة ومن صناديق القمامة بشوارع المدينة،، يمر الأعرج من هنا في تلك الساعة ليمسح المنطقة ثم يتجول في كل المدينة، ويري نسائها وبناتها الغيد ويتقلب عليه الحر والطراوة والندي والضوء والظل والشفق، ويستمع لشقشقة العصافير وينظر الي البالكونات يلمح الأقمار تسكنها، ويسمع ضحكات هنا وهناك، يلمح اطفال تلعب ومراهقين تلهو، وحين يتعب يدخل اي مسجد يغتسل ويصلي ويريح جسمه ويشرب ماءً بارداً، وحين يجوع يدلف الي اي مطعم ويأكل طعمية ساخنة في ساندويتش يفتح النفس،، ما أجمل حياة هذا الأعرج، يعيش حراً،، ويعود من طريقي هذا يحمل عدة جوالات من تلك الزجاجات الفارغة يحملها بكل سهولة، ويمن على ويشتري مني كيس بوظة بجنيه يشربه بارداً ويتكرع ويشكرني ويمضي،، بينما تكون رجليا ورمت من الوقفة وأذني توش من زمامير العربيات ومناخيري اتكتمت من الغبار وصداع في راسي وتعب في ظهري،، لو تعبت افرد جسمي لدقائق على الِشرب والحصي، أغالب جوعي طول اليوم،، ويتساءل حمزة يا تري كم يكسب الأعرج في يومه مع عيشته الجميلة دي وعمله السهل ده؟، لا بضاعة خايف عليها تفسد ولا مون ولا عدة،،، وحين يغيب الشاب عن ناظره يمشي حمزة الي التريسيكل ويمضي به الي بيته بالقرية المجاورة وكل مرة يمر بالأعرج يحمل الجولات الممتلئة يعميه تفكيره عن ان يطلب منه ان يركب معه،، وكل مرة يسال نفسه، - يعني يا حمزة ها تخسر ايه لما توصله معك،، - هو انا عارف هو رايح فين؟،، - وبعدين ده واد رخم يمد يده بالجنيه ويشتري البوظة ويمضي،، - يا سلام يا جدع، رغم أنه أعرج الا أنه بيدبي زي الرهوان، - وصحته بُمب بيشرب الكيس بق واحد،، وفى يوم اعتزم ان يتعرف عليه ويوصله معه ويستغل المشوار ليعرف كل شيء عن شغله وبيكسب كام منه.
،،،،،،
كان ابراهيم الأعرج الذي يجمع زجاجات البلاستيك الفارغة يمر بحمزة كل يوم مرتين منذ أن بدأ عمله في المدينة المجاورة،، يسكن قرية قبل قرية حمزة بكيلومتر واحد، وهو نازح اليها من قرية صاالحجر شرقية منذ عام واحد،، كان يباشر عمله من قبل مفترق الطرق حيث يقف حمزة،، عين تمسح الطريق وشاطئ الترعة ترصد الزجاجات البلاستيكية الفارغة، وعين على حمزة،، - يقف مستند على التريسيكل بجوار كولدير الماء البارد وبجواره أشجار وزهور في المشتلين المجاورين، وترعة يطرب صوت ضربات السمك فيها الأذن، - يا سلام عليه بياع البوظة ده،، يري عربيات اشكال والوان، ولما يتعب يجلس على شاطئ الترعة أو على التريسيكل،، - ويكسب وهو مرتاح،، بيبيع أيه يعني؟،، شوية دقيق وخميرة وسكر،، - والكيس بجنيه،، - وفى البرد والمطر أكيد بيشتغل شغلانة تانية او تلاقي اللي بيكسبه طول الصيف بيكفيه شهور الشتا كمان،، - عيني عليك يا ابراهيم يا غلبان،، - لازم تلف الشوارع طول النهار، حر شتا مش مهم،، والعيال ولاد الكلب اللي بيلموا الزبالة بالتريسيكلات بيشطبوا على الليفي صناديق الزبالة من خيرات قبل ما أوصل اليها برجلي العرجة،، - يا سلام لو الجدع بتاع البوظة ده يأجر لي التريسيكل اقضي به شغلي وارجعه له آخر اليوم،، أو يشغلني معه، أبيع البوظة نص يومية،، أهو اساعده بنص اجرة ونريح بعض،، بكرة اتعرف عليه واطلب منه يوصلني معه واستغل الموقف واعرف كل حاجة عن شغله وبيكسب منه قد أيه،، - واعرض عليه اما يشغلني معه او يؤجر لي التريسيكل بتاعه.
،،،،،
وفى يوم جميل كان كل شيئاً هادئاً، والنسيم عليل، والسيارات نادرة على الطريق، والريح رغم هدوئها قد أطاحت بكل الزجاجات الفارغة التي ألقتها السيارات المارة الي مياه الترعة،، تباطأ ابراهيم وهو يمر بجوار حمزة عند التريسيكل وألقي عليه السلام فرحب به حمزة كثيراً وتحدثا سوياً،، - محسوبك حمزة من عزبة العشرين،، - محسوبك ابراهيم من صان الحجر شرقية وساكن في السعيدية البحرية من يجي سنة كده،، - ده كده احنا جيران يا سي ابراهيم،، وتروح مشي كل المشوار ده،، لازم نروح سوا النهارده لما تخلص الشغل،، وانعقدت بينهما صداقة قوية على الفور وانتظر كلاهما نهاية اليوم بفارغ الصبر حتي انهما بكرا في انهائه ساعة عن كل يوم، ووضع ابراهيم شيلته على التريسيكل وركب في المقطورة ومد رأسه ليستمع لحمزة ويُسمعه،، وتبادلا الشكوى من العمل وتبادلا الدهشة والصمت عدة مرات،، خاصة عندما أفضي كل منهما بمكسبه من عمله ولام كل منهما نفسه علاما فكر فيه وخطط له،، ولكن لم يقاوم ابراهيم طموحه فاقترح على حمزة ان يؤجر له التريسيكل عدة ساعات في اليوم،، فقال حمزة في حسرة،، - يا ريت يا صاحبي،، - ده أنا مؤجره من صاحبه بالأسبوع،، وان شاء الله أخطط لان أدفع مقدم تريسيكل يكون ملكي،، وأردف حمزة يقاوم اغراء عرض ابراهيم،، - بلاش يا سي ابراهيم التريسيكل ده بتاع واحد مفتري ولو حصل له حاجة ها يشبحني،، قال ابراهيم،، - طب هو ها يحصل له أيه بس؟،، - ما تخافش،،،، - لأ أخاف يا عم،، - استني لما يبقي بتاعي او يمكن نتشارك انا وانت في واحد،، - ان شاء الله يا صاحبي،،،، وقبل ان يترجل ابراهيم في مدخل قريته اخرج من جيبه جنيهين فرفض حمزة بشدة وتبرم فاعتذر ابراهيم ونبه عليه حمزة – تنتظرني الساعة سبعة الصبح يا سي ابراهيم علشان اخدك في سكتي،، 
- ان شاء الله يا سي حمزة.
،،،،،،
وتلاقا مرات ومرات وتوطدت بينهما الصداقة،، ولم يكف ابراهيم عن إغراء حمزة بأن يؤجر له التريسيكل من الباطن،، ويعتذر حمزة بحجج كثيرة – يا سي ابراهيم اعقل بقي صاحب التريسيكل يرتاد المدينة باستمرار ولو شاهد معك التريسيكل ها تكون وقعتي أنا سودة،، - يا سي حمزة صلي على النبي كده وفتح مخك،، ما هي كل التريسيكلات شبه بعضها،، تردد حمزة ووعد ابراهيم انه سوف يفكر في الأمر بجدية،، وبالفعل كان حمزة يريد أن يوطد علاقة عمل مع صديقه الجديد تحسبا لقدوم الشتاء وقعدته بالبيت بلا عمل يغالب الجوع والحاجة،،، واتفقا على ان يذهبا بالتريسيكل مبكراً الي صناديق الزبالة في شوارع الأحياء الراقية يفرزونها سويا ويستأثرا بخيراتها ثم يعودا الي مفترق الطرق ليترك ابراهيم ما جمعه في عهدة حمزة، الذي يباشر عمله على الفور، ويعود هو ليجوب الشوارع والطرقات علي أن يعود مبكراً ليساعد صديقه في بيع اكياس البوظة وتغطية كل اتجاهات مفترق الطرق لتعويض ما فات حمزة،،، وغمرت السعادة الرجلين وسيطر عليهما الحماس بعدما أصبح لهما هدف اتفقا عليه،، أن يدخرا بجدية لاقتناء تريسيكل،، يضع كل منهما في الحصالة عشرة جنيهات كل يوم جمعة،، وأخذتهما الأحلام بمستقبل جميل وحياة مريحة،، واستمر النجاح عدة أسابيع مرت بهما كأنها ساعات،، وفى صباح باكر أغبر،، ليته لم يطلع عليهما،، بينما يفرزان صندوق قمامة عامر بالخيرات فوجئاً بكتيبة من التريسيكلات تحيط بهما من كل جانب،، ونزل شخص ضخم وأمسك بإبراهيم وصحبه وهو يقول، - سكتنا لك دخلت بحمارك، وضرب حمزة كف قوي على قفاه،، غمغم ابراهيم وتهته حمزة،، فأردف الرجل، - مش أنت بتاع البوظة؟، - أيه جابك هنا؟،، - بتنظر لنا في لقمة عيشنا؟، وضرب حمزة بقوة عدة مرات،، اعترض ابراهيم، فلم يضربه الرجل الضخم،، شعر ابراهيم بالعار فقال للرجل الضخم،، - اضربني أنا،، قال الرجل الضخم- اضربه هو لأنه دخيل على المهنة وعينه وحشة وبص لنا لقمتنا، وأردف قائلاً، - وسأحطم التريسيكل بتاعك لأنك لم تستأذن مني ولا تدفع الإتاوة المقررة،، فصرخ حمزة،، - سأدفع،، فضربه الرجل الضخم بقوة فبكي وصرخ واستغاث وانتحب حمزة وهو يرتعد، واشار الرجل الضخم لرفاقه فحطموا التريسيكل تماماً في لحظات مرت بحمزة وصحبه كدهر مديد،، مضت كتيبة الزبالين واقعي حمزة وصحبه يصرخان ويبكيان ويعويان ويلطمان خدهما ويتمرغان في الأرض لساعة،، لم يعرهما اي مار في الشارع أو ناظر من شباك أو بلكونة أي اعتبار،، لم يلُم حمزة صديقه ولم يتهرب ابراهيم من المسئولية فاتفقا ان يدفعا كل ما ادخراه وكل ما يملكانه ثمناً لإصلاح التريسيكل على أن يلتزم كل منهما بعمله مع استمرار الصداقة القوية بينهما،، ونفضا عنهما حلمهما وألقيا بطموحهما في صندوق القمامة وحملا التريسيكل المحطم تماماً ومضيا في طريقهما يغرقهما الحزن وينهشهما الندم وتفتك بهم الحسرة.

Sponsored Links

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى