الارشيف / ثقافة وأدب / ابداع

قصص ل عاطف عطيت الله

الفـيــْـلة
 
 "  ...  جاء في مكتوب قديم ، يعود عمره
                                                   إلى أكثر من قرنين من الزمان – كتبه أحد                                                                    حكماء البلدة – أنه في ذات ربيع أتى وفــد
                                                    من بلاد ( العيون الحمر ) .. يزور العاهـل
                                                   المهاب ، ويسيح في البلاد ، وكان محملا
                                                        بالهدايا ، و .. ( خط غير واضح ) ... وظلت
                                                 القرود ، لمدة طويلة ، تتقافز، وتعبث ،
                                                     وتخرب حتى .. ( تمزيق فى الصفحة )  ...
                                                   ولكنهم استطاعوا بتقواهم ، وأدعيتهم أن
                                                يفتكوا بهذه القرود حيث أصيب بعضها
                                                        بالشلل ، حتى مات جوعا ، بينما عانى البعض
     الآخر من أنفلونزا شديدة  قبلما يلقى حتفه ..  "
 
 
 
 
 
1ــ  نزهــــة  
 
 
    .. قدم إلى البلاد ملك بلاد ( الواك واك ) ، ويقال أن الملك المعظم أرسل فى استقباله      آلافا من الفرسان ، والجنود ، والمعاونين ، والخدم ... 
   ثم حكى ــ بعد ذلك ــ من استطاع أن يتوارى عن أعين البصاصين ، وينجو بنفسه ،           أن موكب الملكين كان جليلا ، ومهيبا ، وممتدا على مدى البصر ، وكان في المقدمة        فرسان أشداء يمتطون الخيول وقد حمل بعضهم الرايات الفاخرة ، ذات الألوان المختلفة ،     كما كان في نهاية الموكب الكثير من العبيد السود العراة يسوقون فيلا ضخما ممصوص         البطن ، رمادي اللون ، شديد بياض النابين ، يصيح وينفر ، لكن لسعات السياط              تجعله يواصل تقدمه ، دون أن يكف عن العبث بخرطومه الطويل بكل شيء يصادفه  . 
 
   واستقر الملكان إلى جوار شلال أحد الوديان يقهقهان ، ويتبادلان ضرب                     الأكف ، وهما يستمتعان بنصح الوزراء ، ونوادر الظرفاء ، وحديث الحكماء ، وتبارى الفرسان   والعبيد في المسابقات التي قتل فيها من قتل ، وجرح من جرح ، بينما انشغلت مجموعة       من العبيد في جني ثمار بعض الأشجار التي ستحمل إلى بلاد ( الواك واك ) ... 
   وقبل أن يختفي قرص الشمس وراء الجبل ، كان الموكب قد استعد للمغادرة ، وبأمر        من ملك البلاد المعظم ، سار الموكب في طريقه إلى القصر منظما هادئا مطمئنا كما جاء  .. 
 
 
 
 
2 ــ  الهديـــــــة
 
   وقتما أصبح الظهور مباحا ، فتحت الأبواب ، والنوافذ ، وخرج الناس                      فرادى  ، وجماعات ، قاصدين الحقول ، والأسواق ، والأنهار ، و الحانات ... 
   ـ على فترات ـ فوجئ الجميع بالفيل يسد إحدى الطرقات ، وهو واقف يلتهم                     كومة من الحشائش الخضراء ، وقد يرفع عينيه ناظرا إليهم دون خوف  ! ..
   وكما زحفت الشمس إلى وسط السماء ، سرى الخبر بين أهل البلدة : تلك هدية             الملك   المعظم ، وقد وهبها لشعبه الودود  !!... 
 
   وبعدما انطوت الأيام ، والشهور .. تأكد للناس أن الفيل ــ الهدية ــ الذي انتفخ بطنه ،       وزاد  حجمه ، وثقل وزنه ( ... واستهوته الحقول ، والبساتين ، والأسواق ، ومراكب       الصيد ، فراح يدمر ، ويخرب حتى استحال الأخضر إلى يابس ، وباع الأرض ، والزرع        من باع ، وسجن من سجن لعجزه عن سداد القروض ذات الفائدة العالية الخاصة بخزانة   رعاية العوام بالقصر ، فشاخت أسواق ، واختفت أسواق ، وتفشى الغلاء ، وسخر           الناس من نصح العلماء ، ووعظ الحكماء ودعوتهم بالصبر على البلاء !  ) .. لم يكن ذكرا !! .. 
   وهكذا .. صارت الفيلة محور الأحاديث ، وأساس التنادر في القيام ، والقعود                 داخل البيوت ، والحانات ، وفى الطرقات ، كما أصبحت مقياسا للزمن ، والأحداث ، كأن يقول    الرجل لصاحبه : لقد أقرضتك المال قبل أن تفعل الفيلة كذا ، وكذا ! ... 
 
 
 
 
  3ــ لـقـــــــاء
 
   مع مرور السنين ، ضاق الناس بالأمر ، واستبد بهم الغضب ، وكما اشتعلت                   في صدورهم النار ، دارت في رؤوسهم الأفكار ، والحيل حول كيفية التخلص من                تلك الفيلة ، ولم تعد تكفيهم النكات ، أو الكلمات التي يصفون بواسطتها حالهم ،            وينفسون عن أرواحهم  ...  
   وكان في ذات صباح أن اجتمع كبار التجار ، والبحارة ، والفلاحين ، وبعض                  ممن يدعون العلم ، وقلة من الشيوخ ، وقد التف حولهم كثير من أصحاب                    الحرف البسيطة ، كالبنائين ، والنجارين ، والحدادين ، والنقاشين ، وطارقي النحاس ..    لبعض الوقت ، وفى شيء من السباب ، والغضب الذي يتخلله ضحك وبكاء ، أخذوا      يتبادلون أطراف الحوار ، والعديد من الأفكار ، ورغم الخوف ، والتردد ، وانسحاب       الكثيرين ، وإعلانهم عدم المشاركة .. اتفقوا على أن يجمعوا مائة رجل يمثلون الشعب في   شتى طوائفه ، وطبقاته ، ويرفعوا الأمر إلى صاحب الجلالة الملك المعظم بلسان رجل واحد  .. 
 
 
   وفى صباح اليوم التالى .. ( وبعد ساعات من الإلحاح ، والترجي ، والمطال ! .. ) 
 
استطاعوا الدخول إلى الملك المعظم ، فطأطأوا جباههم من فورهم ذلاً ، وولاءً وتعظيماً .      كان قد راعهم منظر البهو الملكي بفخامته ، وجدرانه العالية ذات الرسومات ،            والأشكال العجيبة ، وسقفه المنمنم المرفوع على أعمدة مستديرة ضخمة منقوشة ،       ومطلية  بماء الذهب ، كما زاغت أبصارهم بين مداخله ، ومطالعه المتعددة التي عجت    بحرس كثيرين ما بين السياف ، والرماح ، والنبال .. ولاحظوا في نفس الوقت أن            دخاناً خفيفاً متناعسا ، يشيع من جوانب البهو ، قد تسرب إلى أنوفهم ، فامتلأت           صدورهم بروائح مختلطة وذكية  ــ  لم يشموها من قبل ــ  من العطور ، والبخور ... 
 
   .. تقدم أحدهم منحنياً حتى كادت تلامس جبهته إحدى درجات العرش الملكي           المصقولة ، والملساء كسطح المرآة ، ثم تقهقر خطوتين إلى الوراء ، واعتدل ممجداً        الملك ، داعياً له بدوام السلطان ، والصحة والعافية ، معدداً مناقبه ، مثنياً على              عطائه ، وإدارته لمملكته بين الممالك ، موضحاً رضاء شعبه واعتزازه به ، ثم استأذن         في عرض حاجتهم ، فما كان من الملك إلا أن ابتسم ، وهو  يهز رأسه زهواً ، وعجباً ، ثم    عاد بظهره إلى الوراء مستنداً إلى عارضة عرشه الذهبي المزدان بفصوص من           الأحجار الكريمة اللامعة ، مريحاً يده اليسرى على فخذه ، مشيراً بيمناه إشارة تعنى القبول  . 
 
   .. قال ( كبير التجار ) : 
   ــ  يا أيها الملك المعظم .. الفيلة  ! .
   وجاء الأمر على غير المتوقع ، أو المتفق عليه ، فما تكلم ، أو بدأ بعرض شكواه            أحد ، وفى رهبة وبطء التفت الرجل إلى حشده يستحثه بعينيه على النطق ، لكن الحشد        كان قد غرق في صمت عميق .. كان بعضهم قد رأى الأمر سخيفا ، وأن هذا الرجل                ــ الملك المعظم ــ بوجهه شديد الحمرة ، ولحيته البيضاء الخفيفة لا ينبغي أن يشغل بمثل      هذه الأمور ، ألا يكفى أنه سمح لهم بالدخول ، واستعد لسماع ما يقولون ، بينما تمنى أكثر    من رجل لو يغيبون عن الوعي ، ثم يفيقون ، فيجدون أنفسهم خارج أسوار القصر ! . 
 
   عاد ( كبير التجار ) ينظر إلى الملك المعظم ، وهو لا يدرى ماذا يقول ، أو كيف         يتصرف ؟! .. فهز الملك المعظم رأسه ، وتأمله بعينين حادتين مستفسراً ، فتملكه رعب     شديد ، وقال متلعثماً (  وقد رفع من صوته الذي احتلته بحة عظيمة  ) : 
   ــ  مولاي .. الفيلة  ! . 
 
   وهنا ضاق صدر الملك المعظم ، وأوشك صبره على النفاد ، فأرسل بصره                     لمن حوله ــ كان لباسهم الرفيع يدل على أنهم من الوزراء ، والمقربين ، وعلية              القوم ــ  ثم صاح فيه مغتاظاً  : 
 
   ــ مالها  ؟! ...       
   
ولما لم يتغير شيء ، وكان الغضب قد بدأ يغزو ملامح وجه الملك المعظم                        شيئاً ، فشيئاً ، فكر الرجل أن يلقى ببصره إلى هؤلاء الذين اصطفوا من خلفه ، وكأن          على رؤوسهم الطير ، تمنى لو يستطيع الصراخ مستغيثا ً، أقسم في نفسه أنه مستعد لأن    يهب كل ما يملك لمن يجعله يرى أولاده ، وزوجته مرة أخرى ، شعر بحنين غريب لكل      شيء ، حتى لتجارته الكاسدة التي لم تمته ، أراد أن يرتمي تحت قدمي الملك المعظم ،   ويقبلهما طالباً العفو والسماح ، واعتباره كبهيمة ترعى في الحقول قد ضلت طريقها ،       نضح عرقه غزيراً حينما رأى نفسه مشدوداً من رجليه إلى أحد أبراج القصر ، و ! ...
   جاءه صوت الملك المعظم غاضباً :
 
   ــ  قلنا مالها  !؟ !... 
 
   كانت صيحة الملك المعظم قد جعلته يصاب برعدة ، ودوار شديدين ، فغامت                 الدنيا في عينيه ، لكنه تماسك حتى لا يسقط على الأرض ، داعياً الله بقلبه أن ينجيه             من كربته ، متوسلا بصالح أعماله أن يكون ما فيه مجرد كابوس ثقيل لا يلبث أن يصحو      منه لاهثاً غارقاً في عرقه ، فيمد يده إلى قارورة الماء ويشرب ، وعلى غير إرادة انسلت      منه ريح ، وقفزت إلى رأسه صورته والحرس يجرونه عارياً ، فتحسس لباسه             المتعرق مبتلعاً ريقه في صعوبة ، وهو ينظر إلى الملك المعظم بعينين حائرتين         مدهوشتين ، غير أنه ــ أخيراً ــ أحس ببعض الراحة لحظة أن راودته إحدى الأفكار ،       فمسح وجهه  بيديه المرتعشتين ، وابتسم قائلاً في شيء من الثقة ، والارتباك  : 
 
ــ إنها .. إنها يا مولاي تشعر بالوحدة .. وتحتاج إلى ذكر  !! ...
 
   و .. ( صفحات مفقودة ) ...  
 
 
ــ تمت ــ
 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا