ثقافة وأدب / أخبار ثقافية

اخبار الثقافة الان .. بعد روايتها «مسك التل».. سحر الموجى: الأحلام تقود بطلاتى لكتابة «تاريخ بديل»

اسرار الاسبوع • لا أعتبر الكتابة النسوية تهمة تحتاج إلى أى دفاع.. ولم أتعمد الحط من أقدار الرجال فى الرواية
• لم أشأ الاقتراب من فكرة الثورة.. وراهنت على معنى الخلاص
• شخصية «أمينة» بداخلنا جميعًا.. و«سى السيد» تحول لنمط و«كلاشيه» روائى
• الأدب يعطى سببًا للاستمرار فى الحياة
• نجاح «نون» حولنى لـ«فقاعة» فى هواء جديد لم أتنفسه من قبل أبدًا
• لا توجد شخصية تماثلنى أو تمثلنى وحلمى أن أصبح «أمينة» وأنا فى السبعين

فى مقطع من روايتها الجديدة «مسك التل» الصادرة عن دار الشروق تتحدث واحدة من بطلات الكتابة سحر الموجى عن الكتابة بوصفها بديلا عن الشكوى ومرادفا لمعنى «الرؤية» التى تعنى امتلاك وجهة نظر إزاء الكثير مما يجرى حولنا فى العالم، وطريقة للتعامل مع أرواحنا وترميم ما فيها.

Sponsored Links

هذا المعنى يصل إليه القارئ المتمرس وهو يتصفح الرواية التى تبدو نتاجا لعمل تركيبى كبير استغرق عشر سنوات من العمل تفصل بين الكاتبة وروايتها «نون» التى صدرت فى عدة طبعات وكرست لاسم صاحبتها بين كتاب وكاتبات جيلها.. شغوفة بالحكى، وداعية لمراجعة كل ما هو مستقر والتمرد عليه.

تدور الرواية حول مجموعة من النساء يسكن بيت السيرينيات، وهن بطلات أشهر الروايات العربية والعالمية، لكن الكاتبة تعطى لهن حياة جديدة، نتابع فيها «أمينة» بطلة ثلاثية نجيب محفوظ و«ليلى» بطلة «الباب المفتوح» للطيفة الزيات، و«عزيزة» بطلة رواية الحرام ليوسف إدريس، وحتى «كاثرين» بطلة «مرتفعات ويذرنج» لإميلى برونتى، وكل هؤلاء يأتين لمشاركة «مريم» الطبيبة النفسية التى خلقت الموجى حولها «نواة» للسرد استعادت معها واقع هؤلاء البطلات وهمومهن التى أصحبت معاصرة على نحو ما.

غامرت الموجى بعملية صهر كبيرة دمجت سردها مع مقاطع من تلك السرديات الخالدة، وخلقت لبطلاتها مصائر جديدة تحررهن بها من أسر الذاكرة، وأعدن عبرها قراءة الماضى والنظر فى مرايا الحاضر ورمت حولنا بظل فرجينيا وولف بكآبتها وروحها الهشة وأرادت أن تنتهك بهذه الجدارية الأزمنة، وتطرح الأسئلة الوجودية التى لا تنتهى عن «الهويات» وعن «توطين الشك» عن فرص المواجهة ومقاومة الحنين.

تملك سحر الموجى حماسا لا يمكن تفاديه وأنت تحدثها أو تستمع لتجاربها فى الأمومة والتدريس والحكى، من النادر أن تعثر عليها وحيدة فهى دائما وسط مجموعة من طلابها ورفاق انشغالاتها المتعددة، تتبادل معهم الخبرات ولا تقودهم أبدا فهى مؤمنة بحاجتنا إلى حوار «رايح وجاى» أشبه بمبارايات تنس الطاولة.

ذهبت اليها قبل ساعات من سفرها إلى الولايات المتحدة فى مهمة علمية، وفى ذهنى أن ما بيننا هو نقاش حول عمل ثرى تبادلنا حوله الانطباعات والتساؤلات التى حاولت فيها أن أمثل القارئ وهو يحاول فك شفرات العمل.

بدأت بالسؤال عن «بيت السيرينيات» التى يشغل حيزا واضحا فى الرواية، ففى الأسطورة اليونانية تغوى السيرينياتُ البحارةَ بأصواتهن الجميلة وتخطفن ألبابهم فينجذبون ويهوون إلى حالةٍ عشق جارفة تقودهم إلى حيث يكون إما بحر الظلمات والهلاك وإما شاطئ الأمان.

وصور الشاعر الإغريقى هوميروس السيرينيات فى ملحمة الأوديسة.. تقول الأسطورة إن أوديسيوس سدَ أذان بحارته بالشمع وطلب اليهم قبل ذلك أن يقيدوه ويشدوا وثاقه بصارية السفينة.. حتى إذا دخل بحر الظلمات وظهرت السيرينيات وبدأت تصفر وتغنى فلا هو يستطيع اللحاق بهن ولا البحارة يسمعون وبهذه الطريقة نجا أوديسيوس وبحارته، تقول الموجى: ظهر «بيت السيرينيات» فى الرواية بعد أن كتبت أجزاء لا بأس بها، وأردت أن أخلق بيتا يجمع بطلاتى كلهن فى سياق واحد ولمعت فى رأسى الفكرة ووجدت أننى أحتاج لرمز له حضوره الأسطورى على نحو يتيح فرصا للتلاعب بالزمن ليؤسس لزمنه الخاص فى ذاكرة القارئ، وأردت أن أضع لبيتى اسما فوجدت أنه «بيت السيرينيات» لارتباطه بفكرة النداء، فالسيرينيات هى «النداهة»، وفى الرواية يوجد هذا البعد على نحو ما، فبطلاتى لديهن نداء غامض دفع بهن إلى المغامرة والاختلاف وأردت أيضا نقد هذه الأسطورة والانحياز لفكرة «الهلاك» المتضمنة فيها أيضا.

ومن ناحية وجدت أن البيت معادل للنداء، وقادر فى نفس الوقت على بناء صلات تتجاوز الزمن فهو أقرب لـ«عمود فقرى» ماسك لمختلف المصائر ويشجع القارئ على النظر لبطلاتى مريم وكاثرين وأمينة بوصفهن «سيرينيات»، وفى تصورى أن النداء متحقق فى واقعنا اليومى على نحو ما، لأننا ننادى طوال الوقت على أشخاص وأفكار نفتقدها ونرغب فى وجودها لنستمر.

• وكيف يمكن للقارئ أن يقبل بالجمع بين شخصيات من أزمنة وبيئات مختلفة داخل نسيج سردى واحد؟
ــ هذا الأمر هو جزء من متعة الكتابة التى تقوم على تواطؤ مشترك بين الكاتب والقارئ، وانظر مثلا لشخصيات «مسك التل» فهن خالدات، فأمينة على سبيل المثال حاضرة فى الوعى الجمعى بوصفها رمزا للخنوع وفقدان الإرادة أمام زوجها السيد أحمد عبدالجواد تفيض حنانا كأم لأبنائها، غير أن هذا التصور على الرغم من شيوعه فإنه سطحى على نحو ما، لأننا نكتشف داخل الشخصية نتوءات وفراغات تطرح أسئلة وتحتاج إلى إجابات ولقد سعيت لذلك واكتشفت أن بداخلنا جميعا سواء الساء أو الرجال وجود لـ«أمينة».

ومنذ أن قرأت ثلاثية نجيب محفوظ وأنا مراهقة ولدى سؤال: لماذا لم يمنح لها الكاتب مساحة سرد موازية كتلك التى أعطاها لزوجها السيد أحمد عبدالجواد والذى يبدو بدوره أداة لقمعها؟

وكانت إجابتى أن محفوظ لا يكتب إلا عما يعرف، وبالتالى لم تكن لديه مداخل أو مفاتيح للتعامل مع الشخصية وبالتالى بدت «أمينة» نموذجا أو «نمطا» أكثر منها شخصية روائية بالمعنى الفنى، لذلك تم تسطيحها، فى حين أن السيد أحمد عبدالجواد شخصية من لحم ودم فيها تناقضات وتتسم بالحيوية واللافت أنها تحولت فى الواقع لـ«نمط» أو «كلاشيه» وأداة للقياس، بمعنى أننا صرنا نحيل نماذج الواقع إلى النموذج الذى خلقه نجيب محفوظ من الفن، وهذا جانب من تحدى الخلق الفنى ومهارة الكاتب.

• لكن هل كانت الحيلة الفنية التى تجمع كل هؤلاء البطلات مقنعة للقارئ؟
ــ أرجو ذلك.. لكن ما شغلنى فعلا هو إقناعه باللعبة كاملة، وأن يقبل بقوانين الصراع وفكرة التعايش، لذلك استغرقت الرواية فترة طويلة فى الكتابة، وبدأت انطلاقا من هاجس وليس التزاما بخطة عمل محددة، وكانت كل شخصية ترغب فى أن تسلك مسارا خاصا لكنى رغبت فى خلق «ضفيرة» تجمع بين خصلات كثيرة يسهل الاستدلال عليها، وفى المقابل يصعب فصلها عن النسيج، ومن ثم كان رهانى على قوة الحبكة وما تسميه أنت بـ«السبيكة» الروائية.

• هل خفت مثلا من أن يتصور القارئ أن بطلاتك قادمات من خلفيات معروفة وبالتالى هن «نماذج جاهزة» لا يقبلن فرصة الخلق الجديد؟
ــ هذا أول نص اكتبه فى حياتى، وأنا لا أعرف مصير أبطالى لأن المصير تشكل خلال الكتابة، وما تطرحه عن توقعات القارئ هو موضوع إشكالى بالمعنى النقدى أيضا، لكن من وجهة نظر فنية تماما أتصور أن علاقتى بالنص انتهت عند طرحه فى المكتبات وصرت أنظر اليه باعتباره كيانا منفصلا عنى، وهذا جانب من جوانب المتعة.. أن تحرر نصك وتتحرر منه.

• الواضح ان اختيار البطلات القادمات من أعمال راسخة لم يكن عشوائيا ومما له دلالة واضحة أنها كلها شخصيات نسائية مقموعة باستثناء «ليلى» بطلة الباب المفتوح، فهل جاءت فى روايتك لترد على هذا القمع عبر كتابة جديدة؟
ــ أعترف بأن هذا الأمر لم يكن اختيارا واعيا عندما بدأت، لكن من الواضح أن هذا ما وصل إلى القراء وأنا لم اخطط لذلك بدليل حضور «ليلى» المناهض لكل أشكال القمع.

• لكن لماذا فكرت غالبية القراء فى ذلك ورأت أن الأمر له علاقة بانشغالاتك كداعية للنسوية؟ وهل النسوية تهمة؟
ــ النسوية ليست تهمة، وعندما يأتى من يقول إن «مسك التل» رواية نسوية أرد ببساطة هذا الربط، وأنا شخصيا لا تؤرقنى هذه القراءة، لكن ما أخشاه أن يُسقط القارئ على النص تصوراته عن خلفية الكاتب، وهو أمر معطل للقراءة، وعادة أنهى التشكك حول هوية نصوصى بالإعلان عن هويتى ككاتبة نسوية، كما لا أفترض مثلا أن كل القراء على وعى بتاريخى واهتماماتى الشخصية، وتصورى أن هناك مأزقا آخر مرتبط بتعامل الوعى العام مع النسوية وفهمها وأغلبه مؤسس على تشوهات وعدم وعى وسعى لاختزالها كحركة مناهضة للرجال وهذا ليس صحيحا، ولفت نظرى أن اصحاب هذه الملاحظة على موقع «جود ريدز» دائما من النساء.

• وما هو تفسيرك لضعف حضور الرجال فى النص؟
ــ دعنا نتأمل شخصيات الرجال بالرواية فى سياقها الفنى، ونبدأ بـ«ناجى» حبيب «مريم» الذى لم تكتمل قصته فى مقابل «رءوف» الزوج الذى قمعها وكان سببا للأزمة التى لاحقتها طوال الرواية، وبدا حفيدا على نحو ما لـ«سى السيد» فى رواية نجيب محفوظ.. ما أود قوله هو أننى لم أتعمد تنميط الرجال أو الحط من قدرهم فى العمل، بل كثيرا ما سألت نفسى وأنا أكتب أيضا: أين الرجال فى الرواية؟.. ورأيت أن لى الحق فى الكتابة عن العالم الداخلى للنساء لأننى أعرفه بشكل أفضل والرجال موجودون فى الرواية بقدر الحاجة لأن الفاعلية داخل النص كانت للسيدات وهذا انتخاب فنى وليس موقفا اجتماعيا.

• تحتل البيوت مساحة لافتة للنظر وبخلاف «بيت السيرينيات» تبدو البيوت كلها فضاءات للألفة والحميمية وما هو خارج البيت بالضرورة هو قابض ومخيف وشبحى على نحو ما!
ــ عندما أستقبل الآن ردود أفعال القراء فإننى أفكر كيف أن أى امراة تعتبر البيت مرتكزا للأمان ويبدو مسعاها كله للحفاظ على هذا المرتكز خوفا من فقده، لأن ذلك يعنى انعدام الأمان وأنا بطبعى أمتلك هاجسا تجاه البيوت.

• ماذا عن حالة «الونس» التى يشيعها النص فى تناول المكان الشعبى داخل السيدة زينب والغورية، وكيف بلغت هذا المستوى من «ألفة العالم» والحنان القديم للمدينة إن جازالتعبير؟
ــ أحببت شخصيات الرواية وأردت خلق هذه الألفة، وربما أردت بها مواجهة قسوة اللحظة الراهنة وإظهار حالة من التضامن الإنسانى فالأدب يعطى دوما سببا للاستمرار وهذه وجهة نظرى فى الحياة، فالحياة تعاش وتستمر بفضل الأشياء المطمئنة بين الأصدقاء وهذا هو ماء الحياة الذى يتدفق باستمرار فلا يمكن فهم حنان أمينة إلا على ضوء عنف كاثرين وقسوتها.

• على الرغم من ذلك فإنه يبدو أن هناك «خوفا» يتمدد داخل الرواية؟
ــ الخوف طرح نفسه منذ أول لحظة وكنت أعتقد أنه سيتجلى فقط فى ممارسات كاثرين وعنفها ورغبتها فى مغادرة المكان والتحرر منه بحثا عن ولادة جديدة، لكنه ظل يتمدد داخل النص، لأن كل الشخصيات مهددة بوحدتها.

• لدى ملاحظة عن تعاملك مع الجسد داخل الرواية، فكل الشخصيات تعانى اغترابا عن جسدها، فالبطلات لم يتورطن أبدا فى اقامة علاقات جسدية.. فهل رغبت فى كتابة رواية تجرد الرغبة كأن هناك قصدا فى ازاحة فكرة وصمت جيلك بأنه «جيل الكتابة بالجسد»؟
ــ أعتقد أن التحدى فى «مسك التل» ارتبط أولا بتجاوز كل ما شغلنى فى «نون» حيث كانت الحكاية تروى من خلال ربة الجنس.. والأكيد أيضا أن وعيى بفكرة الجسد مر بتحولات كثيرة وتنامى بشكل لافت وما تقوله صحيح فيما يخص الاغتراب الكامل عن الجسد وهذا يفسر سلوك بطلاتى، و«مريم» تحديدا لديها أزمة وجودية تخلصت معها من حالة تحول فيها الجسد إلى «ثقل» وقد سعت للتخلص منه ودفعه خارجها.. فهى فى حمام «بيت السيرينيات» تسعى لاسترادد وعيها بمسام جسدها كأنها تزيح عنها تاريخا من القهر والهزيمة الشخصية لذلك عندما تعافت عادت للطبخ كأنها استعادت فى هذا الطقس قدرتها على الخلق واستردت شغفها بالحياة وأيقظت حواسها من جديد.

• هل هذا يعنى أنك تخلصت من عقدة نجاح «نون» وقفزت فوقها؟
ــ نالت «نون» حظها من النجاح وقفزت بى لدوائر أكثر اتساعا من تلك التى بدأت معها، ليس لدى تصور جاهز عن القراء، لأن القراء كيان كبير يصعب اختزاله فى فكرة واحدة وما أدركه جيدا أن «نون» جاءت لى بقراء لا أعرفهم، كما أنها حررتنى من شعورى بأننى أكتب لأصدقائى الذين بدأت معهم فى إطار كتاب «التسعينيات» فقد كنا مجرد شريحة أو«قبيلة» معزولة فى «جيتو» تتبادل النصوص والانطباعات ومن النادر أن نتجاوز هذه الدائرة، لكن فجأة تغير كل هذا وظهرت أجيال أخرى أظهرت شغفا بالعالم الذى طرحته «نون»، وكان هذا دافعا لأن أتحول إلى «فقاعة» فى هذا الهواء الجديد، لذلك فقد رغبت فى اللهاث وراء شخصيات «مسك التل» حتى أضع التجربة كلها خلفى وأنظر ورائى فى غضب والأكيد أننى كنت أكتب بحثا عن خلاص ما، لذلك توقفت طويلا بعد «نون» أتامل ما جرى وعندما عدت للكتابة بدأت بدون رهانات على القارئ، وإنما محاولة لإشراكه فى ملء فراغات النص لأنه تحول إلى «شريك».

• تعتمد «مسك التل» على عمل تركيبى يمزج بين سرديات أخرى حاضرة ويجاور بينها، وهو نموذج شاع مع نماذج كثيرة منها مثلا رواية «وراق الحب» للكاتب السورى خليل صويلح، أو «الطريق لتل المطران» و«مصابيح أورشليم» للعراقى على بدر، فمتى قررت سحر الموجى استعمال هذه التقنية التركيبية؟
ــ لم تكن فى ذهنى نماذج مسبقة ولم أبحث عن مرجعيات من أى نوع، فقط سألت وبحثت عن «كاثرين» وهل حدث أن استخدمها كتاب جاءوا بعد إميلى برونتى؟، وكانت بـ«لا» مشجعة لأبدأ عملى، وهذا التحدى كان يعنى العودة للنصوص أو «الخلايا الأولى»، وبدأت بتحديد الفقرات ثم نقلها لبطاقات إلى أن جاءت عملية التركيب وكنت أتأمل مسار الشخصية وأطرح تساؤلات تراكمت فوق طبقاتها فى النصوص الأولى وشعرت بمزاج كبير خلال «تعشيق» النصوص فى سبيكة واحدة والحفاظ على مستوى لغوى واحد ليقرأ القارئ بدون مطبات أو شعور بتفاوت النصوص وحيويتها وكان على أن أشعره بأنها نتاج حياة واحدة فى زمنين مختلفين والتحدى الأكبر للرواية هو انتهاك الأزمنة.

• كل كاتب يخلق شخصية روائية تبدو هى الأقرب لروحه فأين يمكن العثور على سحر الموجى من بين شخصيات «مسك التل»؟
ــ لا توجد شخصية تمثلنى أو تماثلنى فى الرواية، لكن عندما أبلغ السبعين ربما أتمنى أن أكون فى بساطة «أمينة» لأملك رضاها عن نفسها وتسامحها تجاه العالم وأن أؤمن بالحياة كما تؤمن بها، لكن أعترف لك أن «مريم» كانت الشخصية التى واجهتها فهى مختلفة عنى تماما واحتاجت إلى «بحث» مجهد وكتبتها بنوع من الصبر و«طول بال».

• خاصة ونحن نعرف أن وولف نموذج يجرى استعماله دائما فى الروايات النسوية تحضر الكاتبة الإنجليزية الشهيرة فرجينيا وولف التى توفيت فى العام 1941 داخل الرواية ويبدو طيفها مسيطرا على شخصياتها بما فى ذلك والد «مريم» الذى يترجم خطابات وولف كما تترجم «مريم» بعض نصوصها، فما هى دلالة هذا الحضور؟
ــ هى المرة الأولى التى أستعمل فيها فرجينيا وولف، لكن بشكل نظرى تماما فرجينيا كانت تشكو فى كتابها غرفة تخص المرء وحده من افتقادها لجدات أدبيات، وأنا عندما اكتب فإننى أنظر لها بوصفها جدة أدبية أو مرجعية مثلما أنظر الآن لرضوى عاشور أو لطيفة الزيات وما أراه أن الكاتبات الآن فى وضع أفضل لأن خبرات كثيرة تراكمت فى المجال.

أما حضور فرجينيا فى الرواية فقد جاء لخلق «قناة عبور» بين الأزمنة، هى برزخ وهاجس لدى «مريم» ومن الوارد جدا أن ترى فى شخصيات الرواية انعكاسا لظل فرجينيا وأزماتها التى قادتها للانتحار، للعلم لم تكن فرجينيا وولف موجودة فى المسودات الأولى للكتابة، لكنها خلقت لنفسها هذا الحضور وبدت باعتبارها حاجزا زجاجيا ترى فيه البطلات ظلا يمكن أن تستند اليه.

• منذ عملك الأول «سيدة المنام» والأحلام تحتل مساحة كبيرة فى أعمالك، وفى «مسك التل» تبدو باعتبارها تقنية سردية وملجأ للشخصيات ومعملا لحسم أزماتها؟
ــ هذا صحيح.. فالأحلام تخدم فكرة الانتقال من زمن لآخر، ومن خلالها تمددت «مريم» فى الثقب الأسود أو أزمتها لتأكيد خط عزلتها، فى حين تمكنت «أمينة» ــ عبر الحلم ـــ من تأمل علاقتها بابنها «كمال»، وبهذا المعنى كانت الأحلام جزءا فى «لحم» النص.

• شعرت وأنا أقرأ بأن الرواية راغبة فى «توطين الشك» بفضل أزمات شخصياتها؟
ــ هذا موجود لحد كبير، فأمينة بصورتها الجديدة جاءت لتخلخل المعرفة المستقرة وتحاكم وعينا المتراكم حولها والنص إجمالا يحمل جزءا من كيانى فى إيمانى برفض أى يقين لأن اليقين يعنى الموت.

• من يعرف لغة سحر الموجى ربما يدرك كيف تم الانتقال هنا لمستوى لغوى متحرر تماما من المجاز الشعرى لكنه قادر على أن يتمتع بقدر كبير من الصفاء؟
ــ اللغة تمثل تحديا كبيرا لأى كاتب.. وهنا بالتحديد كان سؤالى كيف أنجو من لغة «نون» التى تعبر عن مرحلة تجاوزتها فنيا وكيف أضمن لكل شخصية لغة تماثل المصدر الأول الذى جاءت منه، وفى الوقت نفسه أمنحها لغة مطابقة للسرد الأفقى داخل الرواية كلها ومنسجما مع لغة السارد والرواى العليم. وفى الحقيقة لم أضطر فى المرحلة الأخيرة من الكتابة لإجراء «صنفرة»، كما أن «مسك التل» لا تتحمل لغة شعرية مثلما كان الحال فى أعمالى السابقة وانما كنت بحاجة للغة تحتمل سخرية بطلاتى وطاقتهن فى التمرد على العالم، ولدى شعور كبير أن لغة جديدة خلقت لنفسها مجالا متفردا فى النص.. وأنا الآن راضية عنها تماما.

• وماذا عن التقنية السردية واللجوء لتعدد الأصوات على الرغم من أن فرجينيا وولف كانت تغرى بكتابة تعتمد على تيار الوعى أكثر؟
ــ هذا الأمر لم أفكر فيه من قبل، فبعد كتابة مسودات كثيرة اقتنعت بوجود سارد مهيمن لكن على استعداد لأن يفسح المجال أمام أصوات سردية أخرى دون أن يستبد وحده بالنص، لأن كل شخصية كانت أقرب لـ«غول» روائى له جاذبيته ويرفض أى شكل من أشكال القمع فقد جئن جميعا لكتابة «تاريخ بديل»، وشخصيا أحببت حالة المد والجزر داخل النص، ولم أفعل شيئا سوى ضبط إيقاع الصراع بين الرواى العليم وبقية الشخصيات.

• وكيف تحملت ثقل روح كاثرين بالتحديد؟
ــ كاثرين هى أصعب شخصيات الرواية ومنذ أن قرأت مرتفعات ويذرنج فى طفولتى وأنا منشغلة بها والغريب أننى درست الرواية ثم قمت بتدريسها عبر سنوات وظلت كاثرين تشغلنى لدرجة أننى زرت القرية التى خرجت منها إميلى برونتى وواجهت مجتمعها المحافظ ووجدتها قرية معزولة إلى الآن، لقد أثارنى الأمر وسألت نفسى كيف كتبت إميلى برونتى بروح طليعية لا تزال حاضرة إلى الآن وذلك على الرغم من مرور كل هذه السنوات.

• تحفظ قراء كثيرون على النهاية وأرادوا أن تكون جزءا من الثورة بحيث لا تتوقف الرواية عند حادث كنيسة القديسين نهاية 2010؟
ــ قاومت كثيرا إغراء الكتابة عن ثورة يناير وقمت بـ«فرملة النص»، لكن سعيت إلى الكشف عن «بشاير» هذا التحول ورأيت أنه من الأفضل الإبقاء على حالة الخلاص.

• نشرت الرواية عقب انتهاء مهمتك فى لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) العام الماضى، فكيف أخذت مسافة من نصوص المسابقة وقمت بحماية نصك خلال الكتابة من حمى النصوص الأخرى؟
ــ من حسن الحظ أن اختيارى للتحكيم جاء بعد الانتهاء من كتابة المسودة الأخيرة وكانت لدى الناشر وما كنت أقوم به فعليا فى المرحلة الأولى من التحكيم هو التفاعل مع ملاحظات مديرة النشر بدار الشروق السيدة أميرة أبو المجد وأعمل على تهذيب النص ليخرج بصورته النهائية.

• أخيرا.. هناك واحدة من بطلاتك كانت تطلب تعريفا للكتابة وتحتار بين اعتبارها رؤية أو احتياجا بديلا.. فما هو تعريفك للكتابة؟
ــ الكتابة عندى هى سعى لامتلاك الرؤية والمعنى وطريقة للتمسك به وسط كل طوفان الفوضى.

------------------------
الخبر : اخبار الثقافة الان .. بعد روايتها «مسك التل».. سحر الموجى: الأحلام تقود بطلاتى لكتابة «تاريخ بديل» .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الشروق - ثقافة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا