ثقافة وأدب / أخبار ثقافية

اخبار الثقافة الان .. «سقوط السماء».. قصة نهاية حكم أسرة بهلوى فى إيران

اسرار الاسبوع • الإمبراطور الأخير كان يردد أن 95% من الشعب الإيرانى يؤيده وأن المتطرفين فقط هم من يعارضونه
• صدام حسين حاول إقناع حاكم إيران بمواجهة المتظاهرين بالدبابات لأن «قتل ألف إيرانى اليوم أفضل من موت مليون فيما بعد»
• المخابرات الأمريكية أبلغت الرئيس كارتر بأن نظام حكم الشاه صلب ولا داعى للقلق عليه من المظاهرات
بعد نحو 39 عاما من المظاهرات الشعبية التى أنهت حكم الشاه فى إيران، وأسست لحكم الملالى تحت لافتة «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» عام 1979 ــ تشهد اليوم المدن الإيرانية مظاهرات قوية للمطالبة بسقوط نظام الحكم القائم بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والقمع السياسى.

المشهد الحالى فى إيران يبدو، إلى حد كبير، وكأنه استنساخ لمشهد مشابه حدث قبل نحو 39 عاما، وبالتحديد فى نوفمبر 1979 عندما اندلعت المظاهرات فى كل أنحاء إيران ضد الشاه وحكمه بسبب تداعى الأوضاع الاقتصادية والحريات، حيث طلب السفير الأمريكى فى طهران من رؤسائه فى العاصمة واشنطن تعليمات بشأن التعامل مع الموقف القابل للتصعيد، فى حين أبلغ مستشار الأمن القومى الأمريكى فى حينه الرئيس جيمى كارتر، بأن التقارير ذات الصلة القادمة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «سى آى إيه» تقول إنه على الرغم من كل شىء فإن حكم الشاه يبدو صلبا ولا داعى للقلق ولا داعى للتفكر فى السؤال الذى طرحه السفير الأمريكى لدى طهران حول سبل إجلاء الرعايا الأمريكيين من ايران فى حال تداعى الموقف، وذلك قبل أيام قليلة من اضطرار الشاه الأخير محمد رضا بهلوى قبول فكرة التخلى عن الحكم لصالح حكومة عسكرية ثم الاستعداد بعد ذلك لمغادرة طهران٫ لا يحمل هو وزوجته فرح ديبا، وباقى الأسرة سوى ملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية، بحسب الرواية الواردة فى كتاب «سقوط السماء» الصادر عن دار هنرى هولت، للكاتب أندرو سكوت كووبر المتخصص فى الشئون الإيرانية.

Sponsored Links

كتاب كووبر الواقع فى قرابة 450 صفحة من القطع الكبير، مقسم إلى 25 فصلا، ويقوم على روايات متتالية للأحداث كما سمعها من العديد من هؤلاء الذين عايشوا الأحداث سواء فى إيران نفسها، أو فى العواصم الغربية المعنية بتفاصيل نهاية حكم الشاه.

ينقل كووبر فى كتابه «سقوط السماء» عن الإمبراطورة الأخيرة للبلاد نفيها القطعى لصفات القمع والعنف والاستبداد عن زوجها، حيث تصر على أن الشاه ــ الذى مات فى مصر متأثرا بمرض السرطان بعد سنوات خمس من تشخيصه ــ لم يكن يعلم تفاصيل ما كانت تقوم به الأجهزة الأمنية بحق المعارضين، بما فى ذلك عمليات الإخفاء القسرى والتعذيب، التى رصدتها منظمات دولية وصحف عالمية كبرى والتى وصفت نظام الشاه قبل سنوات قليلة جدا من سقوطه بأنه من أكثر النظم السلطوية قمعا فى المنطقة وأشار بعضها إلى أن المعتقلين السياسيين فى إيران فى منتصف السبعينيات تراوح عددهم بين 25 ألفا و100 ألف، بينما كان هناك نحو 300 ألف يلقى بهم فى السجون ويخرجون قبل أن تعود أبواب السجون لتبتلعهم مرة أخرى بموجب قرارات قضائية أثارت الكثير من التساؤل حول نزاهة القضاء، وهو الأمر الذى عاد الشاه مع قرب سقوط حكمه ليعترف بالحاجة للتحقيق فيه والنظر فى سبل إصلاحه.

ولا يقصر كاتب «سقوط السماء» فى تصوير معارضى الشاه على كونهم من الإسلاميين، ويقول إن بهلوى كان يدرك خطورتهم على مصير الشرق الأوسط، وكان يسعى لتحجيم ما قد يلحقونه بالبلاد من سلطوية دينية متشددة ينم عنها خطاب قادتهم، إلا أن الكاتب فى الواقع يسعى من خلال صفحات كتابه لأن يترك لدى القارئ انطباعا بأن الشاه كان يسير نحو التنوير بينما الإسلاميين المعارضين له والذين يتقوقع قادتهم فى «قم» وبعضهم فى العراق ويهددون استقرار المنطقة إلى الدرجة ــ بحسب رواية كووبر ــ التى دفعت الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين للقيام بزيارة سرية إلى أيران فى أعقاب إعلان الشاه نيته التنازل عن الحكم بعد فشل وعود الإصلاح السياسى والتحسين الاقتصادى ليقترح على الإمبراطورة فرح أن تقنع زوجها بأن «يحرك دباباته وجنوده ضد الثوار ليقتلهم لأنه من الأفضل أن يموت ألف إيرانى اليوم بدلا من أن يموت مليون إيرانى فيما بعد».

ولكن الشاه الأخير ــ حسب رواية الإمبراطورة الأخيرة ــ لم يكن ليقبل أن يقدم على ذلك، خاصة أنه كان أسير المرض الذى يهاجمه بضراوة إلى جانب اليأس والإحباط اللذين سيطرا على الإمبراطور الأخير، بحسب ما نقله كووبر عمن تحدث إليهم فى أثناء رحلة الإعداد للكتاب.

وكان الشاه يقول لبعض محدثيه إن الشعب الإيرانى لم يقدر ما قام به لكى تتبوأ إيران مكانة تليق بعظمتها وسط الأمم، ولا ما قام به ليمنح شعبه الاستقرار ويبعد عنهم الإسلاميين أو الشيوعيين المتحالفين معهم «والذين كان يطلق عليهم السود والحمر»، على خلاف حال حليفه الراحل الرئيس أنور السادات الذى استضافه فى مصر بعد خروجه من إيران. فقد لجأ السادات إلى الإسلاميين للخلاص من اليساريين.

كما ظل الشاه حتى قبل سنوات قليلة من سقوط حكمه مقتنعا بأن أكثر من 95% من الشعب الإيرانى يحبونه ويدعمونه، بل وكان يشير لهم على أنهم «أبناؤه»، كما أنه كان يقول دوما: «إذا ما قامت ثورة فى إيران فسأكون أنا قائد هذه الثورة».
غير أن كووبر فى كتابه نقلا عمن تحدث معهم من الدبلوماسيين ينقل صورة مخالفة عن تلك التى تحدثت بها فرح ديبا، حيث الشاه حاكم دكتاتورى دموى لا يعبأ إلا ببقاء حكمه ولا يتردد فى تصفية من يعارضه، دون أن يعنى ذلك شيئا كثيرا لتعاملات العواصم الغربية معه لأن الفائدة الاقتصادية التى تجنيها هذه العواصم هى دوما العنوان الفيصل لعلاقاتها بهذا الدكتاتور أو ذاك.

وأفرد كووبر فى كتابه فقرات غير قليلة للثناء على الصفات الاستثنائية التى تتمتع بها فرح ديبا بالمقارنة بزوجتى الشاه السابقتين ثريا اسفنديارى والأميرة فوزية أخت الملك فاروق، فإنه فى الوقت نفسه ينقل عبر اشارات هنا وهناك مقارنات كان البعض يعقدها بين الشهبانو وبين مارى أنطوانيت زوجة آخر ملوك فرنسا والتى انتهى بها الحال نهاية أليمة بعد الثورة الفرنسية ــ لافتا فى الوقت نفسه إلى أن فرح ديبا كانت تنفى ما تقول إن المتشددين أرادوا عمدا تشويهها به، وذلك بحديثهم عن ميلها إلى البذخ والإسراف بينما هى ــ حسب الرواية الواردة فى كتاب كووبر ــ عكس ذلك تماما، وكانت تسعى لتحرير المرأة الايرانية ومنحها حقوقا مجتمعية وسياسية جنبا لجنب مع الشاه الساعى لنهضة إيران، دوما بحسب نفس الرواية التى ينقلها كووبر.

وكما تنفى فرح ديبا عن نفسها الميل للبذخ فهى تنفيه أيضا عن زوجها فى إشارات متتالية ينقلها كووبر، ولا يخلو بعضها من طرافة، حيث تقول إنه لم يكن يكن يعنى كثيرا بملبسه ولم يكن له ميل لاقتناء الكثير من الأشياء اللهم إلا ١٩ سيارة رياضية وعددا من الخيول الفارسية والعربية.

كما أنها أيضا تنفى عن زوجها ــ وكذلك عن نفسها ــ الافتقار للتدين، وتصر على الإشارة إلى أن الشاه، الموصوف بحكم الدستور الإيرانى براعى الإيمان الشيعى، كان شديد التعلق بالدين، وكان دوما حريصا على وضع مصحف صغير فى جيب سترته بل إنه كان يعود لغرفته فى قصره لو أنه يوما غفل عن نقل المصحف من جيب سترة الأمس لسترة اليوم.

ولكن خيارات الشاه ــ كما ينقل كووبر نفسه ــ فى الحكم لم تكن منبعثة من مواقف إيمانية أو لا إيمانية وإنما كانت ناتجة عن إدراك واقعى لرجل وصل أبوه لحكم بلاده عبر تنفيذ انقلاب فى منطقة من العالم لا تندر فيها الانقلابات العسكرية ويعقبها دوما ــ كما هو فى حال حكم الشاه الأخير لإيران ــ الكثير من التشكك من قبل الرجل الذى وصل إلى سدة الحكم عبر انقلاب وكبار ضباطه بل والجيش بصفة عامة.

وينقل كووبر واقعة سؤال طرحه صحفى امريكى على الشاه ذات مرة حول ما يعنيه له أن يكون حاكما لإيران، فما كان من الامبراطور إلا أن ضغط على شفتيه وأجاب بكلمة واحدة مقتضبة: الخطر!

إحساس الشاه بالخطر الدائم، أمر يستشعره القارئ بالتأكيد وهو يطالع تفاصيل ينقلها الكاتب حول الترتيبات الأمنية الخاصة بالرجل، وخصوصا عندما يعلم أن الرجل لم يكن يتناول طعامه قبل أن يتذوقه من هو قيد التضحية بالحياة فى حال وجود سم قد دس فى هذا الطعام.

الشاه ــ بحسب رواية أساسية فى كتاب كووبر ــ كان طفلا حزينا مريضا وخجولا، ونشأ وهو يعلم أن مصيره لحكم بلاده العظيمة فما كان منه إلا أن يسعى دوما لإخفاء مشاعره، وهو أمر لم يكن دوما فى قدرته، إذ لا يمكنه السيطرة على هذه المشاعر فقد كانت هناك احوال يظهر فيها تأثره الشديد، وهو ما جعله يبدو دكتاتورا قاسيا، وهى الصورة التى يبدو أن الشاه كان مقتنعا ــ بحسب كتاب سقوط السماء ــ أنها جاءت نتيجة نفى الخومينى «الذى سعى لأن يصور نفسه على أنه رجل الله بينما الشاه هو الملك المستبد». غير أن نظام الشاه كان يراهن على أنه كلما طال إبعاد الخمينى عن البلاد فإنه حتما وبعد بعض الوقت سيفقد تأثيره على عقول قطاعات الشعب الإيرانى التى كانت متأثرة به منذ أن أطلق أولى دعواته للشعب الإيرانى بالثورة على الشاه فى عام 1971.

ويلفت كووبر فى كتابه لنقطة تقاطع مهمة فى المبارزة السياسية بين الشاه والخومينى، وهى النقطة التى أفضت إلى انتصار الأخير وهى ورقة الدين، حيث إن الشاه كان يصف نفسه دوما بأنه الحامى للإيمان الشيعى وأن حكمه هو هبة إلهية وأنه معنى بدعم العلماء وافتتاح أكبر وأجمل المساجد فى طهران».

إلى ذلك يصطحب كووبر فى صفحات متتالية من كتابه القارئ فى جولة حول تضاريس متعرجة لدائرة الحكم فى ايران، يدخلها ويخرج منها معاونون للشاه أحيانا فى إطار صفقات، وفى إطار من الثقة والخيانة فى أحيان أخرى.

كووبر أيضا يصحب القارئ فى جولة مهمة فى أروقة القيادات الشيعية فى إيران، مشيرا إلى التقارب والتنافر فيما بينها، مظهرا لحظات تعاونها ضد الشاه ولحظات انقسامها حول القرار السياسى سواء ما خص التعامل مع حكم الشاه أو غيره. ومن أكثر الصفحات تشويقا فى هذه المساحة تلك المتعلقة بعلاقة بنى صدر والخومينى والتى يلمح فيها كووبر إلى أن بنى صدر كان له دور رئيسى فى جعل الخومينى عنوانا للثورة الإيرانية قبل عشر سنوات كاملة من وقوعها، مشيرا إلى تلك العلاقة التى يلمح الكاتب إلى أنها كانت شديدة الالتباس بين موسى الصدر الذى انتهى به الحال فى زيارة غامضة إلى ليبيا فى أثناء حكم دكتاتور ليبيا معمر القذافى ولم يظهر أبدا بعدها ولم يكشف أحد حقيقة نهايته المحاطة بالأسئلة اللانهائية.

وبالإضافة إلى ذلك ينقل الكتاب صورة معقدة للسياسة الخارجية لطهران فى السنوات الأخيرة من حكم الشاه خاصة فيما يتعلق بتلك العلاقة المعقدة مع واشنطن، خصوصا فى أثناء حكم الرئيس الديمقراطى جون كنيدى الذى كان الشاه يقول إنه يقحم نفسه فى الشئون الداخلية لإيران وشعر بسعادة كبيرة عند اغتياله، والعلاقة مع إسرائيل التى كان حاكم ايران يراها جزءا غير قليل من اسباب تحسين علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية.

القصة الأهم التى يمكن لقارئ كتاب سقوط السماء ليست سوى القصة التقليدية لتوجه حاكم ممتلك للسلطة عبر أدوات أمنية عنيفة وخطاب يتمايل بين الدينى والإصلاحى أحيانا، ويجمع بينهما عمدا فى أحيان أخرى، وهو ما أوقعه فى فخ قرارات اقتصادية اتخذها بترويج من الأنظمة على أنها خيار التنمية والنهضة الحتمى لمواجهة الإفقار الذى جاء نتيجة معدلات مرتفعة بشدة من الزيادة السكانية.. وأن هذا السقوط يأتى على الرغم من وجود علامات عديدة تدل على أنه قادم، أو ربما تكون ــ كما يوحى كووبر لقارئ ــ علامات مضللة يرسمها ويروج لها معارضون متشددون يريدون هم السقوط بالبلاد والشعب فى هوية التشدد الدينى وتراجع التنمية والدور الإقليمى.

فالشاه الذى لم يكن معجبا بالضرورة ــ بحسب كتاب كووبر ــ بالنمط الغربى للديمقراطية ولم يكن واثقا من أنه يتماشى مع أولويات ومتطلبات «شعبه» كان متحيرا هل يتحالف مع الغرب حيث كان دوما ولاؤه وحيث وجد الدعم والسلاح وأيضا العلاج أم ينفر من الغرب وينفر شعبه منه بوصفه استعماريا يريد النيل من كرامة الشعب الايرانى واستقلالية قراره؟.

ولكن ما طرحه الشاه لم يلق الصدى الذى كان يأمله فى أول «جُمعة» فى نوفمبر من 1978 ــ الموصوفة تفاصيلها فى الفصل المعنون بـ«الجمعة السوداء» فى كتاب كووبر ــ فقد تظاهر أكثر من 15 ألف ايرانى فى شوارع البلاد غير مرتدعين بتواجد عسكرى مكثف بل ورافعين هتاف: الجندى شقيق المواطن ولا يطلق النيران عليه، وهو الهتاف الذى لقى استحسانا غير قليل من عدد من الجنود المنتشرين لحماية النظام.

وعلى الرغم من إعلان الأحكام العرفية وعلى الرغم من الخطاب الذى ألقاه الشاه بهدف إثارة مشاعر التعاطف من الشعب فقد استمرت الثورة الإيرانية وسقط حكم الشاه، وأجلت إسرائيل مواطنيها وأنهت وجود شركة طيران العال الإسرائيلية فى طهران بينما ارتبكت الولايات المتحدة وتدهورت الأمور نحو أزمة كارثية لاحتجاز رهائن فى السفارة الأمريكية فى طهران وما أعقب ذلك من تداعيات على العلاقات الأمريكية مع إيران ومع مجمل الشرق الأوسط وهى التعقيدات التى مازالت تداعياتها متتالية حتى يومنا هذا.

• الكتاب فى سطور

العنوان: سقوط السماء
المؤلف: أندرو سكوت كووبر
دار النشر: دار هنرى هولت
عدد الصفحات: 450 صفحة من القطع الكبير

------------------------
الخبر : اخبار الثقافة الان .. «سقوط السماء».. قصة نهاية حكم أسرة بهلوى فى إيران .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : الشروق - ثقافة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا