غموض الوشم والتباس الكلام

0 تعليق 7 ارسل طباعة تبليغ

ناجح المعموري

- 3 -

Sponsored Links

ذهبت السيماء الى وجود أنساق للتواصل وهي عديدة ، الكتابة ، والكلام ، التعبير الأعضاء وبواسطة الحواس ، ومزاولة بعض الفنون كالغناء والرقص والصمت ، والصراخ ...الخ وبالإمكان الذهاب الى لغة الوشم بوصفها لغة تأسست عبر التواتر وعاشت زمناً طويلاً . وتحولت الى جزء من ذاكرة الكون ، والتي لم يجعلها الدرس السيميائي هي الوحيدة أو الكلية ، بل هي جزء منها ، لأنها مدونة والمكتوب بعض من الذاكرة الوحيدة الممكنة للكون ويقصد بها سعيد بنكراد الذاكرة اللسانية . وعلى الرغم من أن الوشم مرئي ، صورة أو مجموعة من وحدات صورية صغيرة ، لكنها ذات دلالة واسعة وعميقة فانه يمثل نسقاً تدويناً ومشهداً جمالياً لا يمنح ما ينطوي عليه سريعاً وفي اللحظة التي تلتقطه العين بل يظل حاضراً من خلال الرؤية ، متعلقاً بالذهن لأن معناه صعب ومعقد وهكذا أرادت له الذاكرة اللسانية والتي تعني الكلام وكأن هذه الذاكرة ذهبت الى الممثل المقترن . بالأنثى وجسدها وما يحوطهما من سرية وتكتم . لذا حازت الصورة الوشمية خفاءً وتستراً لا يمكن الكشف عنه ، لأنه مغطى ، محفوظ باللباس . ومثلما كان وظل جسد الأنثى مصاناً بالستر ، حازت الصور الوشمية ستراً رمزياً ، ولم تفرط بدلالتها غير الغائبة تماماً ، بل موجودة ، وحاضرة لكن الوصول اليها صعب ومعقد . وهذا ما توصلت إليه عبر محاولاتي الكثيرة لقراءة الصورة الوشمية التي صاغت مع مكوناتها التفصيلية سردية خاصة ذات لغة رمزية ، لغة لا صوت لها ، تدوينية ولكن لا تمتلك صوتاً . والنص غير المسموع ضيق المساحة والفضاء ، لأن الفرصة المتوفرة له للتواصل قليلة واعتقد بأن نقص فرص التواصل عبر الرؤية هي التي منحته الدهشة والإثارة وتحفيز الحواس كلها وتفعيل الاشتهاء والمجازفة بالامتلاك غير الحيازي بل هو نوع من الطاقة المكبوت عليها ، والمستورة ، لأنها تابو... طاقة لا تقل أو تتناقص لأنها جزء من الجسد الانثوي ، فهي دائمة التجدد أو تظل بقوتها حتى بعد امتلاكها عبر مزاولة الرغبة، حيث تلعب الصورة الوشمية المزروعة على جسد الأنثى دوراً جوهراً في تفجير ما اختزنه جسد الرجل وما تكتم عليه جسد الانثى . فالصورة الصامتة صادمة وتظل محتفظة بتأثيراتها في الذهن .
لا تنعزل الصور الوشمية شعرياً عن ما يتمتع به الجسد ، ولها ما للجسد من تأثيرات مفاجئة وكأنها تريد المنح بشكل سريع ومتكرر . الرؤية لحظة الاندهاش عنيفة وكأن العين التقطت بشكل سريع وخاطف فرج الانثى أو صدرها . لا فرق بين خصائص الجسد والوشم لأنها معاً مصانة وغير مفرط بها ، وإذا رأتها العين اشعلت النار في جسد الفحل . ودائماً ما يكون معنى الصورة والوشمية قلقاً ، بمعنى غير مستقر وثابت ، بل هو زئبقي لازدحامها بشفرات ورموز ، ليس سهلاً التعرف عليها والإمساك بالمعنى الغائب .
الصورة المرسومة على المناطق المثيرة للحساسية جداً لا توفر فرصة كافية للمعاينة والتعرف ، لأنها لن تكون معروضة للتلصص ، وغياب المعنى باق ، لأن الصورة الوشمية لا تتعطل عن التجدد ، تتوالد وتعطي دلالات باستمرار وهو يقع ضمن التمثيل البصري ذاته حين تحدث ــ بارت ــ طويلاً عن شيء غامض هو " المعنى الثالث " وهو معنى شبيه في وجوده وطبيعته بالصدمة ، ولكنها صدمة الّلذة والمتعة والانتشار ، إنه ليس معنى بما يمكن أن يحيل عليه مفهوم يعين كما دلالياً قابلاً للوصف ، بل هو إحساس غامض تدركه النفس ولا تستطيع تسميته كما قال سعيد بنكراد.
هذا يعني بقاء الغموض والالتباس موجوداً في الصورة الوشمية على الرغم من التعايش معها بسبب الاقتران الحاصل بين الرجل والمرأة ، ويوفر هذا الالتباس المحبب مجالاً لتجدد الرغبة ، لأن الصورة المنشورة على جسد الأنثى من الرجل تشغل حيزاً مثيراً للحساسية تفرز الساكن في الرجل . المعنى الزئبقي الرجراج ، المنطوي ، الظاهر ، الغائب ، الحاضر ، الاخباري ــ كما قال بنكراد ــ في الصورة ولا يغطي على الرمزية فيها ، لكنه يتسرب الى العين بعيداً عن تفاصيلهما . إنه جزء من الأثر المعنوي العام الذي تولده الصورة ، ولكنه لن يكون سوى مصدر المتعة تتمرد على المفاهيم وتفيض عنها او تستعصي عليها بعبارة اخرى ، ان العين تلتقطه باعتباره انفعالات منتشرة في جميع المساحات التي تغطيها الصورة ، ولكنها لا تستطيع تحديد مضمونه.
الملاحظة هي المتعة والتركيز على الّلذة، والذهاب باتجاه التوتر والتحفز ، من أجل ممارسة الاتصال اللمسي أو الإدخال، أو توظيف ما توفره الحواس لإقامة تبادل لذائذي ثنائي ، فيما كانت مقومات من الذهاب نحو التعرف كلياً على الأنثى من خلال جسدها ، حينها سيكون لصور الوشم دور جوهري . في الأحداث الجسدية والوقائع التي يكون لصور الوشم تفعيل لنوع ومستوى الاتصال والانغماس بين الاثنين . وما يتحقق من لذائذ جسدية هو انعكاس لما دونته اللغة الصامتة على الجسد المتكتم عليه .
ومثلما أشار رولان بارت الى ان التواصل بين الصورة والمتلقي لا تتوقف على العلاقة التي تنشأ مباشرة بين العين والصورة وانما على ما يوفره الفضاء الثقافي من ممكنات ليست بعيدة عن الخزان الثقافي في توفير ما يساعد على قراءة الصورة او مشاهد الصور / الوشوم .
قال رولان بارت / إن الانسان المعاصر لا يسقط على الصورة أحاسيس أو قيماً أبدية هي جزء من طبيعته ، أو سابقة على ممارسة في الارض بل يستمدها من كينونة رمزية هي التي قادته الى الانفصال عن محيط صامت ، لكي ينشر " الضجيج " الدلالي في الوجود ( ما يطلق عليه ايكو الملء وذلك هو الدور الذي تقوم به الدلالة فهي تصوره حركة جدلية . تفك التناقض بين الانسان الطبيعي والانسان الثقافي ، بعبارة اخرى ، ان الانسان وحده منتج المعنى وداخله يعيش ومن خلاله استطاع وضع الحدود الفاصلة بينه وبين طبيعة تكتفي بأعاده انتاج نفسها / سعيد بنكراد / تجليات الصورة / سيميائيات الانساق البصرية / المركز الثقافي للكتاب / الدار البيضاء / 2019 / ص 76//
يمثل الإنسان الثقافي مجموع المتراكمات الثقافية والتقاليد والعادات والطقوس ، التي تعلمها الكائن وتشربها خلال عمره الطويل ، وصارت هويته الفردية ، مثلما هي جزء من هوية العائلة ، أو الجماعة ، أو الشعب كله ، أما الممنوحات له من الطبيعة ، فهي نتاج لجهود مبذولة من قبل الكائن أثناء علاقته المباشرة مع الطبيعة ، في الاشتغال والحيازة ، والتي بمجموعها تشكل ذخيرة الخبرة والتكونات الثقافية التي ابتكرها الانسان وحده عبر تجربته الفردية ، وإن كانت محصولات ليست نقية تماماً ، بمعنى هي من خصوصياته ، بل مكونة مما هو خاص به والآخر منتوجات أفراد وجماعات كل الحيازات الثقافية والطبيعية وأيضاً ما هو خلاصة للتفاعلات الثنائية او اكثر بين الكائن والجماعات هذه معاً لها حضور مهذب للعلاقة بين الأنا والآخر والتي تتمظهر عن تجوهر ثقافي ، يعني كونه ابتكاراً وخاصية من إبداعات المتلقي الثقافي.
صورة الوشم / أو الوشوم من خلال حضورها المخفي ذات قوة وهيمنة، وطاقة إخضاع للأخر / الرجل لأنها تعني كونها لغة ، لكنها صامتة ، رسم ، تشكيل ، يمتد عميقاً في التاريخ ، بحيث بالإمكان التعامل معه باعتباره ذاكرة قوية ، لا يمكن العيش بمعزل عنها ، أو بعيداً عن الفضاء الذي تتحول اليه احيانا . ومثلما قال رولان بارت اللغة هي الآلية المركزية في التعبير والافصاح ( ولن تكون ابدا حاملة لدلالة تقريرية خالصة ، انها لا تعين ما تمثله بشكل محايد ، بل تنتج معنى. وإذا حدث وأن توقفت عند تقرير وحده ، فان الأمر لن يكون شبيهاً بما يسمى في اللغة " اللا معنى " بل له صلة بما يشكل صدمة ، أي ما يعطل العمل باللغة ويلغي الدلالة في الوقت ذاته . فالعين لا تقوم في هذه الحالة سوى بالرؤية دون أن تكون قادرة على ترجمته في ما هو ابعد في وجوده المادي . يتم الحديث في الحالة عن شيء ممثل في الصورة من خلال وجوده ، دون الإشارة الى تداعياته في الوجدان ، مثال ذلك التقاط صورة لحريق مهول أو حادثة غرق أو سقوط بناية . فهذه الوقائع موجودة في ذاتها خارج تداعياتها الدلالية في النفس . والحاصل إن الصورة ــ حسب مقولة بارت ــ لا توجد الا منغمسة في إيحاء أولي هو ما تأتي به اللغة ذاتها . وهو ما يعني إن " اللغة اسمى من الأشياء ، فهي لا تعني فحسب ، بل تضفي طابعاً ايحائياً على الواقع وقد يكون مصدر هذا الايحاء هو عمليات التقطيع نفسها / سعيد بنكراد / ن . م / ص 72//
تظل الصورة ، أية صورة خارج فك مغاليقها الدلالية وتصفية ما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم وأفكار ، بمعنى دائماً ما يكون المتلقي قادراً على فك الشفرات العميقة للصورة الوشمية ، لكنه غير قادر على قول كل شيء ، لأن التأويل فضاء مفتوح ، ما دام هناك تنوع قراءات وتعدد مواقف ورؤى وتقود الى الإشارة الى ان الوشم لا ينفتح تماماً وتنتهي التصورات عنه كلياً ، بل يظل متستراً على وجود معان اخرى . وهنا مكمن ليونة الصورة ومرونتها والابقاء على الكامن فيها . أي لا تتعطل الصورة الوشمية من خلال إفراغ كل ما تعنيه . ليس الصورة وانما كل نص فني أو أدبي فالعالم لا يحضر في الذهن من خلال معادلات لفظية تكتفي بالوصف والتسمية والتعيين ، بل تدرج ضمنها جزءاً من اهواء لا تكشف عن نفسها إلا من خلال تجسدها في مادة أو في وقائع . فقد نفكر من خلال الحواس ونحن نصنع اشكالاً ، ولكننا لا نفعل ذلك من خلال حاسة صامته ، بل من خلال الاشكال التي استوطنت الذهن / ن . م / ص 73//
لابد من الإشارة للبلاغة الثقافية التي اتصف بها كلام الاستاذ عبد الكبير الخطيبي عن الوشم وهي دراسة مبكرة جداً ، ما زالت حتى هذه اللحظة ذات حضور قوي ، وفاعل ، بسبب كونها عتبة ثقافية ومعرفية مبكرة . وهذا لا يعني انعدام الاهتمام بالوشم ، بل عرفت الثقافة العراقية اهتماماً بالوشم من قبل الفنان ضياء العزاوي والباحث ناجح المعموري مقاومة العزلة عبر الاعتماد على ما هو ثابت وجوهر الماضي كما قال بول ريكور ووظفه د. فتحي التريكي ولم نُشِر للمصدر في مشترك كتابه مع المسيري ص196/الحداثة وما بعد الحداثة //

------------------------
الخبر : غموض الوشم والتباس الكلام .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق