الواقع الاجتماعي قبل الدولة الريعية

0 تعليق 20 ارسل طباعة تبليغ

د. أثير يوسف حداد

أجد من الضروري هنا أن أعود لأقدم توضيحاً مختصراً للدولة الريعية، قبل أن ادخل في وضع الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط مع التأكيد على العراق ، و أرجو الانتباه هنا الى إنني حددت موضوع المقالة ليس فقط بانتاجة للنفط بل أيضاً المصدِرة له، لأن المصدِرة له ترتبط مع السوق العالمية بعنصرين مهمين جداً، الأول كميات النفط والثاني تلك الكميات المسعرة وبالدولار (ربما اعود في مقالة اخرى الى هذين العنصرين ).
الريع تعبير أو مصطلح اقتصادي -سياسي أول من استخدمه ريكاردو، الذي يعتبر الأب الروحي لعلم الاقتصاد السياسي، وهو عباره عن إيجار العقار وما يحققه ذلك من إيرادات. هنا لا يبذل مالك العقار أي جهد فكل الذي يقوم به هو استلام عائدات ذلك العقار. في ثمانينيات القرن الماضي ظهر مصطلح الدولة الريعية وجرى بحثه في العديد من المؤتمرات والدراسات والنشر، فقد ظهر، عالمياً، دول ليس لها أية وظيفة، أو بتعبير أدق عمل، سوى التوقيع على عقود حقوق البحث والتنقيب والاستخراج و المعالجة للنفط الخام. وكان من الممكن أن لا يجري الاهتمام بتلك الظاهرة لولا الأموال الهائلة التي حققها الدول المصدرة للنفط جراء الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط 1973 وما تلا ذلك من زيادات في كميات التصدير للنفط الخام أيضاً في الاسواق العالمية، وهنا ظهر مصطلح ألا وهو البترودولار، أي الدولارات المتحصل عليها جراء تصدير النفط عالمياً، هنا ظهرت مجموعة من الدول تمتلك أموالاً ضخمة جدا لكنها لم تفعل شيئاً، أو لم تقم بعمل يذكر، مقابل تلك الدولارات. وتجلى ذلك في حكومات بعيدة كل البعد عن مواطنيها ولا يهمها رضائهم من عدمه. ففي دولة المواطنة فإن المواطن وعبر عمله هو الذي يقوم بتمويل أنشطة الحكومة، وبالتالي فإن المواطن يشعر بأهميته وأهمية تواجده وعمله، فيقوم بمحاسبة الحكومة على أعمالها. أما في الدول النفطية فالصورة عكس ذلك تماماً، حيث إن الحكومة هي التي تنفق على المواطن وتمول المشاريع فانتشرت ظاهرة ”المكرمات“. أي أن الحكومة كل ما تقدمة للمواطن تعتبره مكرمة منها للمواطن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما يحدد حجم إيرادات الدولة النفطية ليس نوع الاقتصاد، زراعي صناعي خدمي، متطور متخلف، مستوى صحة وتعليم المواطن، بل السوق العالمية فقط، لأنها، أي السوق، هي التي تحدد كميات المباع من النفط الخام وسعره وأسعار صرف عملة التسعيرة العالمية أي الدولار تجاه العملات الأخرى. وهنا تحقق كامل الاغتراب بين الحكومة والمواطن، واكتملت ملامح الدولة الريعية، تلك الظاهرة غير المسبوقة على مر التاريخ، حيث تشعر الحكومة بعدم اهمية المواطن في توليد الدخل، لكنها تحتاجه في ترسيخ سلطتها، فما العوامل المساهمة في ذلك ؟.
سابدأ من المفروض أن يكون هو الاستنتاج، ثم أعود له لاحقاً.
يشير الاستاذ عصام الخفاجي في آخر مؤلف له الى ما يلي، ودعني اسمي الجدول التالي التركيب الحضري للحكومات العراقية 63 --1958-1% 64 من الحكومة هم من بغداد والبصرة والموصل 68-1963-2% 37 من الحكومة هو من المدن أو الحضر 3-بعد 1986 52 %من الحكومة من الحضر وبالأخص في العقد الأول من حكم صدام التالي من عملي 4- منذ 2003-2019 هناك 5 رؤساء وزارات اثنان منهم فقط من بغداد ومن أصل بغدادي هما اياد علاوي و حيدر العبادي، أو ما يمثل40 %فقط من مجموع رؤساء الوزراء الخمسة. أما عن الوزراء فلم استطع الحصول على بيانات عن ذلك.
لنعد الى السياق التاريخي لم تشاهد منطقة الشرق الأوسط ملكيات شاسعة للاراضي، وبالتالي لم تشاهد الارستقراطية كما عاشتها أوروبا، والسبب في ذلك هو أن الأراضي التي كانت تقع تحت السيطرة العثمانية كانت تستغل من قبل الأسر والعشائر والقبائل. وكانت الحيازة الفعلية للأرض بيد المتحكمين فيها. تلك الأسر كانت تعيش في المناطق الحضرية وليس في الريف أو في المناطق الزراعية، ولهذا لم تظهر لدينا اقطاعيات كالتي شاهدتها أوروبا. ولهذا، أيضاً، لم تشاهد هذه المنطقة تطوراً في العصر الزراعي و انهيار الاقطاع وظهور الصناعة و الطبقة العاملة والبرجوازيات كما عاشتها أوروبا فيما يسمى بالثورة الصناعية. فعدم ظهور ملكيات زراعية شاسعة وبقاء العشيرة كما هي و النظام الجائر في جباية الضرائب أثناء الحكم العثماني أدى الى ظهور هجرات فردية وجماعية الى المناطق الحضرية . ومن جهة أخرى فان ضعف سيطرة الإمبراطورية العثمانية على أطرافها أدى الى هجرات أو نزوح من المناطق الأكثر خصوبة الى المناطق الآمنة، والتي هي الولايات الثلاث في العراق،بغداد و البصرة والموصل.
ففي العراق، تأثرت ملكية الأرض الزراعية فيه الى الانهيار أو الضعف أو التشتت أو عدم النمو وذلك نتيجة لغزوات الأقوام الرحل و البدو، وهذا التاثير كان راديكاليا. فحتى في مرحلة الهدوء النسبي والاستقرار الامني نتيجة للسلام بين الفرس والعثمانيين، كان العراق يتعرض لهجمات و غزو من البدو القادمين من شبه الجزيرة العربية.
وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت النخبة البيروقراطية، الإدارية و العسكرية، في العراق تتكون من مستوطنين من غير ابناء الأرض التي استقروا عليها.كما يشير الى ذلك الدكتور عصام الخفاجي. وكان دوام الحياة الحضرية نفسه وديموميتها، وحتى الأسر الدينية والبيرقراطية، يعتمد بشدة على الأموال لتسوية مقبولة مع القوى المسيطرة على الريف وطرق التجارة. ويضيف دكتور عصام استناداً الى حبيب شيحا إنه وحتى بدايات القرن العشرين كانت العلاقة بين الحضر والريف على النحو التالي ”إضافة على هؤلاء التجار،يرسل بعض الوسطاء المقيمين في المدن وكلاء لهم بهدف احتكار تجمع عشائري أو أكثر، إن صح التعبير، فيبعثون بهدايا معينة يحملونها الى الشيوخ...وبفضل تلك الهدايا، يمنع الشيخ دخول منافسين آخرين الى تجمعه“.
من المهاجرين من الريف الى المدن ولدت نواتات الطبقة العاملة العراقية، وكان غالبيتهم أميّين. أما من ناحية المهنية فهذه النواتات غير متطورة لا تكنولوجياً ولا ثقافياً وعملت في الحرف. إلا أن أكبر تجمع للعمال كان في قطاع النفط والكهرباء المملوكين من قبل الدولة.
وقبل أن أختم هذا الجزء، لا بد أن أشير الى أن المدن عانت من التشتت أو التصدع بتعبير أدق، وكان القادمون من الريف ينظرون الى التنوع والتعددية في حياة المدينة نظرة عدائية، فتجمعوا في تجمعات خاصة بهم أبقت على العلاقات الريفية والعشائرية بينهم كما كانت في الريف، مما أعاق تطور الوعي الطبقي بين صفوفهم. أما فيما يخص دخول المهاجرين الى جهاز الدولة فقد كان في الغالب الأعم ضمن صفوف الجيش، مما جعل بصمتهم بارزة على هذا الجهاز.
مرة أخرى وقبل الانتهاء هنا، أود أن اضع أمامكم كيف أن البصمة الريفية سيطرة على وعي المهاجرين من الريف الى المدينة. فبعد سنوات من حكمه العراق يعطي صدام حسين فهمه للتفاوت في الدخل بين أفراد عشيرته في الريف بالشكل التالي “ برغم صعوبة الحياة، فلم أشعر أبداً بأن المصالح الطبقية قد منعت شخصيتنا من التطور. فلم يكن لسادة الاقطاع نفوذ في منطقتنا...كما إنهم كانوا ينتمون إلى قبيلتنا “ لقاء الصحفية كريستن فورس مع صدام حسين عام 1985.

Sponsored Links

------------------------
الخبر : الواقع الاجتماعي قبل الدولة الريعية .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق