للحقيقة وجه آخر ...

0 تعليق 9 ارسل طباعة تبليغ

 د. لاهاي عبد الحسين

إنّها ظاهرة عالمية. فقد زاد معدل الطلاق عبر العالم حسب موقع (Unified Lawyers) الألكتروني بنسبة 252% للفترة من عام 1960 حتى عام 2017. وسجل المعدل الأعلى للطلاق حسب نفس المصدر 87% في لوكسمبرغ أحد أصغر البلدان الأوروبية التي يتكون حجم السكان فيها من 500 ألف نسمة فقط فيما سجلت الهند أوطأ المعدلات (1%) فقط بحجم سكان يزيد على المليار نسمة. وجاءت إيران في المرتبة الأخيرة للبلدان المعروفة بمعدلات طلاق واطئة (22%) بعد تشيلي وكولومبيا وكندا وجنوب أفريقيا ومصر والبرازيل وتركيا بالتسلسل التراتبي. وبحسب الخلفية الدينية، فقد تقدم المسيحيون في العالم بمعدلات الطلاق الأعلى (37%)، تلاهم البوذيون (30%)، فاليهود (28%)، فالمسلمون (20%).

Sponsored Links

وسجل الهندوس النسبة الأقل 1%. وخلص الموقع بناء على ما توصلت إليه 115 دراسة علمية سابقة إلى تسجيل أربع أسباب رئيسية أعتبرت من المبررات الرئيسية للمطالبة بالطلاق يقف في مقدمتها إنعدام التواصل والإنسجام بين الزوجين بعد الزواج الذي استحوذ على 44%. إذ يحدث أنْ ينشغل الزوجان عن بعضهما البعض ولا يبذلان جهداً للعودة والتواؤم ويسمحا لمختلف العوامل بضمنها ضغوط العمل بالتدخل لتسلب نزعتهما باللوذ بأحدهما الآخر في الصغيرة والكبيرة مما يرسخ لحمة البيت الواحد والمتضامن ويجلبهما معاً. تلي ذلك عوامل تتعلق بالخيانة الزوجية وتناول المخدرات وإصابة أحد الزوجين بمرض نفسي أو بدني.
عراقياً، سجلت حالات الطلاق الموثقة قضائياً ما يقرب من 15% حسب احصائية أصدرها مجلس القضاء الأعلى للشهر العاشر من عام 2018 فيما سجلت النسبة ما يقرب من 38% لحالات الطلاق خارج المحكمة. بيد أنّ هذه الأخيرة لا يعول عليها كثيراً من حيث أنّ معظم الضالعين فيها يعودون إلى بعضهم بعد انطفاء سورة الغضب والعصبية وسرعان ما يجدون مبررات شرعية لذلك.
يلاحظ على أرض الواقع ومن خلال حالات محددة تزايد عدد النساء العراقيات الراغبات بطلب الطلاق من أزواجهن وبخاصة على مستوى النساء الحضريات من المقيمات في المدن والمتعلمات تعليماً يمكن أنْ يوصف بالجيد ويتمتعن بقدر عالي من الإستقلالية الاقتصادية. تشمل هذه الحالات نساءاً من مختلف الأعمار، الشابات والمتقدمات بالسن أيضاً ممن يحظين إلى جانب ما ذكر بدعم عائلي كونهن لا يشكلن عالة على عوائلهن، ابتداءاً، بل قد يكنّ مصدر معونة. وترتفع مؤشرات هذه النزعة للمطالبة بالطلاق التي قد تصبح ملحة لدى بعضهن ممن تعرفن على الأيديولوجيات النسوية أو تأثرن بها بهذه الدرجة أو تلك. أخذت هؤلاء النساء من هذه الموجة النسوية التحررية جانباً وتركن آخر. فالنسوية كأيديولوجيا وحركة وتنظيم واعي ومسؤول لا تقول تحاربوا من أجل الفوز وتحقيق النصر. فلا فوز ولا نصر على مستوى العلاقات الإنسانية الحميمة وبخاصة فيما بين الأزواج. ولا تقول أدخلن في شرك المنافسة الشرسة من أجل التفوق والغلبة. تدعو الأديولوجيا النسوية وبحسب الفهم الصحيح والدقيق لها إلى التخلص من النظام الأبوي الذكوري الموغل في غطرسته وتماهيه في تجاهل الإساءة والعنف لما ينطوي عليه من تعسف وتعنت واستبداد. بالنتيجة فإنّها ترى أنْ يحل محل الأبوية الذكورية تشاركية رفقوية تنظر إلى القرين بمنظار إنساني وأخلاقي وليس كما لو كان خصماً ينبغي ترقبه والحذر منه ومحاولة التغلب عليه وقهره. تطالب أمثال هؤلاء النساء بصوت أعلى في المنزل وحصة أوفر في اتخاذ القرار على مستوى تصريف الشؤون الحياتية والعائلية ليس لتحقيق العدالة والإنصاف وإنّما لضمان أنْ يتمتعن بحصتهن في التسلط والإستبداد. ويعبرن لذلك عن القلق من عجز الرجال من شركائهن عن العمل أو مرضهم أو فشل مشروعاتهم الاقتصادية مما يوقعهن في ذات المنزلق الذي يعملن على تفاديه. إنّهن يكتفين بالتعبير عن القلق حول مستقبل حياتهن الزوجية واحتمالات أنْ يتحملن قدراً أعلى من المسؤولية في قادم الأيام ويستبقن نتائج من هذا النوع بطلب الطلاق دون العودة إلى ما قامت عليه الرابطة الزوجية من تعهد على "الحلوة والمرة". هذا تفكير براغماتي نفعي يصلح لإدارة شركة تجارية أو تنظيم عمل من نوع ما ولكنه لا يصلح بالتأكيد لإدارة حياة عائلية يكتسب الجانب الأخلاقي فيها قدراً كبيراً من الأهمية والأولوية.
يستدل من خلال هذا أنّ المجتمع العراقي يواجه تحدياً من نوع جديد لا يتمثل بالصراع على السلطة العائلية والمطالبة بمزيد من الحريات كما دأبنا في الحديث عن الأنماط التقليدية السائدة من المشاكل والإرهاصات بين الرجال والنساء. هذه وإنْ كانت لا تزال قائمة إلا أنّ للحقيقة وجه آخر. يعبر هذا الوجه عن تنمر بعض النساء على الرجال في حياتهن مستفيدات من تمتعهن بمستلزمات التحرر الاقتصادي دون الأخذ بالإعتبار أنّ التحرر الاقتصادي يمثل جانباً مهماً ولكنّه ليس بديلاً للعوامل الأخرى ذات الدور المهم في بث المعنى والروح في الحياة الزوجية المتكافئة والمتساندة على الدوام. ثمّ إنّ التحرر الاقتصادي سيبقى منقوصاً عندما لا يكون هناك طرف يسنده ويقويه وإنْ كان بأقل ما يكون مادياً ولكنّه أعظمه إنسانياً وأخلاقياً. المشكلة أنّ مواجهات من هذا النوع تقود في الغالب إلى تعنت ذكوري تحض عليه وتغذيه عنجهبة أنثوية. وقد يقود التعنت الذكوري إلى استخدام سيئ وشرس لما تتيحه القوانين الذكورية السائدة في المجتمع مما يؤدي إلى ترسيخها وليس سحب البساط من تحتها بالحكمة والتصبر والأناة. وسرعان ما تدخل الجوانب الأدبية على خط التصادمات لتصبح الكرامة والشعور بالمهانة والإذلال سبباً في تدمير ما بدأ جميلاً وممتعاً وواعداً. سيكون التمكن الاقتصادي خطأ فادحاً لتبرير التبادل السيئ للأدوار بل ووسيلة لدعوة كدر لا مدعاة إليه.
لم يدر بخلد الرائدات النسويات المنتجات للمعرفة حول طبيعة العلاقة بين الجنسين أنْ يستبدل الإستبداد والتحكم والتعسف الذكوري بآخر يأخذ من الأمومة والأنوثة لباساً ويتحول فيه الشريك إلى قاصر ينبغي التدخل لمراقبته وتوجيهه وإصدار الأوامر إليه. فالذكورية كنظام قيمي وبنيوي اجتماعياً وثقافياً سيئة ولكنّ استبدالها ببديل مقابل مختلف اسمياً ومتطابق جوهرياً لا يقل سوءاً. لا تمثل الحياة الزوجية ساحة للعمل الرسمي أو شبه الرسمي بل هي واحة أمان وملاذ يتبادل فيه المشاركون الأدوار بشفافية ومحبة ووفاء للقاعدة التي تقوم عليها والتي تتمثل بهدف المحافظة عليها وإدامة أودها.
وهناك جانب في غاية الأهمية يتمثل في أنّ انفراط عقد الرابطة الزوجية نتيجة الصراعات التنافسية لا يضمن إحتمال أنْ يحصل الفرد على تجربة ثانية أو ثالثة أفضل. فالإختناقات التي تسود في التجربة الأولى لا يستبعد ظهورها في التجربة الثانية من حيث إنّ مسبباتها القائمة على أساس التفكير الأحادي تتكرر بلا تحفظ. تبين دراسة علمية على هذا الصعيد أنّ نسبة الطلاق في الزواج الثاني ترتفع بـ 19% عما حصل في الزيجة الأولى. بلغت نسبة الطلاق لمن تزوج مرة ثانية 60% بالمقارنة مع نسبة 41% لمن انتهى بالطلاق في الزيجة الأولى. وارتفع معدل المطالبة بالطلاق إلى 73% بالنسبة لمن تزوج للمرة الثالثة.
عموماً، لم تترك هذه بلدان العالم مواطنيها بدون عناية. سرعان ما أفتتحت المكاتب الإستشارية قانونياً واجتماعياً وأستخدمت المواقع الألكترونية لإجتذاب الزبائن وتقديم المعونة لهم مما وفر فرص عمل للمشتغلين فيها وساعد على التدخل مهنياً في محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحة ومساعدة الزوجين للعودة إلى بر الأمان. لدينا في العراق جيش من خريجي العلوم الاجتماعية وبضمنهم المختصين في مجال الخدمة الاجتماعية إلى جانب الحاصلين على تأهيل علمي في مجال القانون ممن يواجهون ظروفاً صعبة لـتأمين فرص عمل لهم. يستطيع هؤلاء التعاون فيما بينهم ليقدموا خدمات هي أحوج ما يكون إليها في مجتمع لم يعد الأفراد فيه يجدون ما يكفي من الدعم على الصعيد القرابي والعائلي والشخصي. ينشغل الناس على نحو متزايد بما يهمهم في خضم الحياة اليومية المتخمة بالكثير من الإلتزامات مما يجعل من الإستشارة المهنية طرفاً حيادياً مؤثراً ومفيداً. وتصبح مثل هذه المكاتب المهنية مهمة في ضوء إدراك حقيقة أنّ بعض الأخطاء يصعب تصحيحها.

------------------------
الخبر : للحقيقة وجه آخر ... .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق