الدّوريات الفنية في العراق.. تاريخ طويل.. ومسيرة متعثرة

0 تعليق 23 ارسل طباعة تبليغ

استطلاع/ علاء المفرجي

-2-

Sponsored Links

عانى المشهد الفني العراقي في العقود الأخيرة من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، من إنعدام وندرة المجلات الفنية التي تعنى بنشر الثقافة والوعي الفني إسوة بمعظم البلدان العربية ودول المنطقة ،التي ربما عاشت ما يشبه المد والجزر في حركتها الفنية التي أفضت الى انتاجات فنية متباينة في الشكل والمضمون وفي الفاعلية والحضور، نسبة للأوضاع والمتطلبات والمستلزمات الإنتاجية الضخمة والمغايرة الى حد كبير للانتاجات الفنية الدرامية وغير الدرامية الأخرى .


-تشكيل-
-الفنان التشكيلي د. بلاسم محمد
المجلات التشكيلية هي وسيلة تعنى بمفاصل الفن التشكيلي في ثالوثه ..الفنان وتجاربه وأساليبه والتعريف به ..ثم حقل قراءة الفن وهو النقد .. والثالث تعنى بمتابعة التلقي .. لنقارب هذه المفاهيم في مجلاتنا ..
لنبدا بسؤال هل للفن فضاء في ثقافتنا ؟ للكتابة عنه ثم من القارئ ؟
- عاش الفن العراقي منذ بداية التأسيس بعد الحرب العالمية الثانية و نشوء الدولة محنة وجوده في مفاصل المجتمع العراقي، سواء في مجاله العام أو في مظاهر مخرجاته وأساليبه، والكيفيات الثقافية التي تنظر إلى وجوده داخل الأعراف والمنظومات الاجتماعية .
فاذا كان الفن هكذا كيف يمكن للمجلات التشكيلية أن تجد مكاناً لها ؟
- للمجلات التشكيلية آليات عرض .. فمنذ الثمانينيات ظهرت مجلة اسمها فنون عربية تصدر عن دار واسط ..كانت انموذجا للدراسات والمتابعات إضافة الى أناقة الطباعة .. والموضوعات التي كانت تلامس ضمير القارئ .. بعدها لم نستطيع انشاء مجلة إلا تحت وصاية سياسية او مؤسساتية تعنى بفن آيديولوجي تقدم نفسها إعلانا لأسماء اصحابها اكثر من عنايتها بالفن ..لذلك تم العزوف عن متابعتها إضافة الى ركاكة في التحرير والتكرار الذي لايعني القراء بشيء .. الأمر الآخر إن بعض المجلات الخبرية لازال يعتقد القائمون عليها أن لها مساحة قراءة ..رغم أن آليات الاخبار في فضاء الانترنت أصبحت متاحة للجميع وتتبدل كل ساعة .. وباختصار تصبح أخبارالفن التي تنشرها هذه المجلات من الماضي ..
لم تستطع هذه المجلات من تكوين مؤسسات حقيقية قائمة على البحث في مشكلات الفن العراقي -وهي متعددة - أو إجراء تحقيقات ميدانية علمية تشير الى بعض الظواهر المهمة .. أقول منذ زمن وهذه المجلات مشغولة بظواهر عادية ..أي من مجلاتنا التشكيلية نزلت لعمل تصوير ميداني للنصب والتماثيل المشوهة للمدينة ومن ذهب الى متابعة حقيقية لصيانة الفن .. والأمثلة كثيرة .
إن أحد أهم أسباب انحسار المجلات التشكيلية وهو أمر غاية في الأهمية ..إنه التسويق ..نحن نعيش في عصر التسليع فأي مجلة ظهرت تتابع هذا الجانب وتقترح ؟ أو تتخصص في عرض الأعمال والترويج لها ..إن مجلاتنا لاقيمة حقيقة لها إن لم تلامس ظواهر الفن وإشكالياته .. لقد تبدل ثوب الصحافة المكتوبة خاصة في مجال الفن وأصبحت صناعة لها قواعد تأثيرها داخل الفضاء الاثيري ..لذلك علينا إعادة النظر بصناعتها أو العزوف عن إصدار مجلات لاقيمة حقيقية لوجودها .

-الناقد التشكيلي صلاح عباس:
شهدت الفنون التشكيلية في العراق تأسيس مجموعة من المجلات التشكيلية المتخصصة منذ سنة ١٩٤٩ وحتى الآن ولكن هذه المجلات لم يكتب لها الاستمرار والتواصل ليس لأنها تتطلب جهوداً استثنائية في الجوانب الفنية والمادية بل ولأننا في العراق ليس لدينا تقاليد عمل رصينة بدليل انقراض الكثير من الإصدارات والمطبوعات الأخرى وفي أجناس أدبية وثقافية مختلفة حتى كأن الخطاب الفني والثقافي وليد حقبة زمنية معينة خذ مثلاً جريدة الجمهورية وأنواع من سلسلات الكتب والدوريات كلها تولد بحماس ثم تموت بإهمال وعدم الشعور بالمسؤولية.
حتماً تتشابه كل المجلات الفنية في أهدافها وفي سبل إنجازها وتحريرها وطرائق تصميمها وإخراجها لأنها تعتمد على الاشتغال النوعي في هذه المجالات والأهداف الفنية مثل أسلوب التحرير والتصميم والطباعة يأخذ مدياته الأبعد في هذه المجلات وبذا فإن الحاجة لمطبوع فني يتسم بالأناقة والجمالية هو بحد ذاته غرض مهم لا يمكن التغافل عنه على الاطلاق.
لا بالعكس إن وجود الإنترنت يسهم في تقريب المديات وتوفير سبل الاتصال السريعة والناجحة وثمة وجود فروقات جمة بين المنشورات الورقية والرقمية ومهما بلغت حالات التطور التقني والرقمي فإن هناك حاجات حقيقية للثقافة الورقية ولكننا في العراق وللأسف الشديد لا نولي أهمية ليس للثقافة الورقية فحسب بل ولكل أوجه الثقافة وأشكالها.

- ناصر عبد الله رئيس تحرير مجلة باليت:
تعثر المجلات التشكيلية راجع بالدرجة الأساس الى عدم التعامل بجدية من قبل الجهات الفنية العامة والخاصة بأهمية الاصدار الورقي كموثق لا غنى عنه لأرشفة الحركة الفنية وحفظ التاريخ التشكيلي من الضياع وسط صفحات الإنتاج الاليكتروني المتغيرة دوما.
وبالتأكيد موضوع العقبات التي تواجه المجلات التشكيلية لها نفس القواسم المشتركة من المعاناة بالنسبة الى الإصدارات الفنية الأخرى للسينما والمسرح ..الخ
إذا أردنا ربط العزوف و الاهتمام المجتمعي بالمطبوعات الورقية لتطور وسائل نقل المعلومات عبر شبكة المعلومات وتوفر المادة الجاهزة بكبسة زر فهذا جانب واحد وليس أساسياً.. الموضوع يشمل أبعاد التغيرات التاريخية الكبرى التي سادت العالم في القرن 21 وتغلغل الأفكار الاستهلاكية في وعي الجمهور العادي بما لا يسمح له بالنظر أكثر من حاجته اليومية والتي أصبحت الحاجة الثقافية والمعرفية آخر سلم أولوياته..

- الناقد جواد الزيدي:
بدءاً لا بد أن نقر بمحدودية مجلات التشكيل في العالم والعراق على وجه الخصوص مقارنة بالمجلات الأدبية ، وهذا ناشئ من طبيعة الجنس الفني وصعوبة التعاطي معه على مستوى الكتابة النقدية ومواصلة الملاحقة التحليلية للظواهر التشكيلية وللمنجزات الفردانية ، فضلاً عن هذا فأن تقنيات الإصدار تختلف عن المجلات الأخرى لأنها ينبغي توفر مطابع متقدمة لكي يحتفط المنجز بألقه من حيث اللون والمحافظة على جمال اللوحة أو العمل النحتي والخزفي ، ويقترن هذا الانجاز بامكانيات مالية وإدارية لا يستطيع القائمون على الإصدار توفيرها ، إلا بحجم مؤسسة رسمية أو غير رسمية مع توافر حسن النية ورعاية هذا النوع من الفنون بشكل خاص ليصبح هذا المطبوع (المجلة) وثيقة تأريخية تعنى برصد التراكمات الكمية ومن ثم إجراء فحوصات نقدية من خلال فعالية "الكيف" . وهذا يضاف الى الأسباب التي دعت الى عدم ظهور مجلات تشكيلية أو اختفائها بعد مدة قصيرة من إصدارها ومثال ذلك مجلة (فنون عربية) التي صدر منها سبعة أعداد فقط ، فيما أصدرت (مجلة تشكيل) ستة عشر عدداً فقط وتوقفت بحجة التمويل المالي أيضاً ، على الرغم من أنها تصدر عن وزارة الثقافة ، وكتابها لا يتقاضون أجورً عن موادهم المنشورة ، ولم يتبق غير كلفة المطبوع . واعتقد أن هذا ليس السبب الرئيس ، بل اعتبار اصدار مشروع تنفق عليه هذه المبالغ بمثابة الترف لعدم اهمية الموضوع او الانتماء الى الجمال والتفكير البصري الذي يشترط مواصفات خاصة أيضاً .
وأرى أن ما تعانيه المجلات التشكيلية عناء مضاعف مقارنة بمجلات السينما والمسرح ، لأن التشكيل بمجمله لم يخرج من دائرة النخبة حتى هذه الساعة ، في حين حدثت انزياحات في الفنون الأخرى وجرى استقبالها وتلقيها من طبقات اجتماعية مختلفة ، فضلاً عن المتابعات الصحفية التي تكتب في تلك المجلات عن الفنانين والأعمال الفنية الدرامية المتنوعة التي تستهوي القراء ومن ثم اقتناء المجلة التي تعود بمردود مالي على إدارتها ، في المقابل أن بعض المجلات المعنية بالتشكيل تستخدم وسائل شتى للتسويق ، ولكنها في النهاية تفشل حتى في وصولها الى القراء النخبة ، وهذه مشكلة مركبة أخرى يجب التعامل معها بجدية . ولا اعتقد إن للأنترنت سبباً في تعثر الاصدار لأنه مرتبط بالجهات القائمة عليها ، وليس على نوعية القراء أو المقتنين.

- الناقد حسن عبد الحميد:
لعل المحور الأول في مساعي هذا الاستطلاع..أو التحقيق قد حقق الإمساك برأس الأسباب الواقعية والجوهرية...من حيث ذكاء أو سعة إطلاع مسؤول الصحفة.. كيف؟
الجواب..لم يوقف زحف هدفه..نحو التشكيل فقط.. بل أمتد نحو تخصصات أخرى هي المسرح والسينما..والأخيرة في ظني هي الأكثر تأثيراً وتعميقاً لنوازع وانساق الثقافة..بأفاقها العامة و الجمعية لأي شعب أو مجتمع يريد تعميق دلالات وعيه وتعميم تطلعاته للآخر..
وبما أنكم حصرتم هذا الموضوع الحيوي والحضاري الشاخص في معمار التشكيل والذي لا يقل عن بواقي أسانيد وأسس الثقافة...أهمية وقوة أثر وتأثير
ربما سيتوقع البعض-مهما كانت نسبتهم- أن الدولة هي المسؤول الأساس عن دعم مثل الإتجاهات والتوجهات ، ولكي أكون دقيقاً.. وجاداً - كما ينبغي - يجب شطر الجواب الى نصفين الأول تحميل الدولة جانباً كبيراً فيما يخص تعميم أثر الفنون في الحياة العامة-وهنالك عدة طرق و أساليب أظنها معروفة و واردة.. حتى في مجال المناهج الدراسية والتشريعات وسن القوانين وغيرها،فيما يحمل الشطر الثاني الجمعيات والمنظمات ذات العلاقة.. والحديث سيطول عن خطل و ضعف وقلة تخطيط ورسم أهداف وسياساتها التي من أجلها أسست، و اختزل أبسطها في تفعيل قوانين وتعليمات تخص تخصيص نسب من الضرائب على المستحقين دفعها من قبل القطاع الخاص تصرف على مثل هذه الأنشطة والتطلعات كما عملت وتعمل الكثير من المؤسسسات في دول العالم..أوروبا وامريكا بالتحديد رسخت مثل هذا الاجراءات.. وأحيت رفات الكثير من الفنانين مثل براك..مونيه..بيكاسو.. غوغان..وفان كوخ وغيرها..مثلا قادحا..صادحا في أروقة ما يجري في أنساق حياتنا الثقافية التي لم تزل معتمة للأسف
المحور الثاني الذي يتمركز عن شمول بقية المجالات كاالمسرح والسينما.. فثمة أختلافات طفيفة لاتتجانب مع عالم و واقع التشكيل في العراق..وربما الوطن العربي وعموم الدول النامية من تلك التي لم تسجل نمواً متسارعاً.. أو تطلعاً أخر يحيي من وجودها رغم توالي العقود والسنوات وهي لم تزل تغط في سبات نوم عميق..
حظا أفضل في مجمل نتاجات هذا المشروع المحبط..بمجمل تقييم عام لنشاطاته الأخرى
اما ما يتعلق بأثر (الانترنت) ربما نجد له ظلالاً خفيفة.. و ليست كثيفة كما يوحي مغزى هذا السؤال.. كيف؟
في ظني تبقى موضوعة أو قضية الامتلاك.. قائمة امتلاك الشيء.. بل حتى الاستحواذ قضية تكاد تكون فطرية... أن تمسك مجلة..أو مطبوعاً.. بيديك وعقلك وعيونك.. غير ما تتصفحها كما ضوء خاطف يمرق أمامك يشغلك، لكنه يقبع في رفوف مكتبتك..أجدني أوصف هذه الحالة كما قبلة من وراء الزجاج.. أو مثل سجادة مقلوبة.. ربما في الأمر نزعة شعرية... رومانسية رائقة.. لا تروق لمن يعشق حياة المادة دون مس جوهرها... وما دمنا نحيا..بما يمكن أن نسميه...بنهاية عصر المحبة.. بعد أفول أفلام مثل مرتفعات وذرنغ أو ذهب مع الريح.. غيرها من عوالم تركت حضورها فينا... حتى سحر هذه اللحظات التي تعيش نقاوتها وجمالها على شاشات الكومبيوتر والهواتف الذكية

------------------------
الخبر : الدّوريات الفنية في العراق.. تاريخ طويل.. ومسيرة متعثرة .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق