التـاريخ دائـماً يـعـاود الحـضـور

0 تعليق 9 ارسل طباعة تبليغ

ياسين طه حافظ

يبدو لي أن الاتجاهات الجديدة في الأدب والفكر والسياسة، كما في القوانين تظل تفيد من التاريخ. ومن هنا يبدأ الاهتمام بتاريخ الشعوب قبل استعمارها أو استثمارها أو التعاون معها. ومن هذا التاريخ يضعون أصابعهم المشفقة أو الدموية على نقاط الخلاف والزعامات و المطامح للإفادة منها وتوظيفها.

Sponsored Links

من هذه إنهم يعلمون بأن الدين هو الذي شغل المنطقة من جزيرة العرب الى باقي الشرق الأوسط. هذه مسألة يمكن الإفادة منها وقد عرفنا كيف جاءت التظيمات الدينية التكفيرية وعلى أي أسس اعتمدت.
أما الاهتمام الضمني بـ "الحركات الدينية" مثلا، فوراءه مسألتان : الأولى، وهذه حاضرة وإن بدت بعيدة، إنهم يهجسون ما راود ماسنيون حين قال القرآن نسخة مشوهة من الكتاب المقدس أو التوراة. ولعل هذا هو السبب الحقيقي لاهتماماته بالإسلام ولا ندري وقد يكون إيماناً حقيقياً, وقد تكون له مهمة أخرى..
السبب الثاني، الغرب عالم مسيحي، أي عالم ديني. وهذا الاهتمام جاء ضمن اهتمامات الحرب الباردة مقابلاً مناهضاً لتبنيات الاتحاد السوفيتي المادية. ولأنهم أصحاب جماهيرية ونداؤهم الديني مثير ومؤثر في المجتمعات الشرقية، فهم إذاً قوة احتياط، ولكلٍ أوانه. المهم الآن تجهيز الناس وإعدادهم لما يساعدهم غداً.
وإذا صدقنا بعض دعواتهم في إصلاح المجتمعات وتحسين ظروفهم أو تحريرهم، فهم يعملون ضمن تهيئة الأجواء لما يمكنهم من التآلف من ثمَّ التعاون معهم في المسعى، نسبة من ذلك، وهي ما تسمى بـ "الايجابية السالبة" التي يفيدون منها, كما يفيدون من النمو المفرط للمدينة ولرؤوس المال ومعهما سوء ظروف تهدد صحة الناس والروابط الاجتماعية وزعزعة الثوابت و القناعات الموروثة منها أو التقدمية! لا مجال يُترَك حراً. وخلال كل ذلك تتزايد الشكاوى من المفاسد والعوز وعدم الاقتناع بالوجوه المتحكمة .. وهي حال نشهدها اليوم ونعيشها بتفاصيلها.
الإفادة واضحة أيضاً من فكر ورداءات التاريخ. من إثارة التنافس بين المدائن المتخاصمة أو المراكز، وكذا الإفراط والتسارع لموالاة الاعداء بغية الانتصار على المتنافسين المحليين. وحتى نصل الى إفقار فئات من الناس كبيرة لحساب غنى هذه ولتحكم غير الجديرين وفاقدي الحكمة، بمصائرهم. ومن هذه نفوذ الكنيسة وامتلاكها قوة التحكم والارعاب والقهر.
معروف إن انهيار حضارة القرون الوسطى يعزى الى تحكم المصالح الذاتية في أرجاء المجتمعات. و نحن اليوم نعيش أجواء العصر الباروكي، جيش وسوق أوراق مالية و بيروقراطيات جاهلة وبلاط عليه تنافسات. يصحب ذلك هبوط مستوى الصحة ورداءة السكن والتضحية بالطابع التاريخي و الأرض المزروعة، فقط من أجل أن تمر العربات، عرباتهم، بلا عائق لهم أو لحماياتهم: فقر شاسع حولهم وأبهة لهم ..
والتاريخ يحضر مرة أخرى، فحين ساءت ظروف المدن وتردت صحياً وتداخلت واشتبكت المصالح، اعتزل متنفذون، سابقاً, الملوك والأباطرة والولاة والكنسيون الكبار واتخذوا لهم مقرات بعيدة عن الرداءة والزحام. كما أحاط الأثرياء الكبار مساكنهم بمساحات خضر وأبعدوا الناس عنهم أو صارت لهم قصور في الضواحي أو في مناطق معزولة عن الناس والدخان والأمراض والجريمة، أي عن تخلف المجتمع. وجود الخضراء في بغداد اليوم ليس حدثاً طارئاً، هو مثال حاضر بيننا بين أمثلة في التاريخ كثيرة.
يبدو إن العقل السياسي العالمي المتواطئ يجد متعة في تعذيب الشعوب ودمار منازلهم أو تساقط الناس قتلى. وإلا فهم يستطيعون أن يحققوا أهدافهم بتجنب ذلك أو بعض منه. هم اليوم لهم أتباعهم والعاملون معهم. هؤلاء غالباً يسهمون في اختيار القادة المحليين او يشيرون لاختيارهم. هذا يعني ليس صعباً تنحيتهم من بعد أو إرغامهم على الاستجابة والتسليم إن شاؤا أمراً "جديداً" وتقاعس هؤلاء أو رأوهم غير جديرين بالمهام الجديدة.
لكن متعة التدمير وقصف المدن وتخريب وإهلاك الزرع والبشر، سبيل يُفضَّل لجملة أسباب منها كسر كبرياء الناس وقوتهم النضالية ومنها إعادة استيراد مواد البناء والإعمار وفرض الهيبة الجديدة وإتلاف القيم الاخلاقية والاجتماعية مما تفعله ظروف مثل هذه.
يذكرني هذا بما كان في روما قبل أن تتحول الى جمهورية. فقد صارت المدينة ميداناً كبيرا للتعذيب الجماعي. وكان السادة يجدون متعة في مشاهدة انزال العقاب بـ "المجرمين". كان السكان يعاقَبون بمثل هذه الفظائع يومياً. وعندما كان "ألواندال" يطرقون أبواب هيبو – مدينة اوجستين- كانت تأوهات المحتضرين من المدافعين فوق الأسوار تختلط بصيحات المتفرجين في السرك.. أما السادة فكانوا اكثر انشغالاً بمتعهم اليومية مما بسلامة الناس وعذاب البشر.
ولعل دمار نينوى ومدن الشام وليبيا نماذج أخرى من تلك لأيامنا. ممكن جداً تلافي دمارها لو أرادت القوى اللاعبة في الشرق الأوسط، الذي يرونه شرقهم الأوسط، طرائقَ أخرى لإعادة تنظيم هذا الشرق الذي يُدَمَّر أولاً لكي يُعاد " بناؤه" على وفق خرائط جديدة ..

------------------------
الخبر : التـاريخ دائـماً يـعـاود الحـضـور .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : جريدة المدى

0 تعليق