كمال الجزولي : فِي حُلْمِ اسْتِعَادَةِ الوَحْدَةِ .. مِن اتِّفَاقِ قَبِيلَتَيْنِ .. إِلَى كُونْفِيدرَاليَّةِ دَوْلَتَيْنْ!

0 تعليق 46 ارسل طباعة تبليغ

 (حريات)

فِي حُلْمِ اسْتِعَادَةِ الوَحْدَةِ : مِن اتِّفَاقِ قَبِيلَتَيْنِ .. إِلَى كُونْفِيدرَاليَّةِ دَوْلَتَيْنْ!

Sponsored Links

بقلم/ كمال الجزولي

(1)

نهاية الشَّهر الجَّاري، التَّاسع والعشرون من ديسمبر 2016م، ستصادف الذكرى السَّابعة لإجازة المجلس الوطني الانتقالي “قانون استفتاء جنوب السُّودان لسنة 2009م”. ويُذكر أن نوَّاب كتلة “الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان” اعترضـوا على نصِّ المادة/27 منه، والتي أجازت للجَّنوبيين المقيمين في الشَّمال قبل عام 1956م التصويت حيث يقيمون في الشَّمال، وهو ما رفضته الحركة!

وفي الأسبوع الثاني من يناير القادم “9 ـ 15/ عام 2017م” ستحلُّ الذِّكرى الخامسة لإجراء “استفتاء جنوب السُّودان لسنة 2011م”.

وفي السَّابع من فبراير الذي يليه ستحلُّ الذِّكرى الخامسة، أيضاً، لتسليم “مفوَّضيَّة الاستفتاء” نتيجته النِّهائيَّة لرئيس الجُّمهوريَّة؛ وحيث لم تتسلم المحكمة العليا أيَّ طعن في تلك النَّتيجة (!) فقد اعتمدها رئيس الجُّمهوريَّة وأعلنها.

وفي التَّاسع من يوليو 2017م ستحلّ ذكرى نهاية الفترة الانتقاليَّة “9 يوليو 2011م”، يوم تنفيذ نتيجة الاستفتاء  في ما صار يُعرف، رسميَّاً، بـ “دولة جنوب السُّودان”.

ولقد أظهرت الأرقام التَّفصيليَّة لهذه النَّتيجة أن النِّسبة العامَّة للتَّصويت لصالح الانفصال في الولايات الجَّنوبيّة بلغت 99.57%، وفي الولايات الشَّماليَّة 57.65%، وفي الخارج 98.00%، بينما بلغت النِّسبة لصالح خيار الوحدة في الجَّنوب 0.43%، وفى الشََّمال 42.35%، وفى الخارج 1.45%. أمَّا النهائيَّة التي تمخَّض عنها التَّصويت لصالح “الانفصال/الاستقلال” فهي نسبة 98.83%!

هذه النِّسبة العامَّة، وهذه الأرقام التَّفصيليَّة، تشير بحزمة من أصابع النَّقد إلى “الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان” بقيادة الفريق سلفاكير ميارديت، كونها، بعد رحيل القائد الوطني جون قرنق دي مبيور، لم تكبِّد نفسها أيَّ مجهود، ولا حتَّى بمقدار قلامة ظفر،  في الدَّعوة لأجل “الوحدة”! بل إن سلفا نفسه أعلن، بالصَّوت الجَّهير، وهو على مرمى حجر، أو أقل، من الاستفتاء، ومن فوق منبر “مؤتمر الأحزاب الوطنيَّة” بجوبا بين سبتمبر ـ أكتوبر 2009م، رفضه لما أسماه “لخبطة الناس” بحديث الوحدة والانفصال، على حين كانت شوارع جوبا تنوء، وقتها، بملصقات “الدِّعاية الانفصاليَّة”!

وإذن، من يريد أن يفرح لـ “الاستقلال” فليفرح! ومن يريد أن يأسى لـ “الانفصال” فليفعل! ومن يريد أن يبكي على ذلك المآل، فالحقُّ، كلُّ الحقِّ معه، ومن يريد أن يعتبره “يوم قيامة” السُّودان، فعلى كيفه! غير أن الذي لا يجدي هو، فقط، البكاء على اللبن المسكوب من حيث النَّدم الذي ينهش الآن، ولا بُدَّ، الكثير من الضَّمائر الجَّنوبيَّة التي دفعت نحو الانفصال، دفعاً، وهللت له، ثمَّ ما لبثت أن أفاقت على مشهد الجُّثث المثقوبة برصاص الأشقَّاء تنهشها الكواسر والجَّوارح في شوارع المدن الجَّنوبيَّة!

اللبن المسكوب سيواصل انسكابه، يقيناً، في نموذج تلو نموذج، ما لم تمتدَّ الأيدي الوطنيَّة لتوقفه، خصوصاً في بؤر اشتعال الحرائق في دارفور والمنطقتين، وحول حزام السافانا الأكثر ترشيحاً لهذا الخراب، وبالأخصِّ بؤرة “أبيي” التي لم يجر فيها استفتاء، كما كان ينبغي، بالتَّزامن مع استفتاء الجَّنوب، حسب “نيفاشا”!

(2)

ويفترض الاقتصاد السِّياسي لعلاقات “المسيريَّة ـ دينكا نقوك”، حول قضيَّة “أبيي”، ملاحظة الميل الحادث، وإن ببطء، وإن بتعثُّر، نحو “خرط يد” المسيريَّة، بنظارتيهم الرَّئيستين، العجايرة والفلايتة، من التزام التِّسعينات القديم بالتَّلبية السَّلسة لسياسات المركز الحربيَّة، والاتِّجاه، بدلاً من ذلك، لتغليب مصالح المجتمعات المحليَّة، وإيلاء المزيد من الاهتمام لضرورة التعايش السِّلمي بين مكوِّناتها الإثنيَّة.

في هذا السِّياق أوردت الأنباء، خلال الأيَّام الماضية، استناداً إلى قيادات بارزة من القبيلتين، عن اتِّفاقهما، بروح يسودها التَّسامح، على تأسيس سوق مشتركة بمنطقة “أنيت”، لتفعيل تجارة حرَّة بينهما، وسط ترحيب واسع من كلا المجتمَعين، والالتزام بمواصلة الحوار كمدخل حقيقي لتأسيس واستدامة سلام اجتماعي أهلي بالمنطقة (الميدان؛ 24 نوفمبر 2016م).

هذا “الحلَّ الشَّعبي”، القائم، عمليَّاً، على ما أضحى يُعرف بـ “أسواق السَّلام” في “دفرة” وغيرها، لا يقتصر، في حقيقته، على ثنائيَّة “المسيريَّة ـ دينكا نقوك”، وإنَّما يفتح الباب واسعاً لتدلف منه، زرافاتٍ ووحدانا، كلُّ الكيانات الإثنيَّة الوطنيَّة، شمالاً وجنوباً، وبطول الكيلومترات الـ 750 على امتداد حزام السَّافنا غرباً وشرقاً، فلقد قدَّم النموذج الملهم للمجموعات كافة على ضفتي “بحر العرب”، وفتح الباب على مصراعيه أمام توسيع وتطوير هذا النَّوع الجَّسور من المبادرات الشَّعبيَّة، على غرار المبادرة الأكبر حجماً، والأوسع طموحاً، والتي كنَّا طرحناها، قبل الاستفتاء، والتفَّ حولها عدد مقدَّر من المواطنين، في مقدِّمتهم مفكِّرون، وأدباء، وفنَّانون، وكتَّاب، وصحفيون، وناشطون حقوقيون، وقادة مجتمع مدني، رجالاً ونساءً، بهدف تأسيس ما أسميناها “كونفيدراليَّة الدَّولتين المستقلتين”، وذلك بأحد احتمالين، فإما أن يقتنع شريكا النِّظام المتَّكئ، وقتئذٍ، على “نيفاشا”، وقد كان ذلك ممكناً، نظريَّاً، طالما أن الاتفاقيَّة نفسها نتاج تلاقي إرادتيهما، فيعملا على إلغاء الاستفتاء نهائيَّاً، وتطبيق مقترحات المبادرة بدلاً منه، أو أن يجرى الاستفتاء، كأحد مستحقات الاتفاقيَّة، وتجئ نتيجته لصالح “الانفصال”، فيتوافق الشَّريكان، أيضاً، على تطبيق نفس مقترحات المبادرة، كترتيبات مطلوبة، هذه المرَّة، لما بعد الاستفتاء، وهو ما سنأتي على ذكره، ونعيد التَّفصيل بشأنه، في الجزء الأخير من هذه المقالة.

 

(3)

مهما يكن من أمر، فإن المراقب المدقِّق لا يمكن ألاَّ يعود ببدايات هذه المسألة إلى مفاصل تاريخيَّة بعينها، وبالتَّحديد إلى نهايات يونيو وأوائل يوليو 2011م، حين تحوَّلت الحدود بين المجموعتين الجَّارتين، على ضفَّتي “بحر العرب”، من حدود إداريَّة إلى حدود دوليَّة، ينتشر حولها 9  ملايين راع شمالي، و4  ملايين راع جنوبي. وفي ورقته القيِّمة: “الدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة في المجتمعات الرَّعويَّة: حالة السُّودان وجنوب السُّودان نموذجاً”، يلاحظ علي جمَّاع أنه لم يكن من الميسور  للذهنيَّة الرَّعويَّة على جانبي النَّهر أن تستوعب تبعات تلك المستجدَّات، مثلما لم يكن من الميسور، أو حتَّى من المعقول، أن تتحقَّق، لمجرَّد العداء وعدم الثَّقة المتبادلين، رغبة الحكومتين، على الجَّانبين،  في أن تنتهي، بضربة واحدة، كلِّ أشكال العلاقات والأنشطة المشتركة، أو أن تتغيَّر سبل كسب العيش، بين ليلة وضحاها، تبعاً للواقع الجَّديد. ضف إلى ذلك أنه ليس لدى الرُّعاة، لا هنا ولا هناك، أدنى استعداد لرؤية قطعانهم ينهشها الجوع والعطش، بسبب الارتباك والتَّعويق اللذين تسبِّبهما المناورات السِّـياسـيَّـة  لدورات الحـيـاة المـوسـمـيَّـة بأسـرهـا، فضـلاً عـن إهـدار النُّظم الرَّعويَّة كافَّة، وإهمال العـوامـل المناخــيَّـة كـلـهــا، بالإضـافـــة إلـى البيئيَّـة، والإيـكولوجــيَّـة (

http://www.pastoralismjournal.com/content/3/1/

12).

ويواصل جمَّاع روايته لما حدث، بالنَّتيجة، حيث قرَّ قرار الرُّعاة، على الجَّانبين، لتخطي كلِّ الحواجز الإداريَّة والسِّياسيَّة عبر “الدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة”، فأمسكت قياداتهم، وقيادات منظمات المجتمع المدني، والشَّباب، والنِّساء، بزمام المبادرة لعقد مؤتمرات سلام قاعديَّة على مختلف المستويات، بصرف النَّظر عن موافقة أو عدم موافقة الحكومتين. ومن ثمَّ شهدت أواسط فبراير 2012م لقاءات “عصف أدمغة” بين القواعد على جانبي الحدود، حيث انعقد، خلال يومي 14 ـ 15 من ذلك الشَّهر،  بمدينة الميرم بجنوب كردفان، “مؤتمر المسيريَّة التَّحضيري” الذي صاغ “ورقة تفاوض” تضمَّنت توصياته حول أهمَّ القضايا المرغوب في مناقشتها مع جيرانهم المباشرين، دينكا ملوال، وعلى رأسها الحفاظ على نهج التَّعايش السِّلمي التَّاريخي بين الطرفين، عبر اتفاقيَّات وبروتوكولات رعويَّة وتجاريَّة، دون اعتبار لإرادة السلطات الحاكمة على الجَّانبين؛ كذلك، وبالنَّظر إلى تردِّي الظروف الإيكولوجيَّة، والبيئيَّة، والمناخيَّة، فإنه ينبغي التركيز على تقليل أعداد القطعان، والاهتمام أكثر بتحسين نوعيَّتها، كما ينبغي تشجيع سعاية الأنماط الجديدة من الماشية غير المترحِّلة وشبه غير المترحِّلة لأجل تمكين السُّلالات الأعلى إنتاجيَّة من النَّاحية الاقتصاديَّة، والأكثر قابليَّة للتَّسويق، بما يناسب متغيِّرات الإيكولوجيا، ومتطلبات نمط الحياة شبه غير المترحلة؛ ومناشدة الحكومتين لإخلاء الحدود من كلِّ أشكال التَّوتُّرات العسكريَّة، وإتاحة المجال للتفاعل الطبيعي والهادئ بين المجموعتين، حيث يستطيعان التَّعامل مع بعضهما البعض بشكل أفضل، بعيداً عن التَّدخلات الحكوميَّة؛ وإلى ذلك إشهار وتفعيل الاتِّفاقات السَّابقة، سواء تلك القائمة على القانون العام، أو على أسس الإدارة التَّقليديَّة، أو على الممارسة المستندة إلى العرف، وذلك في ما يتَّصل بالرَّعي، أو الوصول إلى الماء، أو تجارة الحدود؛ كما يلزم عقد “مؤتمر السِّلم القاعدي” لدى كلٍّ من المجموعتين، وفي ما بينهما، بوساطة الرُّعاة أنفسهم، وتحت إشرافهم، مع التَّرحيب بأيِّ تسهيلات يمكن أن تقدمها منظمات المجتمع المدني، أو المنظمات غير الحكوميَّة، أو المؤسَّسات الحكوميَّة، أو الأمم المتَّحدة “. وكان دينكا ملوال  قد سبقوا المسيريَّة بأربعة أيَّام إلى عقد مؤتمرهم التَّحضيري في 10 فبراير 2012م، وإلى صياغة موقفهم التَّفاوضي المشابه بالمقابل “المصدر نفسه”.

أخيراً،  في وقت لاحق، وفي ظروف توتُّر وعداء بين الدَّولتين، انعقد المؤتمر القاعدي المشترك العام للمجموعتين بمدينة أويل، عاصمة ولاية شمال بحر الغزال الجَّنوبيَّة، من 19 إلى 21  فبراير 2012م. وفي ختام المؤتمر صدر  كوميونيكيه مشترك يتضمِّن تعبير الطرفين عن أسفهم للحرب، والتزامهم  بإنهاء حالة التَّوتُّر وتدمير الموارد المفضية إلى إعاقة غير مبرَّرة للتَّنمية؛ كما صدرت، بالإجماع، توصيات ذلك المؤتمر، وأهمُّها التَّدشين الفوري لتجارة الحدود؛ وترسيم المسارات الموسميَّة مع المراقبة الصَّارمة للحقوق على الأراضي، وعلى خطوط المياه، وعلى حقول الزِّراعة؛ وإلى ذلك نزع سلاح الرُّعاة عند اختلاط المجموعتين أثناء موسم الجَّفاف؛ وتشكيل محاكم متوازنة تعنى بالفصل في قضايا النَّوع؛ بالإضافة إلى وجوب إبداء المجموعتين الاحترام المتبادل، والحرص على التَّعايش السِّلمي، وحماية الحقوق بمنأى عن التَّحيُّزات السِّياسيَّة؛ وحث الشَّباب على دعم السَّلام بالأنشطة الرِّياضيَّة المشتركة، والأسابيع الثَّقافيَّة المشتركة، والهيئات الشَّبابيَّة المشتركة؛ فضلاً عن تشجيع التزاوج في ما بين المجموعتين (المصدر نفسه).

(4)

والآن، لئن كانت تلك أبرز التَّوصيات التي خرجت بها مؤتمرات قاعديَّة محليَّة لأجل تحقيق أهداف محدودة، فإن أهمَّ المقترحات التي تتطلبها “مبادرة الكونفيدراليَّة” الأكبر، والأوسع، والأشمل للبلدين كليهما، هي:

(1) على المستوى الرَّسمي:

(1/أ) أن تتَّفق الدَّولتان على قيام “اتحاد كونفيدرالي” بينهما، أساسه سوق مشتركة، وعملة موحَّدة، وجنسيَّة مزدوجة جزئيَّاً، وعلى أن:

(1/أ/1) تكون لهذا الاتحاد أجهزة مشـتركة لخدمـة قضـايا محـدودة يُتفق عليهـا بين الدَّولتين؛

(1/أ/2) تشرف على عمل هذه الأجهزة مفوضيَّة يُتفق على تكوينها بين الدَّولتين؛

(1/أ/3) تكون لهذه المفوضيَّة رئاسة وأمانة عامة تداوليَّتان متفق عليهما بين الدَّولتين؛

(1/أ/4) تكون “أبيي”، التي ينبغي أن تتمتع، بعد مشورة أهلها، بشكل يتفق عليه من الحكم الذَّاتي، سواء أتبعت إلى الجَّنوب أو إلى الشَّمال، منطقة تمازج، وعاصمة إداريَّة رمزيَّة للاتحاد.

(1/ب) وأن يتفق الشَّريكان على تعميم حُرِّيَّات “التَّنقل ـ الإقامة ـ العمل ـ التَّملك”، داخل الاتحاد؛

(1/ج) وأن يتفقا، بالنِّسبة لمن لن تشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على أن تمتنع “الدَّولة السَّلف Predecessor State” عن إسقاط جنسيَّتها عمَّن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التَّجنس، قبل حصولهم على جنسيَّة “الدَّولة الخلف Successor State” بالاختيار، تفادياً لخلق أيَّة حالة “بدون Statelessness”، جرَّاء هذه التَّرتيبات؛

(1/د) وأن يتفقا، بالنِّسبة لمن ستشملهم الجِّنسيَّة المزدوجة، على مراعاة أولويَّة منحها للمجموعتين الآتيتين:

(1/د/1) الشَّــماليين الذيـن ارتبطـت حـيـاة ومصـالـح أجـيـالهـم، عميقـاً، بالجَّـنوب، والجَّنوبيين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم، عميقاً، بالشَّمال، تزاوجوا أو لم يتزاوجوا. إحساس هؤلاء بتهديد ترتيبات الانفصال  لحياتهم ومصالحهم قد يؤدي إلى العنف، وربما الحرب.

(1/د/2) القبائل الحدوديَّة بين الدَّولتين، من أقصى الغرب إلى أقصى الشَّرق، ويقدَّر عدد أفرادها بـ 9 ملايين شمالي، و4 ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سُّكان الدَّولتين. فإذا علمنا، مثلاً، أن قبيلة المسيريَّة الشَّماليَّة وحدها، والموزَّعة على 9 أفرع، ويبلغ عدد أفرادها زهاء الـ 135 ألف شخص يمارسون الرَّعي، بالأساس، ويمتلكون 10 ملايين رأس من الأبقار التي ترتبط حياتها بالتوغَّل وراء الماء والمرعى، في موسم الجَّفاف، إلى الجَّنوب من “بحر العرب”، بل إلى “بحر اللول”، جنوبي بحر العرب، وصولاً إلى بانتيو، لأكثر من 6 أشهر في السَّنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزَّعة على 9 أفرع، أيضاً، والبالغ عدد أفرادها زهاء الـ 75 ألف نسمة يمارسون الرَّعي، أيضاً، إلى جانب الزِّراعة، فضلاً عن التِّجارة في مدينة أبيي، لاستطعنا أن ندرك حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم، غداً، عن مجابهة الرُّعاة المسيريَّة لحقيقة عدم استطاعتهم ممارسة “رحلتهم الجَّنوبيَّة” هذه بسبب حظرها غير المستبعد، فجأة، من جانب حكومة “الدَّولة المستقلة” في الجَّنوب!

صحيح أن القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبَّه إليها قرار تحكيم أبيي في لاهاي، بصرف النَّظر عن مدى مقبوليَّته لدى أيٍّ من الطرفين، هي أن القبائل الحدوديَّة ينبغي ألا تضار من أيِّ ترتيبات بين دولتين! لكن هذه القاعدة التي تُنطق بكلمات قلائل، وفي عبارة موجزة، قد يحتاج تطبيقها إلى سنوات، وربَّما عقود، من التَّفسير، والتَّقاضي، والجُّهود الدِّبلوماسيَّة، واللجوء إلى منظمات إقليميَّة ودوليَّة، الأمر الذي لا يُتصوَّر أن يتحمَّل المسيريَّة انتظار نتائجه، وهم ينظرون إلى الآثار الكارثيَّة المدمِّرة لحرمان قطعانهم من الماء والكلأ، علماً بأنها لا تمثِّل، بالنسبة لهم، ثروة ماديَّة، بقدر ما تمثِّل قيمة معنويَّة؛ فتنفتح، هنا أيضاً، ذريعة أخرى للحرب!

(2) على المستوى الشَّعبي:

(2/أ) أن يجري دفع شعبي واسع، في كلا الدَّولتين، باتِّجاه تحجيم الانفصال، ومحاصرته في مستوى “قمَّة الهرم”، بحيث لا تتأثر به “قاعدته” إلا في أدنى الحدود.

(2/ب) ولأجل هذا يتمُّ استنهاض حركة واسعة تستوعب النَّشاط المدني الهادف، في كلا الدَّولتين، لتوحيد الطموحات الشعبيَّة، وتوجيهها نحو غايات واحدة.

(2/ج) في هذا الإطار، ولأجل الدَّعم النفسي بهذا الاتجاه، ينبغي أن يجري تنسيق جهود الاتحادات الدِّيموقراطيَّة لعمَّال البلدين، ومهنييهما، ونسائهما، وطلابهما، ورياضييهما، وما إلى ذلك، وبالأخص في ما يتصل بالتمثيل الخارجي.

***

..

------------------------
الخبر : كمال الجزولي : فِي حُلْمِ اسْتِعَادَةِ الوَحْدَةِ .. مِن اتِّفَاقِ قَبِيلَتَيْنِ .. إِلَى كُونْفِيدرَاليَّةِ دَوْلَتَيْنْ! .. تخلي جريدة اسرار الاسبوع مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هو موقع : صحيفة حريات

0 تعليق